الإهداءات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-11-11, 06:20 PM   #11
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



الفصل الثالث
عناصر الاستخلاف

1- تمهيد في معنى الاستخلاف

إن لفظ "خليفة" في قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"(1)، هذا اللفظ (خليفة) ينصرف كما هو واضح إلى جنس بني آدم لا إلى آدم (ع) وحده.

وذلك لأن آدم (ع) لا يحصل منه عصيان يبلغ درجة الفساد وسفك الدماء إنما فهم الملائكة من الخليفة أنه مجموعة منتخبة من جنس بني آدم، ومعلوم أن استخلاف مجموعة من الجنس لا يمكن حدوثه إلا بعد مراحل وحقب من الترقي وقودها الفتن ونتائجها العريضة الفساد وسفك الدماء. القرآن لم يرد على ادعاء الملائكة ولم يقل أنهم كانوا واهمين أو مخطئين في هذا التصور بل اكتفى بالقول: "إني أعلم ما لا تعلمون". الغاية من خلق (الخليفة)- كما هو واضح من العرض التي تقدم به الملائكة هو (التسبيح والتقديس)- وهو واضح في آية أخرى هي قوله "ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"(2)- فقدم الملائكة أنفسهم بديلاً للخليفة باعتبارهم يسبحون ويقدسون من غير ما حاجة إلى المرور بحقب من سفك الدماء والفساد. الرد القرآني تضمن الإشارة إلى أن هناك أمور أخرى لا يعلمونها. لعل أبرزها كما يتضح من النظام القرآني أن الملائكة لن يصلحوا أن يكونوا بديلاً للخليفة- لأنهم خلقوا بنظام آخر (ولو يشاء الله لجعل في الأرض ملائكة يخلفون)(3). والأمر الآخر أنهم لا يدركون من قدرات هذا الكائن العقلية والتطورية شيئاً.. فإن الخلافة ستكون مرافقة لسفك الدماء والفساد ويحدث الترقي المنشود حتى لن يكون هناك في (الأرض) سوى الخلفاء لله.

ولذلك جرى بسرعة اختبار للقدرات العقلية بين آدم والملائكة لإثبات أفضليته من هذه الناحية، فلما أقروا بالعجز عن معرفة المسميات- التي هي مفاتيح المعرفة أمرهم بالسجود لآدم.

لكنهم لاحظوا قبل ذلك عملية الترقي ابتداءً من الصلصال(4) والطين(5)مروراً بمرحلة التسوية وهي مرحلة البشرية وانتهاءً بمرحلة النفخ وتعليم الأسماء ومن هناك تدرك معنى التقديم في الخلق والتصوير للمجموعة على السجود لآدم في قوله تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا لملائكة أسجدوا لآدم"(6) فقد دل انتقال الصيغة من مخاطبة المجموعة إلى المفرد على أن قرار استخلاف جنس بني آدم هو المقصود القرآني من عبارة "إني جاعل في الأرض خليفة". لماذا؟ لأن التسلسل التاريخي في سورة البقرة يجعل قرار الخلافة في الأرض قبل السجود بل وقبل تعليم الأسماء، وإذن فقوله تعالى "ولقد خلقناكم ثم صورناكم" يريد به أن قرار استخلاف جنسكم كان قراراً منذ بداية الخلق أي من \طور الحمأ المسنون(1) فكأنه بخلقه وتصويره لآدم كان يقصد خلق الجميع وتصويرهم وبالتالي فالخليفة يقصد منه أيضاً استخلاف الجميع- ولكن السجود وحده هو الذي يشذ لأن السجود في آخر تلك المراحل ولا يصح إلا للفرد الذي اكتملت فيه صفات الخليفة ولذلك لم يأمر بالسجود إلا بعد تعليم الأسماء للفرد وحده وهو آدم وبعد نجاحه باختبار المعرفة.

ما هي العوامل المؤدية لاستخلاف الجنس البشري على الأرض؟

إن الفساد وسفك والدماء لازالا موجودين ومستمرين على الأرض، والخالق يريد الخلافة التامة الكاملة على الأرض التي تخلو من كل فساد وسفك دماء ليتحقق الرد الإلهي على الملأ بقوله "إنّي أعلم ما لا تعلمون" وقوله بعد نجاح اختبار آدم بالمعرفة والبرهنة على قدرته العقلية التطورية "ألم أقل لكم أني أعلم غيب السماوات والأرض"، فكيف يصل المجتمع البشري على الأرض إلى مرحلة الاستخلاف وما هي العوامل التي تؤدي إلى ذلك؟.

من الناحية العقلية لا يحتاج الفلاسفة إلى أي برهان على ذلك لأن الشعور الوجداني السائد عندهم يعلن بصورة واضحة عن وجود أفراد في غاية الصلاح، فبناء على ذلك يمكن تصور أفراد المجتمع كلهم على هذا المستوى من الحكمة والتعقل، ولا يوجد أي مانع عقلي من تصور ذلك، وهذا هو الذي دفعهم لتخيل العشرات من الجمهوريات المثالية والملل الفاضلة.

إذ يكفي ذلك للبرهنة على الإمكان العقلي لتحقق المجتمع المثالي. وإذا كان بالإمكان اتهام الفلاسفة بالخيالية رغم ذلك، فإن القرآن يصور الأمر بطريقة واقعية هي أكثر واقعية مما يرتئيه أعظم الفلاسفة، ذلك لأن الاستخلاف في الطور المهدوي لا يلغي الشرور تماماً ولا يهلك الأشرار، بل الذي يحدث هو عملية فرز حقيقي وفصل للنوعين لا غير.

هذا ما يؤكد عليه القرآن في مواضع مختلفة ومترابطة لفظياً ترابطاً مذهلاً في العرض والأسلوب والإعجاز، وما يوم الفصل إلا تعبير عن عملية الفصل هذه هي التي هي مرحلة من مراحل الطور المهدوي.

وعملية الفصل هذه لا يمكن أن يقوم بها بشر عادي، إن التعرف على المجرمين الحقيقيين هو عمل في غاية الصعوبة، ولا يقدر عليه إلا الخالق أو من يمنحه الخالق تلك المقدرة، ولكن ذلك لا يحدث أبداً ما لم ترغب الفئة الصالحة رغبة شديدة وحقيقية بالفرز والتميز عن الأشرار، ومعلوم أن فئة الصالحين لا تصل أبداً إلى هذه الرغبة الحقيقية إلا بعد أن تذوق الأمرين من جراء خلط الأوراق ببعضها والتباس الحق بالباطل، ولا تتمنى ذلك إلا بحدوث كوارث فضائع وهو ما يسميه القرآن (بالفتنة) وفي مواضع أخرى بـ(البلاء) فتكون تلك الفتنة هي المحرك الوحيد للصالحين الذي يدفعهم إلى البحث والمعرفة لحماية أنفسهم من الضلال وتأكيد هويتهم وحينما يصلون إلى درجة من المعرفة بأنفسهم ودينهم وعقيدتهم وأساليب عدوهم، تمكنهم من تحقيق الفرز داخل نفوسهم بدقة لا تشوبها شائبة- عندئذ يأتي المدد الإلهي وينم الفرز ويتحقق الوعد.

وبإمكاننا أن نجد لهذا التصور العشرات من الآيات القرآنية المؤيدة لذلك والأحاديث الصحيحة، بل سنجد آيات قرآنية لا تفسر أبداً إلا وفق هذا التصور. والمؤمنون يتمكنون بكل يسر من الفرز لوضوح الآيات وكونها بينات ومفصلات وكون القرآن هو النور الذي ترى به الأشياء، وكون الاختلاف ليس سببه الجهل بل بالعكس- إذ يؤكد القرآن على حدوث الاختلاف بعد مجيء العلم وبعد التبيين ولهذا يكون الحق واضحاً والباطل واضحاً ومتميزين عن بعضهما تميزاً شديداً لا يدعي عدم معرفتها إلا متحيز إلى فئة أو شاك في أصل العقيدة أو متبع للهوى أو متعبد بشرائع الطغاة- مما رأيناه في الآيات القرآنية في بحث سابق.

ومن هنا أرتبط الظهور بالفتنة والبلاء واعتبرهما القرآن جزء من الفرز:

"ونبلوكم بالشر والخير فتنة"(1)

"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم"(2)

"وكذلك فتنا بعضهم بعضاً"(3)

"وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون"(4)

وتؤكد آيات قرآنية على حدوث الفتنة في الأمم الماضية واستمرارها في هذه الأمة، بل وبقائها إلى آخر يوم من أيام الفتح العظيم للدين.. فالفتنة تشمل الأزمنة الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل،وهي تشتد وتكبر كلما اقتربنا من عصر الظهور بل اشتداد الفتنة هو العلاقة الاجتماعية الأوضح لعلامات الظهور وهذا ما ستلاحظ تفصيله في العلامات بإذن الله.

وبهذه الطريقة تعرف أسرار الأحاديث النبوية والآيات القرآنية والرباط الوثيق بينهما وهي مجموعة الآيات والأحاديث التي تتحدث عن الفرز والفصل بين الفريقين. لأن عملية الفصل تحدث في نفوس المؤمنين والفجرة في آن واحد نتيجة الفتنة والصراع ويكون المدد الإلهي في هذه الحالة هو الذي يحسم الأمر ويميز الفئتين عن بعضهما باستخدام التحجير أو الوسم الذي تقوم به (دابة الأرض) المذكورة في القرآن حيث تسم على وجه الكافر وسماً لا يزول.

ويؤكد القرآن على عملية الوسم في مواضع منها "سنسمه على الخرطوم"(1) ومنها ما في سورة الرحمن "يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام" ومنها ما في سور أخرى تأتينا في مواضعها إن شاء الله. وبذلك يحدث الترابط بين الحديث النبوي وبين القرآن.

كما سنرى في العلامات الكونية- أسلوب التقسيم وانقسام الأرض إلى جزئين مختلفين- بالربط بين العلاقات والعلم الحديث وما ورد من الحديث في السنة المقدسة، ولكننا الآن نعود إلى السؤال الأصلي عن العوامل المؤدية إلى الاستخلاف، فنحاول إيجاز تلك العوامل بأقل الكلمات وأدلها:

هناك عاملان أساسيان للاستخلاف الأول القدرات التطورية لهذا الكائن والثاني وجود الدليل وهو العقيدة الهادية مع قادتها.

2. العامل الأول

القدرات التطورية للإنسان

قلنا أن المعرفة هي سر أفضيلة آدم وهي سبب إسجاد الملائكة له وهي الأساس في عملية الاستخلاف، والمعرفة تحتاج إلى لغة، ومن هنا (علم آدم الأسماء كلها)ومن هنا قال أيضاً "علمه البيان"(3). إذ البيان هو اللغة القادرة على التوضيح والتبيين والكشف عن المعرفة.

وقد علم الله آدم الأفكار ووضع له قانوناً، وكان ذلك هو القانون الأول الذي وضع إذ أوضح له عدوه ليتمكن من الفرز:

"يا آدم إنَّ هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى"(4).

كان قانوناً بسيطاً وواضحاً، والجنة التي فيها آدم هي جزء من القانون الإلهي للخليفة- فأنه خلقه لعبادته لا للعمل والكد، فما دام في الخلافة فهو المتكفل برزقه ولهذا ارتبط الاستخلاف بالجنات بصورة دائمة في القرآن.

إذ رأينا سابقاً أن الله تعالى يقول "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين"(5).

فالغاية من الخلق هي العبادة، وحينما تتحقق العبادة يتكفل الخالق بالرزق إذ لا يعقل أن يكون هم الخليفة الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته- لا يعقل أن يكون همه تأمين لقيمات العيش لنفسه وخالقه قادر على إعطاءه جنة لا حدود لمساحتها، إذ القادر على خلق السماوات والأرض بقوله كن، لا يضره خلق مثلهن شيئاً ولا يكلفه شيئاً مذكوراً، ولذا كان الخلود الأبدي في جنات.. لا منتهى لمساحتها كعرض السماء والأرض.

ومن هنا أرتبط الاستخلاف بالجنات الدنيوية.. وأشار القرآن إلى الماضي كما أشار إلى المستقبل، فمن الماضي "كم تركوا من جنات وعيون، وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوماً آخرين."(1)

فقد أورثت تلك الجنات للقوم المستخلفين من بعدهم. وللمستقبل أعتبر تحقق الإيمان والتقوى سبباً لحصول الجنات:

"ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"(2)

ولذلك كانت الجنة في الطور المهدوي أمراً محتوماً لتحقق الإيمان والتقوى، ولتحقق التطبيق الفعلي للشريعة والحكم بجميع ما أنزل الله:

"ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لا كلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم"(3).

ويدل ذلك على أن كتاب الله واحد من رب واحد بشرع واحد.. وأن الناس هم الذين اختلفوا فيه.. والمهدي سمي كذلك "لأنه يهدي إلى أمر ضَّل عنه الناس"(4) ومن هنا نعلم أن لكل طور استخلاف في الأرض جنة على الأرض وطور الاستخلاف الأخير وفق الرسالة الخاتمة هو أهم الأطوار وأتمها وأدومها وهو خاتمتها وهو دائم مستمر ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك.

وإذن فلم يكن الخالق-عز وجل- قد أدخل آدم الجنة وهو قد قرر سلفاً إخراجه منها- كما يزعم البعض، لقد أدخله الجنة وتمنى له البقاء فيها فعلاً، ووضع له قانوناً وعلمه الطريقين وحدد له عدوه، فإذا كان آدم (ع) يرغب في الخروج من الجنة وفق القانون المعمول به فليفعل، فهو حر، وحريته وقدرته على الاختيار القائمة على معرفته وذاكرته هي سر أفضليته واسجاد الملائكة له وهي سبب عصيان إبليس وبالتالي مراهنته على عصيان آدم. ولذلك فإن من حق الجميع أن يغروا به وليس إبليس وحده، ذلك لأنه يمتلك أمره وكل قرار يتخذه إنما يتخذه بناءً على اختياره، فهو المسؤول عن فعاله، ولكن حق الإغراء هذا يضيع في الحضرة الإلهية ولا يفكر فيه امرؤ ذو خلق، إذ لا يوجد أحد من الملأ العلوي يفكر بتحريض المخلوق على عصيان الخالق. إنه حق أشبه شيء بشعار الخوارج- حق يراد به باطل- وإبليس هو الوحيد الذي طالب به أو قصده ولكن لم يفعل ذلك إلا بعد أن أسقط في يده وطرد من وسط الملائكة وأخرج مرجوماً ملعوناً إلى يوم الدين، فإنه ما قال شيئاَ عن عزمه على الإغواء على إلا بعد اللعن والطرد كما هو التسلسل في ص والحجر.

إن الذين زعموا أن جنة آدم في السماء هم أنفسهم الذين تورطوا في المشيئة والإرادة وصوروا الأمر على أنه قضية مفتعلة أو قصة رمزية، بل وأعطوا المبررات لبعض المتحذلقين الذين لا يفهمون شيئاً عن حقائق الدين والخلق والتكوين، ليدافعوا عن إبليس.(1)

لقد كانت جنة آدم في الأرض، وهو خليفة الله في الأرض، والجنة جزء من قانون الخلافة على الأرض كما أشارت آيات الرزق والخلق الآنفة، وكانت قصة آدم هي قصة استخلاف أول كائن على الأرض واضحة كل الوضوح، ووقعت وفق قوانين العدل والحق المتفق عليه بين العقلاء.

وإذا كانت المعرفة والذاكرة هي سر أفضلية آدم، فإن الخلل الذي أصاب الذاكرة هو السر في عصيانه وبالتالي إخراجه من الجنة، حيث ربط القرآن الأمرين ربطاً وثيقاً بين تعليم الأسماء وتذكرها في الاسجاد وبين نسيان تلك التعاليم حيث العصيان:

"ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً"(2)

ولكي لا تتكرر نفس القضية، ولكي تعود ذرية آدم إلى طور الخلافة في الأرض، ونزول البركات وظهور الجنات مجدداً، وفق تلك القوانين، فإن عليهم أن يصلوا إلى مرحلة الطاعة التامة للخالق، ولا يحدث ذلك ما لم يتمكنوا من استغلال قدرات العقل بأقصى مدى ويتذكروا تعاليم الخالق وتتكون لهم ذاكرة تاريخية عما حل بالذين من قبلهم من الدمار والهلاك، ولذا أكد القرآن على الذاكرة بشكل ملفت للنظر فجاء بجميع اشتقاقاتها اللغوية فيما يقارب من ثلاثمائة مرة وهو قريب من الرقم الذي ذكرت فيه السماوات والأرض، فمن تلك الصيغ: اذكروني، اذكروه، يتذكرون، يذكرون، للذاكرين، الذاكرون، اذكر، اذكروا، اذكرّ، هل من مُدكر، ذكراهم، الذكرى، التذكرة، الذكر.

وقد رأينا استعراض آدم للمسميات وانّه كان اختباراً لعمل الذاكرة(والعقل)، في حين أن عصيانه وإخراجه من الجنة، كان نتيجة لعمل الذاكرة الخاطئ "نسي ولم نجد له عزماً" فالعزم هو القوة الدافعة للاختيار عند حصول اليقين التام بصحة الاختيار ومنه قوله تعالى "فإذا عزمت فتوكل على الله"(1)، وبهذا العزم وصف القرآن بعض الرسل فقال: "فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل"(2).

ومن هنا كانت الذاكرة هي لب العقل والجزء الفعال في إتقان العقل لعمله ولهذا أرتبط ذكر العقل بكل ما له صلة بالحوادث وتسلسلها والمعرفة الحقة والتمييز بين الأشياء، فكان استخلاف الله للإنسان في الأرض يكمن في جزء منه في التصميم الخلقي له والتكوين العقلاني لدماغه أي في عقلانيته وامتلاكه الذاكرة فركز القرآن بشده على الموضوع التاريخي السابق واللاحق، وكانت القضية التاريخية تشكل جزءاً كبيراً من كتاب الله، يرى الإمام علي (ع) إنها تشكل ربع القرآن. إن العقل ولبّه الذاكرة هما اللذان يشكلان السلم التطوري للإنسان للارتقاء نحو العبودية الحقة لله، والتحرر من منشأه الطيني والصعود إلى مصدر الروح التي فيه، فالاقتراب من المبدأ الأول المطلق هو طريقه الوحيد للتحرر من قيود المادة الترابية وخدمة التراب، والخلاص من ذلك الارتباط الاستعبادي للتراب بالعيش من التراب ثم الموت والرجوع إلى التراب، ومن هنا كان وجود الماء هو حلقة الوصل بين مرحلتين.. فبالماء صار التراب طيناً لازباً وكلما اقترب من الذات المقدسة أرتفع بروحه في حين يظل الماء يجري تحته في (جنات تجري من تحتها الأنهار)، وكلما أبتعد عن الذات لاحقته النار، لتعيده إلى الفخار وإلى الصلصال.. فكأن اللفظ القرآني يشير إلى أن الماء الذي هو سر الحياة وحلقة الوصل إلى نفخ الروح- إما يكون ذليلاً جارياً تحت أقدام المؤمنين وأما أن يكون حلماً يشتهيه الفجار الذين أخرج الماء من أجسادهم بالنار التي هي نقيض الماء.. لأعادتهم إلى طور الفخار الذي لم يرغبوا في التسامي عليه والارتفاع عن ذلته وخزيه،ولذا كان أشهى ما يريدون هو الماء:

"ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء"(3)

وكانت أشد استغاثتهم هي من أجل الماء:

"وإن يستغيثوا يغاثوا بالماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب"(4)

ومن هنا كان احتقارهم للماء سبباً في جعل الماء من أهم الأساليب المتبعة في تعذيبهم في الدنيا والآخرة:

"وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم"(1).

"ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر"(2)

"اغرقوا فادخلوا النار"(3)

في حين أصبح الماء من أجلى صور النعيم لأصحاب الجنة، في الدنيا والآخرة أيضاً، فالحوض حوض عظيم عليه [أقداح فضة عدد النجوم].. والكوثر نهر في الجنة، والماء توفر لخدمة أولئك الذين تساموا على الماء والتراب:

"فيها عينان نضّاختان"(4)

"فيهما عينان تجريان"(5)

"عيناً فيها تسمى سلسبيلاً"(6)

"في سدر مخضود وطلع منضود وماء مسكوب".

واعتبر الماء رمزاً لتوافر كل النعم، فيما لو استقام الناس على الطريقة واكتفى به وحده لذكر جميع النعم:

"ولو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماءً غدقاً"(7)

وفي هذه الآية قال "لنفتنهم فيه"، فكما الماء عقاب وكما هو ثواب فهو أيضاً فتنة، فالماء يلاحق التراب من أول منشأه إلى آخر مراحله- دخل في تكوينه وبناء جسده وطعامه وكان له فتنة، فإن استقام كان يجري من تحته وأن أعرض كان الماء عذاباً دنيوياً له، وصار الحصول عليه حلماً يراوده.. فإن أغيث به أغيث بماء حمي على النار فصار حميماً يقطع أمعاءهم..

والفتنة، تعني في اللغة إرجاع كل شيء من أجزاء المركب إلى أصله، فالذهب يفتن على النار، لفصله عما علق به من شوائب، وفتنة الله للناس هي لتحريك العقول وتشغيل الذاكرة، لأجل التمييز والفرز والتطهير من الشوائب:

"ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب"(8)

فانظر إلى دقة التعبير عند الانتقال من الحديث عن الجماعة الغائبين إلى جماعة المخاطبين فقد أنتقل الكلام من حيث لا تدري من الحديث عن المؤمنين إلى عبارة (ما أنتم عليه)، فكأنه يقول- لا نذر أولياءنا من المؤمنين- على ما انتم عليه أيها الجماعة المختلطة ببعضها حتى نخرج الخبيث وتفرزه عن الطيب.

ولذلك يخاطبهم عند حدوث الفرز الأكبر والشامل "يوم الفصل" بقوله:

"وامتازوا اليوم أيها المجرمون"(1)

ولأن عملية التمييز هي ما يقوم به العقل فقد أستخدم القرآن الألفاظ التي تحفز عمل الذاكرة، وقرن العقل، بجميع الحقائق التي تؤدي إلى المعرفة وأهمها الذاكرة التاريخية وما يتصل بها:

"أ فلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها"(2)

فهذه الآية تشير إلى البحث عن حقائق التاريخ.

"يسمعون كلام الله يحرفونه بعدما عقلوه"(3).

وهذه مثلاً الأمانة في تسجيل الحقائق، ففقدان الأمانة يلغي عمل العقول

"وما أنزلت التوراة إلا من بعده أفلا تعقلون"(4).

وهذه الآية تخص تسلسل الحوادث التاريخية، فتخريب هذا التسلسل يشل عمل الذاكرة ولذا تساءل: أفلا تعقلون؟

ومن كل نفهم أن استخلاف الله للإنسان إنما قام أول ما قام على طبيعة تكوينه وتركيبه كونه يمتلك العقل والذاكرة وكونه يمتلك المادة أو الأداة لعمل العقل وهي اللغة والأسماء التي علمهّا له والمتلائمة مع مديات سمعه وعقله وتركيب آلآت نطقه، وكونه يمتلك القدرة على التسجيل والكتابة لحفظ حوادث التاريخ، وكل ذلك يشكل لديه القدرة على خزن المعلومات وتطويرها لأن كل جيل لا يبدأ من الصفر بل يبدأ بآخر ما توصل إليه العقل الإنساني ويضيف عليه ما يكشفه هو من حقائق فيتكون بذلك خط تصاعدي مستمر، لا ينقطع حتى في أسوء مراحل التدهور، لأن هذا الخط هو من صنع الطبقة الواعية وترسمه الفئة العقلانية دون الطبقة العامة الساذجة أو الشريرة.

ولذلك كان للتسجيل والكتابة دورها الأكيد في الحفاظ على هذا الخط وتمكينه من الاستمرار في التصاعد.. ويعلن لنا الخالق سبحانه- إن التسجيل هو الآخر كان بتعليم ويأمر منه وإيعاز من قبله:

"اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم"(5)

والتأكيد على اقرأ وتقديمها على القلم يحمل إشارة واضحة إلى ضرورة الاستفادة مما كتبه القلم وبدون استعراض وتذكر لما سطره القلم، لن تكون هناك فائدة من كل ما كتبه القلم، ولن يحدث بالتالي أي تصاعد لخط التطور نحو مرحلة الاستخلاف.

أدلة ممن المأثور على أن جنة آدم (ع) في الأرض.

أ. فأوّل الأدلة هو قانون الاستخلاف الذي ذكرناه وعناصره التي لا زلنا بصدد الحديث عنها. فقوله تعالى "إني جاعل في الأرض خليفة" يحمل الدلالة على ان الخليفة في الأرض لا في سواها. فالذي يدعي أنه خُلق في السماء وأسكن جنة السماء ثم أنُزل إلى الأرض يناقض الظاهر من هذه الآية.

ثم اعتراض الملائكة (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) هو حديث عن قانون جار منذ القدم منذ خلق الجان. فمادام هناك تطور واختيار فلا بد من حدوث فساد وسفك دماء. ولا يوجد فصل في سورة البقرة بين قوله "اني جاعل في الأرض خليفة" ثم الرد على اعتراض الملائكة وبين قوله تعالى "وإذا قلنا للملائكة أسجدوا لآدم" كل ذلك يدل على أن الوقائع جرت في الأرض.

فإن قلت: فما معنى قوله تعالى "قال اهبطوا منها جميعاً".

قلنا: لم يقل(اهبطوا الأرض) بل اهبطوا منها أي في نفس الأرض. ولم يقل انزلوا. فاهبطوا ليس من فوق إلى أسفل بالارتفاع بل من الأعلى إلى الأدنى من الناحية الاعتبارية قال تعالى لبني إسرائيل:

"أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم" 61/2.

فهبوطهم كان من الأرض المقدسة إلى مصر ومصر هي الأدنى. ثم إن موضوع الفوق وتحت في الكون لا يعرف للآن.. والكون واسع جداً كما رأيت في الفصل الأول، وعلم الفلك الحديث يحدد المسافات والاتجاهات عن نقطة ما وإلا فلا يعرف اليمين من الشمال والفوق أو التحت في المجموعة الشمسية فضلاً عن سائر الكون، ونتيجة الدوران في المدارات الواسعة تصبح الأرض تارة فوق المشتري مثلاً وتارة تحته حتى بالنظر إلى تلك النقطة المعلومة.

ب. إن في المرويات ما يدل على أنها جنة أرضية بل بعضها صريح بذلك.

منها: حديث الذر والميثاق والحجر الأسود، وهو حديث طويل لبكر بن أعين عن الصادق (ع)(1) يسأله لأي علة وضع الحجر في الركن الذي وضع فيه، فحكى له الإمام قصة أخذ الميثاق وإلقامِه ملكاً للشهادة ثم تصور هذا الملك بصورة حجر فلما عصى آدم وأخرج من الجنة كان بأرض الهند فرأى الحجر فأنس إليه وهو لا يعرفه: "قال يا آدم أتعرفني قال لا. قال استحوذ عليك الشيطان فأنساك ربك وتحول إلى صورته التي كان بها في الجنة مع آدم فقال آدم أين العهد والميثاق فوثب إليه آدم وذكر الميثاق وبكى وخضع له وقبله وجدد الإقرار بالعهد والميثاق"(1)، وقد أعتبر الإمام أنه لهذه العلة صار تجديد العهد والميثاق وتقبيل الحجر كل عام عند الموافاة إلى الكعبة. وأما علة وضعه في الركن فقال:

"حمله آدم على عاتقه إجلالاً وتعظيماً وكان إذا أعي حمله عنه جبريل (ع) حتى وافى به مكة فما زال يأنس به بمكة ويجدد الإقرار له كل يوم وليلة ثم أهبط الله عز وجل جبريل إلى أرضه وبنى الكعبة هبط "أي آدم" إلى ذلك المكان بين الركن والباب وفي ذلك المكان تراءى لآدم حين أخذ الميثاق وفي ذلك الموضع ألقم الملك الميثاق"(2) انتهى.

لقد دلت العبارات الأخيرة على ان الجنة التي دخلها آدم كانت على الأرض بل وتحديداً- إن المكان الذي أخذ فيه الميثاق- هو حالياً بين الركن والباب حيث و ضع الحجر.. فأول الحديث أكد أن الملك الذي أخذ الميثاق أخذه في الجنة والإقرار كان في الجنة.

قال في أول الحديث:

".. كان ملكاً عظيماً من عظماء الملائكة عند الله عز وجل فلما أخذ الله الميثاق من الملائكة كان أول من آمن به وأقر ذلك الملك. فاتخذه الله أميناً على جميع خلقه فالقمه وأودعه عنده، واستعبد الخلق أن يجددوا عنده في كل سنة الإقرار بالميثاق والعهد الذي أخذه الله عليهم ثم جعله الله تعالى مع آدم عليه السلام في الجنة يذكر الميثاق ويجدد عنده الإقرار في كل سنة"(3).

ومنها: ما في علل الشرائع: مسنداً عن الصادق (ع) قال سألته عن جنة آدم فقال جنة من جنان الدنيا تطلع منها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الخلد ما خرج منها أبداً.(4) كل هذه الأدلة تؤكد أنها جنة أرضية وكونها غير أرضية هو فرض مخالف للوعد الحق فإذا أتممت دراسة هذا الكتاب تأكدت لديك تلك النتيجة.

3. خصائص العقيدة (الهيمنة والتصديق)

بعد حدوث العصيان، ولا زال الخليفة الأول بمفرده من غير ذرية، وخلال خروجه من الجنة حدد الخالق. الواسع الرحمة- حدد له الطريق الواضح الذي يمكنه من العودة للجنة، مع ذريته ولكن ذلك منوطاً بخياراتهم لا سواها.

"ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى"(1)

قال اهبطا منها جميعاً فأما يأتينكم مني هدى فمن أتبع هداي فلا يضل ولا يشقى"(2)

فطريق الهدى إذن واضح منذ البداية، ومن أتبعه فلا يضل ولا يشقى، لأنه مرتبط بنزول البركات وتكون الجنات. أما طريق الضلال فهو طريق الشقاء، طريق العيش الضنك والعمى:

"وأما من أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى"(3) والمعيشة من صفات أو أسماء الحياة على الأرض، وليس كل من أعرض عن ذكر الله عاش معيشة ضنكاً كما هو معلوم.. ففي الطور الأخير للاستخلاف وعند (وقوع الدين) تحدث المعيشة الضنك لأولئك الذين أعرضوا عن ذكره وذلك في طور الاستخلاف.

ولذلك كانت جميع العقائد التي من صنع الإنسان لا تجلب لهم إلاّ الشقاء وضنك العيش، وهذا ما سنبرهن عله بإذن الله بالعشرات من الآيات القرآنية تآمروا على معانيها وحرفوها عن مقصودها، ليجعلوا البعث مقصوراً على ما بعد القيامة، والنشور في عالم سماوي لا نعلمه.

تختلف العقائد الوضعية عن عقيدة الله بأمر بالغ الأهمية، فإن هذه العقائد تحارب بعضها بعضاً، وتقوم خلال ذلك باتهام بعضها البعض، فتخفي دائماً كل عقيدة عن اتباعها، اتهامات الخصوم لها، لأنها لا تتمكن من أبطال تلك التهم فيكون الجميع من هذه الناحية صادقين إلى حد ما في إبطال بعضهم البعض.

ولا نجد نظاماً في العالم يقوم بنقل اتهامات خصومه كما هي ويمكن من الرد عليها أو إبطالها.. بل يحاول الأعلام الاستمرار في صنع الأكاذيب وتشويه الحقائق بشأن أي نظام مخالف، فضلاً عن نقل انتقاداته كما هي، أما الفكر الإلهي فهو يختلف في هذه النقطة، فهو يسرد بكل ارتياح أقوال وأفكار الخصوم بما في ذلك الأساليب الشاذة في الاستهزاء بالرسالة وصاحبها (ص). ولا يهّتم القرآن بإخفاء تلك الأفكار وقطع دابر الترويج لها كما فعلت العقائد الوضعية المذعورة من بعضها البعض، فهو لا يخشى من أي نقد، بل بالعكس من ذلك تماماً، إذ يبدو انه يتقوى أكثر بتلك التهم فينقلها كما هي، لماذا؟ لأن الفكر الإلهي يمثل الحق بل هو الحق، وكل نقد للحق هو وقوع بالباطل، فأي اتهام ونقد سيكون نقطة ضعف جديدة على الخصم لا عليه، ذلك لأنه لا يوجد بعد الحق إلا الضلال، ولهذا نجد القرآن ينقل لنا تلك الأقوال كما هي، بما في ذلك اتهامهم لصاحب الرسالة (ص) بالجنون. إن هذا يبرهن على مدى تعالي الفكر الإلهي وسموه وقوته الذاتية وقدرته على تحطيم كل ما سواه من عقائد.

"وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً"(1)

"وقالوا يا أيها الساحر ادعوا لنا ربك"(2)

"وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون"(3)

"ويقولون أءنا لتاركوا الهتنا لشاعر مجنون"(4)

"ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون"(5)

"فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون، وأزدجر"(6)

"أم يقولون به جنة، بل جاء بالحق وأكثرهم للحق كارهون"(7)

"أم يقولون افتراه بل هو الحق"(8)

فأنتَ ترى أنه يستخدم لفظ (الحق) للإجابة والرد على اتهامات الخصوم وأقوالهم لأنه في موقع القوة والتعالي باعتباره حقاً وكل اتهام له هو باطل، فلم يذكر هنا العقل أو القلب أو غيرهما من ألفاظ.

فبمثل هذه العقيدة، التي تمثل الحق والتي منشأها الحق وبمثل هذا الفكر النير سلح الخليفة في الأرض، والذين جاءوا بالهدى وحملوا له هذا الفكر هم الأنبياء والرسل، إنهم المثال العالي الذي لا يعلوا عليه أحد في الإخلاص للإنسانية والتضحية في سبيل المبادئ، وهم المثال العالي في قوة التحمل والصبر، والتفوق الفكري وسمو الأخلاق، تدثروا بدثار الحكمة والمعرفة فكان كلامهم أعلى الكلام ونظام قولهم أدق وأشمل وأوسع معنى من كلام أعظم الخلق من غيرهم وكانت شجاعتهم تفوق شجاعة أقوى القادة، وكان الذي أكلوه وشربوه ولبسوه وسكنوه وأنفقوه لأنفسهم هو الأقل من جميع البشر في حسابات الصرف.. لقد كانوا أعلى البشر قدرة واقتدار وعلماً وحكمة وشجاعة.

ولا يمكن بحال وصف الفكر الإلهي وخصائصه بكتاب، لأن خصائصه هو التطابق التام مع نواميس الطبيعة والكون ومنطق الأشياء، فهو يسير متوافقاً مع الطبيعة ومع قوانين الخلق وتاريخه ويلبي جميع الحاجات ويجيب على جميع المعضلات والأسئلة والأكثر صعوبة هو وصف الرسالة بصفات أو سطور لأن كل فقرة وكل حكم وكل تشريع وكل قول صحيح الانتساب للرسالة هو دليل وصفي لعظمتها وبالتالي لا توصف هذه الرسالة إلا بكل ما أثر عنها وما سوف يكتشف من جوانب للحكمة والإحكام فيها. ولكن هناك خصائص يمكن درجها باعتبارها من أوضح مؤشرات القوة الكامنة فيها.. والتي تجعل من الاستخلاف أمراً محتوماً ومن تلك الخصائص:

أولاً: استمرار الرسالة ببقاء المعجز:

ونعني بذلك شيء بالغ الأهمية والخطورة في آن واحد، شيء سنكشف لك حقيقة مذهلة عنه سترت عنه بركام كثيف من التزييف والتحريف فلا نعني به مجرد فكرة ساذجة يقصد بها بقاء أو خلود هذا الدين! فما أكثر الأديان والمعتقدات الفاسدة التي تعمر قروناً طويلة.. بل نقصد أن انقطاع النبوة لا يعني انقطاع الرسالة القائمة على نفس التشريع.. فإن لكل رسول معجز إذا مات الرسول ما مات المعجز معه.. إلا ما حدث في الرسالة الخاتمة فإن الشريعة نفسها قد صيغت بطريقة عجيبة لتكون هي نفسها المعجز والشريعة في آن واحد.. فموت النبي أصبح في آن واحد لا يؤثر على استمرار الرسالة. فهناك فرق بين الرسالة والنبوة. والقرآن والمأثور قد أكد لنا أن الرسول (خاتم النبيين)، فالنبي لا يحتاج إلى معجز إنما يحتاجه المبلغ للرسالة وهو الرسول وبقاء المعجز بعد رحيله أعطى الرسالة قوة البقاء والديمومة والاستمرار.

من المحال بطبيعة الحال وجود معجز بدون وجود حامل لهذا المعجز! فالمعجز هبة إلهية ونفحة ربانية وآية سماوية لا يمكن أن يترك لكل من هب ودب من غير قائم به عارف بحمله واستعماله. وهذه قضية تناقض روح الدين والمنطق العقلي آمنت بها هذه الأمة إذ اعتقدت بأشياء متناقضة في آن واحد: اعتقدت أن المعجز باق بعد النبي واعتقدت أنه لا حامل مخصوص له واعتقدت أنه لا يمكن تأويله واعتقدت أنها تقدر على تأويله فقامت بتأويله وتلك هي مجموعة من الأشياء المتناقضة التي لا تجتمع إلا في عقول الجهال أو المحرفين. لقد كانت تلك المقولات صفحة من صفحات التآمر على الرسالة وديمومتها واستمرارها وفيها محاولة واضحة لجعل المعجز في متناول الجميع يأخذ كل منه حسب رغبته وطريقته وهدفه ففي نفس الوقت الذي زعموا فيه أن لا قدرة لأحد على تأويله قاموا بتأويله ووضعوا كتباً خاصاً بالتأويل والتفسير، فكأنهم أقروا أن المعجز لن تكون في بقاءه منفعة ما لم يستعمل ويكتشف ولكنه إقرار جاء متأخراً وبحسب التخطيط السابق ليجعلوا من أنفسهم بديلاً لحامله الحقيقي، ويتحقق الهدف المتمثل بإفراغه من محتواه الشمولي.

ثانياً: هيمنة المعجز:

من خصائص الرسالة الخاتمة خاصية الهيمنة على الرسالات، وإنما ذلك لهيمنة كتابها على الكتب. والهيمنة هي القوة والتعالي اللذين أتصف بهما الفكر الإلهي منهاجاً وقادة فهذه العقيدة تفسر جميع الظواهر ولا يمكن لأحد من تفسيرها، ولذا أصاب الإحباط وخيبة الأمل والفشل كل أولئك الذين حاولوا تفسير الرسالة بغير ما فسرت به نفسها كونها منزلة من الله.

الرسالة الخاتمة حاصرت الجميع فكرياً محاصرة شديدة في زاوية ضيقة جداً.. محاصرة سلمية فأسمها الإسلام مشتق من التسليم لأمر الله.. فهل يستطيع النصراني أو اليهودي أن ينسلخ من هذا الاسم والأنبياء (ع) جميعاً ينادون بالتسليم لوجه الله؟

ومن أجل ذلك كان المحرفون منهم- كالمحرفين في هذا الأمة- يستخدمون أسماً آخر لأتباع هذه العقيدة إذ يسمونهم (المحمديين) بدل المسلمين.. ذلك لأن الاسم نفسه يؤذيهم ويؤنبهم ويذكرهم بإعراضهم.

ولا يعرف النصراني كيف يفسر الإسلام ولا صاحب الرسالة، بل لا يعرف النصراني كيف يعامل المسلم مع الاحتفاظ بمحبة المسيح (ع).

ذلك لأن المسلم الحقيقي يقدس المسيح أكثر من النصراني.. وعدا ذلك فإن المسلم يؤمن أن المسيح روح الله وكلمته وأنه يحي الموتى وينفخ الطين فيكون طيراً بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص، كما يؤمن النصراني بذلك.

والمسلم يؤمن بأن المسيح ابن مريم وأنه روح الله لا أب له كما يؤمن النصراني. والمسلم يؤمن أن المسيح (ع) حي في السماء كما يؤمن النصراني، وأنه لا بد أن يعود وأنْ يظهر المعجزات تارةً أخرى ولا بد أن يحكم في (مملكة الرب أو ملكوت الله) على الأرض كما يؤمن النصراني!.

والمسلم يؤمن أن الله واحد لا شريك له هو الخالق العالم وعبادته واجبة وعبادة غيره مصيرها النار.. تماماً كما يؤمن النصراني حسب الإنجيل.

والمسلم يؤمن أن الإنجيل كتاب الله وهو هدى ونور وأن الحكم به واجب وأن من لم يحكم بما أنزل الله فيه فأولئك هم الفاسقون.. كما يؤمن النصراني المتدين تماماً.

وهنا تكمن مشكلة النصراني! فإن كل ما يؤمن به النصراني الذي لا يشرك بالله شيئاً يؤمن به المسلم ولكن العكس ليس صحيح! فالمسلم يستوعب كل عقيدة النصراني ولا يتمكن النصراني من استيعاب كل عقيدة المسلم إلا جزاً يسير منها هو ما يخص المسيح والإنجيل وهو جزء بالغ الضآلة.

ومن هنا صارت عقيدة المسلم مهيمنة على عقيدة النصراني وتحتويها احتواءً كاملاً.. ومن هنا أصبح النصراني محاصراً في زاوية ضيقة!.

وما يصدق على النصارى يصدق أكثر على الذين هم أبعد عن دين التوحيد الخالص وتنزيه الأنبياء (ع) كاليهود وغيرهم. حيث تفضح الرسالة الخاتمة وكتابها المهيمن جميع أكاذيبهم وتخليطهم. لماذا؟ لأنها أوضحت وفصلت كل ما اختلفوا فيه وكل ما غيروه وبدلوه وحرفوه، ومن المؤكد أن قلب كل مؤمن فيهم يكشف ذلك التغيير والتحريف والتبديل- تماماً كقدرة المسلم على كشف التحريف بكل يسر وسهولة في الرسالة الخاتمة، وإذا كان الأمر كذلك عند علمائهم فإن الأمر أكثر يسراً للعوام وأكثر وضوحاً.. لأن من أوضح شعارات الرسالة الخاتمة تبجيل الأنبياء السابقين والمطالبة بإقامة التوراة والإنجيل بنفس القوة في المطالبة بإقامة القرآن.. بل يبدو أن إقامة التوراة والإنجيل أعتبره القرآن.. أول الطريق لإقامة الكتاب المهيمن.. لماذا؟ لأن التحريف الذي طال الرسالة الخاتمة تاريخياً هو جزء لا يتجزأ من خطط التحريف للكتابين السابقين - والقائمين بها هم نفس القائمين بالتحريف الأول أو تلامذة لهم. ومن هنا تظهر أهمية ذلك التأكيد المستمر في القرآن على إقامة التوراة والإنجيل.

"قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل.."(1)

"وكيف يحكمونك وعندهم التوراة والإنجيل فيها حكم الله"(2)

"إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذينَ هادوا والِربّانيون والأحبار"(3)

"وقفيّنا على آثارهم بعيسى بن مريم مُصَدّقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور مصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين"(4)

ولكن صفحة التحريف قد طالت كل شيء كما يبدو! فإن (علماء المسلمين) أنفسهم لم يتركوا هذه المطالبة القرآنية بإقامة التوراة والإنجيل وحسب بل ملأوا الكتب بالدعوات المخالفة للقرآن عن عدم وجود توراة وإنجيل حقيقي بالمرة.

وأشتهر بين أوساط المسلمين أن الكتابين محرفين تماماً ولا وجود فيهما لما أنزل الله فهم من جهله يسيرون وفق آراء محرفي أهل الكتاب بشأن كتابهم، ولا يؤمنون بما ورد في كتابهم بشأن هذا الكتاب!.

إنهم يسيرون وفق الخطة التي رسمها المحرفون بكل ما يتعلق بالأمة والتأويل وعصمة الأنبياء.. ولا يسيرون وفق ما رسم لهم القرآن بشأن التوراة والإنجيل!.

فالذي يسمع كلامهم يظن لأول وهلة أن ذلك لشدة حرصهم على الرسالة الخاتمة ومقتهم (لليهود والنصارى).. بيد أن التأمل في الأمر يكشف بلا لبس أن المحرفيّن من أهل الأديان الثلاثة هم في الحقيقة تيار واحد وخط واحد يحاول جاهداً خلط الأمور وقلب الحقائق..

المحرفون من أهل التوراة والإنجيل يفرحون بتبني المسلمين فكرة تحريف التوراة والإنجيل ولا يحزنون لهذا الأمر.. لأنهم بكل وضوح وبساطة هم المحرفون وهذه من أولى غاياتهم..، ويحدث بهذه الطريقة الفصل التام بين الملل الثلاثة- وهو الأمر الذي كان- يحاربه القرآن حرباً شعواء لا هوادة فيها- لأن الفصل هو عملية تجزئة لكتاب الله وتكريس الاختلاف والتناحر وبالتالي يضيع تصديق الكتاب اللاحق للكتاب السابق، ويضيع التبيين الذي في اللاحق للاختلاف الذي في السابق.

فانظر كيف أحكمت هذه المؤامرة واستمرت قروناً طويلة يحركها المحرفون من علماء الملل الثلاثة!.

ألا تراه يقول "وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله"(1)

ألا تراه يصف الإنجيل بأنه مصدق لما بين يديه من التوراة ويصفَه بأنه هدى ونور ويؤكد على التصديق مرتين والهدى مرتين في آية واحدة (44/المائدة)، وكيف يكون الإنجيل خالياً مما أنزل الله وهو الذي يطالب بإقامته ويتوعد بالعذاب الشديد الذين لم يقيموه.

"وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"(2)

ولقد أكد علماء الإسلام على نسخ التوراة والإنجيل بالقرآن.. ولكن القرآن نفسه لم يذكر هذا النسخ بل ذكر التصديق وأكد عليه، افترى أنت أن التصديق نسخ أم تثبيت وشهادة بالصدق؟

فإن قالوا أن التصديق للتوراة والإنجيل اللذَين أنزلا من الله- ولا وجود لهما الآن. قلنا كيف إذن يطالب القرآن بإقامتها وتنفيذ تعاليمها عليهم إن لم يكن فيها شيء مما أنزل الله؟ وكيف يكونا قد وجدا في عهد نزول القرآن واختفيا من بعده؟
.


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:21 PM   #12
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



تكملة الجزء الثالث




وكيف يأمرهم على لسان النبي في موضع المحاججة أن يأتوا بالتوراة لتكون حكماً في موضوع الخلاف فيقول:

"كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين"(1)

وكيف يقول إذن "فيها حكم الله" إذا كانت تخلو مما أنزل الله؟

وكيف يقول "الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل"(2)

فبالتصديق وحده وبالاحتواء للكاتبين كونهما منزلان من الله تكون الهيمنة للقرآن، وعند الفصل واعتبارهما منسوخين تماماً لا تكون الهيمنة للقرآن عليهما أبداً.. ومن هنا نقول أن فكرة النسخ للتوراة والإنجيل فكرة خرجت منهم وتعود إليهم وآمن بها المسلمون جهلاً بكتابهم ودينهم.. كانت الغاية منها إفراغ القرآن من محتواه الشمولي وقدرته على احتواء الكتابين والهيمنة عليهما:

"قل من كان عدواً لجبريل فأنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين"(3)

"قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم"(4)

"ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم"(5)

"والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه"(6)

"ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء"(7)

"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه"(8)

فانظر كيف يقول الله أنه مصدق لما معهم وهم يقولون ناسخ، والنسخ نقيض التصديق إذ النسخ إلغاء والتصديق تثبيت وشهادة بالصحة والصدق. وكل ذلك لإخراج الكتاب من صفة الهيمنة على الكتاب السابق، وتمييع المحاججة به وإضاعة المطالبة بإقامة التوراة والإنجيل والذي أن فعلوه اضطروا إلى الرجوع للقرآن.. المصدق لما معهم والمبين لما اختلفوا فيه- فيفتح ذلك الطريق للإيمان به وتوحيد الملل في النهاية.. ولذلك جمع القرآن إقامة الثلاثة في آية واحدة فقال: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم"..

ولذلك كان نزول المسيح (ع) من المحتوم الذي لا بد منه كحتمية المهدي (ع) تماماً، حتى جمع المهدي والمسيح (ع) في أحاديث كثيرة سوية، بل وفي عناوين الكتب المؤلفة لهذا الغرض، وذلك للرباط الوثيق بين الكتب الثلاثة، وحتمية إقامتها سوية،.. هذا هو الذي يفك الإشكالات في التسلسل الزمني للحوادث عند نزول المسيح (ع) والمهدي (ع) بين أظهر المسلمين.. أو (وإمامكم فيكم) حسب الحديث النبوي- إذ سيكون المسيح (ع) هو المشرف على تطبيق التوراة والإنجيل في الملتين السابقتين، ولكنه سيكون في هذه الحالة تحت إمرة المهدي (ع)، ويعلن إتباعه للمهدي (ع) من أول يوم لنزوله إذ يصلي خلفه، وهي الحادثة التي احتار العلماء بتفسيرها!.

عن جابر بن عبد الله (رض) قال: قال رسول الله (ص):

"ينزل عيسى بن مريم فيقول المهدي تعال صل بنا فيقول لا، إنما أقيمت لك فيصلي خلفه" مسند أحمد 3/367، 3/345، الكنز 7/187، الصواعق/98، أراد الرسول (ص) إبراز قضيتين في هذا الحديث المبتور- كما هي عادة أصحاب الحديث في البتر والتقطيع للحديث النبوي.

الأولى أن المهدي والمسيح (ع) لا يستنكف كل منهما أن يصلي خلف الآخر، والإمامة هنا هي القيادة العامة، والثانية أن القيادة في النهاية والإمامة بيد المهدي (ع) وهذا واضح لنا- إن لم يكن واضحاً للبعض- فالمسيح صاحب الإنجيل المصدق للتوراة والمهدي حامل القرآن المهيمن على التوراة والإنجيل معاً. المسيح (ع) لديه علم من الكتاب أما المهدي فهو الحامل لعلم الكتاب كله، فكيف صارت قضية صلاة المسيح بإمامة المهدي عند أهل القرآن أمراً عجباً يحتاج إلى فهم وتفسير؟!.

أم حسب هؤلاء- أن كل من يوحى له هو أفضل ممن لا يوحى له، وما أدراهم ما معنى الوحي!- الله يوحي لمن يشاء وكيفما يشاء بأي طريقة يشاء.. ألم يفضل الرجال على النساء وأوحى إلى النساء رغم ذلك فقال:

"وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه"(1)

فهل كانت أم موسى من الأنبياء؟ ولقد أوحى الله إلى الحشرات فقال:

"وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً"(2)

أو ليس المهدي هو الخليفة والإمام لهذا الطور، سماه الرسول (ص) "إماماً" وسماه (خليفة) في أحاديثه الشريفة- كما سيمر علينا في البحوث الآتية والقرآن يذكر لنا أن الله يوحي إلى الأئمة:

"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوصينا إليهم فعل الخيرات"(3)

إذ يفترض في كل عاقل عارف يدرك أن كلام رسول الله (ص) هو كلام الله فلا يتناقض قوله (ص) مع القرآن.. فإذا سمى الرسول رجلاً إماماً انطبقت عليه صفات الإمام أينما وردت في القرآن والسنة- ذلك لأن هذا الإمام بتسميته الرسول (ص)- لا بتسمية غيره كما فعلوا فملأوا الأمة في تراثها أدباً وفقها وعقائد بـ(أئمة) لا يحصى عددهم وما هم بأئمة إن هم ألا يخرصون إذ لم ينزل الله بهم من سلطان ولا ذكرهم بهذا اللقب نبي ولا قرآن.

وتلك واحدة أخرى من تناقضات (علماء الأمة) في عقائدهم مع مسلمات قرآنية! إن هذا الكتاب والكتاب السابق حول (النظام القرآني) يكشف لك بصورة لا لبس فيها أن (الدين السائد) عند علماء الأمة لا يمت بصلة تذكر إلى الدين الذي جاء به (محمد) (ص) اللهم بوجود تشابه ما في بعض مظاهر المناسك والعبادات وصورها وأسماءها.

وتلك لعمري نبوءة سابقة أخبر بها النبي نفسه (ص) حيث قال عن خصائص آخر الزمان "لا يبقى من الدين إلا أسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه"

وهذا النص قد ورد بجوار النصوص التي تذكر (زخرفة المصاحف) و(تزين المساجد) وتلك إشارات أود ألا تفوتك لتنتبه إلى أن المقصود بآخر الزمان واضمحلال الدين إلا أسمه والقرآن إلا رسمه- ليس زماناً نسي فيه الدين نسياناً تاماً ويهجر فيه القرآن هجراناً مؤكداً- بل المقصود عكس ذلك تماماً: فهناك تعظيم لشأن القرآن بتهذيبه وزخرفته وتعظيم المساجد برفع بنائها وتحليتها وزخرفتها ومن الطبيعي أن يرافقه التأليف والتدوين والبحوث المتنوعة عن الدين لأنها أيسر عملاً وأقل كلفة! وكما أكدته نصوص أخرى تأتي في موضعها بإذن الله.

فانتبه جيداً فإن النبي (ص) يرمي بقوله هذا إلى أبعد من ذلك وإلى أمر آخر وراء ذلك! إنه يرمي إلا أن هذا الكم الهائل من الحديث حول الدين وهذا البناء الشامخ للمساجد وهذه التحلية للمصاحف إذ توحي بصحوة دينية أو رجعة عقائدية أو باهتمام بالغ بالدين- فإنه في حقيقته لا يمت بصلة إلى دين محمد (ص) بشيء سوى الاسم ولا يمت للقرآن بصلة سوى الرسم لأنه دين قائم على عقائد محرفة وأفكار مغيرة ونصوص مبدلة وتأويلات مفتعلة تقادمت وتراكمت عبر عصور طويلة حتى باتت ديناً آخر.. فالفقيه فيها والقارئ والمؤلف والكاتب كل هؤلاء ساهون فيه من الانحراف والتحريف.. حتى يصفهم أحد النصوص النبوية أنهم يصبحون من الجهل بحقيقة الدين حداً يرون فيه الحلال حراماً والحرام حلالاً!!

4. أسبقية القيادة على التغيير.

ذكرنا خاصيتين من خصائص الرسالة الخاتمة الأولى هما: استمرارها بسبب المعجز والثانية هي الهيمنة والتي هي من مميزات المعجز لكونه تفصيلاً للذي بين يديه من الكتاب ولكونه مصدقاً لما معهم ولكونه مهيمناً عليه بسبب احتوائه على ما اختلفوا فيه من جهة واحتوائه على تفصيل كل شيء بصورة مطلقة من جهة أخرى.. وبرهنا خلال ذلك على أن جمعه وقرآنه كان من الله لا من سواه.وأنه حفظه من التلاعب بحروفه ومواضع كلماته ومعانيه بما أودع فيه من ضبط وإحكام وعلاقات لفظية وعددية لا يحاط بمكنونها في نظام محكم.

فإذا كانت الرسالة مستمرة، والمعجز باقياً، والشريعة هي نفس المعجز فلا يبقى لاستمرار الدعوة للتوحيد سوى القيادة! وهو الأمر الوحيد الذي أمكنهم أولاً من تحريفه وبالتالي السيطرة على مقدرات الأمة، ومن ثم الإجهاز على أسس الدين واحدة تلو الأخرى.

وموضوع قيادة الأمة بعد الرسول الخاتم (ص) هو الموضوع الأول والأخير في الخلاف والتمزق والتشرذم، وقد رأيت مسلمين بسطاء من مختلف المذاهب لديهم شعور فطري وغريزي بأهمية هذه القضية واعتبارهم لها السبب الأول أو العامل الأساسي في الاختلاف والتفرق.

من غير المعقول طبعاً أن تكون الرسالة الخاتمة خالية تماماً من الإشارة لهذا الأمر البالغ الأهمية أو غير متضمنة لأحكام وتشريعات ونظم ترتب عملية الحكم بما أنزل الله، إذ لا يمكن أن تتهم بالتفاصيل الدقيقة لحياة الفرد وأنظمته الاجتماعية كافة وتترك تنظيم دستور للهيئةٍ القائمة بإدارة وتطبيق هذه الكمية المتكاملة للنظم والشاملة لجميع مناحي الحياة.. فمن زعم ذلك فهو أما محرف أو جاهل جهلاً لا علاج له.

ولا يمكننا بحال الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، فإن المؤلف فيه هو كل تراث الأمة بغّثهِ وسمينه، بل ويشترك فيه تفسير القرآن وإعرابه مشاركة فاعلة.

ولكننا نعتقد أن كل إنسان قادر على معرفة الحقيقة بكل يسر وسهولة، ولهذا لن يدخل النار أحد لا يستحق ذلك، ولن يدخل الجنة أحد من أهل النار، كما لا يوجد هناك فريق ثالث.. خاص بالجهلة.. لأنه لا يوجد في هذا الموضوع جهلة بالمعنى الحقيقي "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه وتخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً"(1)

وهذا يدفعنا للبقاء قدر المستطاع في موضوعنا.. والاعتماد على القرآن وحده والثابت من المأثور لإبراز قضية بالغة الأهمية تجهلها أكثرية الأمة.

إن التغيرات التي تحدث في المجتمعات تكون دائماً أداتها العامة من الناس أما قادتها فهم النخبة، وحسب المصطلحات الحديثة الأداة هم الجماهير والقيادة هي الطبقة الواعية. والحقيقة أن الثورات هي التي تصنع قادتها. ولذلك فكثيراً ما يحدث أن تنحرف الثورات عن غاياتها الأصلية، لأن هناك الكثيرون الذين يركبون الموجه ويقومون بتوجيه الدفة، ولذا يحدث غالباً الصراع بين أقطاب القيادات في بداية كل ثورة أو تغيير وربما استمر فحرفها أو أطاح بها.

انّ العامة أو الجمهور يسلكون سلوكاً لاعقلانياً عند الهياج وقيام الثورات، ويتأثر الجمهور عاطفياً بعدة عوامل، بحيث أنه أحياناً يسلم القيادة وزمام الأمور لأعدائه الحقيقيين، وكل ذلك كما اعتقد من مسلمات علم الاجتماع في هذا العصر.

الفكر الإلهي يختلف في هذه النقطة- كما هو شأنه تماماً- مع الفكر الوضعي، لكنه يستخدم الحقيقة الاجتماعية الآنفة الذكر مؤمناً بها كأمر طبيعي وسلوك عادي للناس، وفي عين الوقت يتخذ الإجراءات الكفيلة لمنع حصول آثارها المدمرة للمجتمع الإنساني.

إنه يحرك المجتمع ويقوم بالتغيير بطريقة معكوسة تماماً! فعند الفكر الديني القيادة هي التي تصنع الثورة وتجمع الجماهير وليس العكس. ولهذا تكون القيادة ممثلة بالأنبياء والرسل والأولياء الأصفياء متواجدة قبل التغيير، بل وقبل أن يفكر أحد بالتغيير، بل يختار الخالق أوقاتاً للإنذار ونشر الأفكار هي القمة دوماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي- فيخالف بذلك ما يحصل في الثورة الوضعية مخالفة تماماً. ولهذا فشل الماديون وأتباعهم في العالم الإسلامي والمستشرقون في إعطاء تفسير لحركة المجتمع وحصول التغيير عند بعثات الأنبياء، وبالأخص الرسالة الخاتمة حيث خرجوا من كل تطبيلهم بالخيبة والخذلان!.

لو بعث الله الأنبياء في أوقات التزعزع السياسي وأوقات الهياج العام، لما صدقهم الناس، بل لقالوا أن هذا النبي استغل فترة الهياج والتغيير وتسلم قيادة الجماهير، وعدا ذلك فحتى لو نجحوا بهذه الطريقة، وهم أجدر الناس بالنجاح فإن هذه الثورات والتغيرات ليست وفق مبادئ الأنبياء (ع) ولن تكون وفق مبادئهم، والخالق يريد تصديق الناس للأنبياء من خلال المعجز الذي يؤيدهم به، وأعظم المعجزات قاطبة هو حدوث التغيير الحاسم في غير وقته المتوقع ولا بالمدة المتوقعة، وبالعدد الذي لا يأبه به أحد كماً ونوعاً.

ولقد حاول المحرفون بالطبع، من تلامذة المستشرقين أن يجدوا تفسيراً للرسالة الخاتمة فباءوا بالفشل الذريع، إذ أن جميع الدلائل تشير إلى ما ذهبنا إليه ففي مجتمع الجزيرة، انتشرت الرسالة وحدثت البعثة في أوج الاستقرار الاجتماعي والسياسي للمجتمع المكي، فالأحلاف كانت مستقرة وراسخة والحروب متوقفة بين القبائل والتجارة مزدهرة. وكما ترى فإن هذا التفسير هو بخلاف ما جرت عليه عادة المسلمين في تدوين تاريخ الدعوة.

إن الأنبياء الذين بعثوا عدد كبير جداً، وقسم منهم فقط هم الذين أبلغوا بالدعوة إلى التوحيد وعددهم كبير أيضاً، كل هؤلاء الأنبياء والرسل (ع) هم الذين قاموا بالتغيير أو محاولة إحداث تغيير في مجتمعاتهم، قبل حدوث بوادر ذلك التغيير.

ولهذا كانت المجابهة شديدة جداً مع تلك المجتمعات، لأن الأوقات التي خطط لها لتكون بداية التغيير كانت أوقات استقرار، فجوبهوا بأشد أنواع الاستهزاء والسخرية والقتل والتعذيب والمعارضة الشديدة من (الملأ)، أو (المترفين)، أو (الذين استكبروا)، وهي تعابير تدل على الازدهار الاقتصادي، والهدوء في الساحة السياسية لتلك المجتمعات عند حدوث الدعوات الدينية.

إن الله أكبر من أن يرسل الرسل ويبعث الأنبياء في فترات التزعزع مستغلاً الكوارث السياسية للدعوة إلى مبدأ الحق. بل التغيير الديني لحركة التاريخ هو عكس ذلك فإن الكوارث والبلاء يأتي كنتيجة للإعراض عن مبدأ الحق، فالثورات والصراع هو عقاب إِلهِي للمجتمعات وليست حركات للخلاص كما هو ظاهرها، والصراع هو جزء لا يتجزأ من القوانين والسنن الإلهية العاملة بشكل خفي في المجتمعات، فإن لم يبلغ الغضب الإلهي حداً لإنزال كارثة تبيد الجماعة المعارضة بأسرها، فإن الصراع هو البديل لذلك، وهو بديل طبيعي ضمن قوانين حركة المجتمع، إذ أن العقاب الجماعي لا يحدث إلا في حالة واحدة وهي عدم بقاء طائفة من المجتمع متمسكة بالمبادئ الإلهية وعند وجودها يكون الصراع ضرورياً للتميز والتمحيص وهو ما تشير إليه الآية:

"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض. أنظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون"(1)

فلآية الآنفة تجمع بين نوعي العقاب- الجماعي والصراع السياسي، بنفس التسلسل المنطقي والتسلسل التاريخي.

فمن الناحية التاريخية، حدث صنع نواة للاستخلاف في الأرض في الأمم السابقة ولكن أول نواة حقيقية هي ما بعد إبراهيم (ع) متمثلة في بني إسرائيل ونزول أول شريعة ذات أنظمة متكاملة وهي التوراة. ثم قفى بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتاه الإنجيل مصدقاً هو الآخر للتوراة(2) وذلك لإتمام عملية الاستخلاف ودفعها للأمام. ثم انزل القرآن مصدقاً لما بين يديه موضحاً للاختلاف ومظهراً لما كتبوه من الكتابين، وعليه يكون التواصل بين الملل الثلاثة والتي هي في الحقيقة دين واحد هو دين التسليم لله أمر ضروري لتوحيدها في النهاية. وهو ما يحدث في الطور المهدوي، المتضمن نزول المسيح (ع).

ومن هنا نعرف أن الاستخلاف كهدف إِلهِي من الخلق قد أحيط من قبل الخالق عز وجل بعناية شديدة من خلال ختم النبوات بكتاب معجز لضمان استمرار المعجزة، ووجود اثنا عشر خليفة هو عدد كاف لبناء حضارة أرضية مهدوية حاملين لهذا المعجز قادرين على استخدامه، وهو التصور الوحيد الذي يمكن الإيمان به والاحتفاظ بفكرة الاستخلاف في الأرض المؤكد عليها في القرآن.

إن مدة التطور للوصول إلى هذه المرحلة إنما هي دالة متغيرة تعتمد على خيارات الأمم وعلى مدى التزامها بهذا المنهج، والخالق أجل وأحكم من أن يؤخر رحمته لوقت بعيد سلفاً، ولذا كانت القيادة الدينية الحاملة للمعجز والقادرة على إخضاع الملتين اليهود والنصارى وإجبارهما على تنفيذ شرائع التوراة والإنجيل هي قيادة متوفرة دائماً وحسب السنن والنواميس الإلهية التي لا تتغير.

وهنا يتوضح أكثر أن الذين قالوا بتفرق الخلفاء الإثنى عشر في العصور والدهور وحاولوا ان يكملوا العدد، فخانتهم الصحائف المسودة لطغاة هذه الأمة ولم يتمكنوا من إضافة أحد إلى الأربعة الأوائل سوى ابن عبد العزيز هم من جملة المتآمرين والضالعين بالخيانة لهذه الأمة والسائرين في ركب التحريف الذي يقوده قادة التحريف من أهل الكتاب.

ذلك لأن استلام سلسلة من الطغاة للحكم بالتناوب مع اثنا عشر خليفة هو بالضدّ من فكرة الاستخلاف ويخالف الحكمة الإلهية، بل هو تصور لا يمكن أن يقول به إلا متآمر جاهل.. فإنه يكفي طاغية واحد من تدمير أمة كاملة وإعادتها إلى الوراء عدة قرون.

وما السرد القرآني المستمر لأقطاب التحريف وللذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً والذين يكتمون ما أنزل من البينات (بعد ما بيناه للناس)، إلا تحذيرات وتنويهات لما يحدث في هذه الأمة. على أن التحريف والارتداد والتآمر من الجماعة المحيطة بالنبي (ص) هو الآخر مفصل في القرآن في العديد من السور كسورة التحريم وسورة محمد (ص) وسورة التوبة، وسورة الحديد وآيات كثيرة من سور متفرقة.

لقد كان التآمر والمستمر إلى اليوم على القيادة المحددة سلفاً لحمل المعجز والوصول بالأمة إلى طور الاستخلاف هو العامل الوحيد في تخلف الأمة وتمزقها وتناحرها ومن ثم البطئ الشديد وطول المدة طولاً مخيفاً للوصول إلى هذا الطور المبارك. ولما كانت الأمة قد تآمرت على تلك القيادة ونحتها عن الحكم وشردتها وحاربتها بكافة الوسائل فإنه لم يبق هناك إلا احتمالين: أما أن يلغي الخالق فكرة الاستخلاف منفذاً التهديد المذكور في القرآن مراراً واستبدال هؤلاء (بقوم آخرين) أو (بخلق جديد) لا علاقة له بالبشر أو الحلم على الأمة أو الرأفة بها والتأني معها بالمد بعمر الخليفة الأخير منهم انتظاراً لأوبتهم وتوبتهم.

ولكن المشكلة هي أن الأمة إذ تفيق من سباتها وتطالب بالإسلام كمنهج بديل للأنظمة الوضعية الفاسدة، فإنها لا تدري في عين الوقت ما هي مسؤليتها ولا أقطاب قيادتها ولا غاياتها!؟

وأكثر الذين يرجعون إلى الإسلام كبديل إنما هم متفرقون بين المذاهب والمشارب غارقين في التهام قشور لا تسمن ولا تغني من جوع قشور تحمل اسم الدين ورسم القرآن، ولكنهم خلوا من أي فكر عميق أو دين على التحقيق.

والإمام المهدي (ع) هو أحد هؤلاء الخلفاء مد الله في عمره انتظاراً للأمة ورحمةً بها، لوجود طائفة باقية على اعتقادها بطور الاستخلاف، وثابتة على ولائها لقائدها، وهو السبب الوحيد لتأجيل نزول العذاب الجماعي وفق القاعدة القرآنية الآنفة الذكر وهو ما يؤكده حديث الطائفة وحديث الأمان:

"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمةً لهذه الأمة"(1)

إذ يفهم من الحديث إن هذه الطائفة هي أقلية في الأمة، وأنها الطائفة التي تؤمن بقيادة المهدي (ع)- لوجود عيسى والصلاة- كما هو عند الحفاظ.

وبوجود هذا الإمام (ع) يحدث الأمان ولولاهما، ما كانت هناك ضرورة لبقاء الخلق- إذ تنتفي الغاية منه الذي هو الاستخلاف كما برهناه وهذا ما يؤكده الحديث الشريف الآتي:

"النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض ما كانوا يوعدون".

ولكن النص الذي صححه الحاكم بشرط البخاري "وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف"- وبهذا تجتمع المعاني كلها في كل واحد لا يتجزأ.

5. الطبيعة الإنسانية والحرية وعلاقتها بالقيادة العالمية.

"مبحث اجتماعي"

هناك جملة من الاعتراضات المبثوثة في الكتب المتفرقة التي تحاول تسفيه الحلم الإنساني بالقيادة العالمية. ومع أن هذه الاعتراضات لا تشكل في مجموعها فكرة ذات قيمة أو نظرة منطقية إلا أنها تفعل فعلها في أحيان كثيرة في التشكيك بتحقيق هذا الهدف وإحباط الآمال لدى أفراد كثيرين ممن هو في عداد المثقفين أو الواعيين من الأمة. إن آراء الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور (علي الوردي) تمثل جانباً من هذه الاعتراضات اللامنطقية لذلك سآخذ بعض نصوصه من كتاب (لمحات اجتماعية) وأنطلق منها لإظهار التناقض في هذه الردود تحت العناوين الفرعية المختصرة فيما يأتي:

أ. هل للحقيقة أوجه متعددة؟

حينما لاحق المؤلف عشرات الحوادث التاريخية لمجتمعات ودول المنطقة ورصد علاقاتها وحروبها وصراعاتها على الحكم خلص إلى نتيجة مفادها أن هناك طبيعة متناقضة في الإنسان وأنها من صميم تكوينه فهو يرى أن الإنسان ذو طبيعة (شريرة) حيث يؤكد هذه النتيجة عند ملاحظة سلوك الإنسان خلال الطفولة كما سيأتي لاحقاً. وحينما أراد تفسير هذا الأمر عزاه إلى (نسبية) الحقيقة، فكل إنسان يرى أن الحق في جانبه وينكر أن يكون هناك حق في جانب الآخرين أو (خصومه) تحديداً، ولذلك فإن موضوع الحق والباطل هو أمر نسبي.

ومن هنا وحسب رأيه فإنه لا فائدة من المواعظ والحكم فلا أحد يأخذ بها فالحكماء الذين تخيلوا دولة عالمية يسودها العدل هم أناس غارقين في الخيالات وأن المثل التي جاءوا بها قد أخفقت كلها كما سنلاحظ عبارته.

يظهر هنا التناقض بين التحليل وبين سرده الحوادث فقد ألقي باللائمة على الكثير من حكام الجور والسلاطين الظالمين والمفروض ألا يفعل ذلك مادامت تلك طبيعة الإنسان ومادام كل إنسان يحق له الاعتقاد بأن الحق معه لا مع خصومه لأن الحق والباطل (نسبي) وبالتالي فلا مسوغ لإلقاء اللوم على شخص دون الآخر.

ليس هذا وحسب بل أن نسبية الحق والباطل توجب ترك تسجيل التاريخ وإجراء البحث الاجتماعي من الأصل وهو أمر لم يفعله المؤلف بل أستمر في تسجيل حوادث التاريخ وإجراء البحث!.

وضرب مثلاً على نسبية الحق والباطل حيث افترض وجود تمثال بلونيين أسود وأبيض كل لون من جهة. وتخاصم رجلان بشأن التمثال حيث أكد كل منهما اللون الذي يراه مواجهاً له.

وخلص المؤلف من هذا المثل إلا أن للحقيقة وجهين أو أكثر بحسب الأشخاص! والناتج ان كل منهما محق فيما يراه عن التمثال.

إن صدور مثل هذا المثل من باحث اجتماعي هو مسخرة فعلاً. فإني أقول أن كل منهما على باطل وليس كل منهما على حق. ذلك لأن حقيقة التمثال أنه بلونين وهي حقيقة واحدة لا تتجزأ- وليست الحقيقة نفسها بوجهين متناقضين. كل منهما لو دار على التمثال دورة كاملة لوجد أنه بلونين وبالتالي فهو مخطئ حينما يقول أنه أسود أو أبيض، وليس في الرجلين شخص محق لأن التمثال ليس أسود ولا أبيض، حقيقته أنه (أسود وأبيض).

وهذا المثال قديم جداً، أنه مثل سفسطائي على نسبية الحقيقة وقد حاول الماديون الإتيان بمثل هذه النسبية فعجزوا وإني أتحداهم أن يأتوا بمثل واحد من الطبيعة يصلح لهذه الفكرة اللافكرة وقد حاول ماركس وانجلز القيام بأمثلة من هذا النوع فلما عجزوا قاموا بتزوير حقائق علمية مستغلين سذاجة البعض وعدم معرفتهم بالعلاقات الكمية والحجمية والأوزان فادعى (انجلز) أن الواحد مضافاً للواحد لا ينتج منه أثنين دوماً مثل إضافة متر مكعب الماء إلى متر مكعب تراب فالناتج لا يكون مترين مكعبين من الطين!!.

ومعلوم أننا لو حسبنا الأوزان فإن وزن الماء مضافاً إلى وزن التراب ينتج منه مجموع الوزنين رغم انف انجلز فالفارق الحجمي ضاع بسبب تداخل الماء وهو سائل في جزيئات التراب- لأن الحجوم هنا متغيرة ولو أخذ نفس الحجوم (مكعب تراب + مكعب تراب) أو (مكعب ماء + مكعب ماء) لكان الناتج مكعبين دوماً رغم أنفه.

ولو صح مثل هذا الاستنتاج اللامنطقي لما كان هناك أي شيء منطقي يقاس مطلقاً ولما قدر الإنسان على صنع أية آلات أو أدوات بل لعجز عن إجراء أية معاملات في حياته من بيع وشراء وإبرام اتفاقيات.

ب. هل الإنسان شرير بالطبع؟

بعدما أكد أن الإنسان شرير بطبعه من خلال ما لاحظه من صراعات بين الحكام على السلطة- غفل عن هذه النتيجة مرتين: الأولى أنه أثنى على بعض الحكام العادلين الذين رفضوا الجور بل وتخلى بعضهم عن المناصب حينما عجزوا عن الجمع بين تحقيق العدل والاحتفاظ بالسلطة بالرغم من شخصيتهم القوية.

ومعلوم أن مثل هؤلاء ليسوا أشراراً وهو أمر يخالف ما زعمه من وجود هذه النزعة عند الإنسان منذ الطفولة. والثانية أنه خلص بهذه النتائج من خلال سلوك الحكام وهذا خطأ فاحش فالحكام معدودين دوماً بالنسبة إلى مجموع الناس وقد تناسى أن الأفراد الواصلين إلى السلطة من خلال استعمال القوة والقهر والغلبة هم أشخاص قد تدربوا منذ وقت مبكر على خلط الأمور وتبرير الأخطاء وإظهار رحمة مفتعلة لكسب تأييد الجماهير وأنهم طبقة معينة لا تصلح لاستخراج قانون عام عن الطبيعة الإنسانية فهناك من هو أكثر كفاءة منهم ترك الخوض في هذه الصراعات رغبة منه في عدم المشاركة بالظلم والتعسف فلماذا لا تكون هذه الطبقة مثلاً هي النموذج المأخوذ للدراسة عن الطبيعة البشرية؟

وثم حاول إثبات هذا الشر المتأصل في الإنسان من خلال ظاهرتين هما سلوك الطفل وسلوك المجنون.

الأول: ما يلاحظ على الطفل من حب للشرور، قال:

"يلاحظ عل الطفل أنه يميل إلى التعاون والتنازع معاً من أول أيامه".

واستدل منه على بقاء هذه الطبيعة في سلوكه إلى سن البلوغ وقال: "والفارق أن البالغ يمنعه عقله من إظهار التنازع لذا يقال أنه (عاقل) وعند حصول التنازع يتحول إلى شرير".

الثاني: أن المجنون لا يمتنع عن إظهار التنازع لأن سمته الثابتة هي التنازع.

والناتج أن الرغبة في التنازع عند العاقل والمجنون واحدة لكنها لا تظهر إلا عند المجنون.

ولكن مثل هذه الأحكام هي عامة جداً فنحن نلاحظ خلافها أحياناً كثيرة، وقد فاته أن المجنون يحاول إظهار التخاصم لحماية نفسه فقط، وملاحظاته غير دقيقة عن سلوك المجانين، فالمجنون عرضة بصورة مستمرة للسخرية والضرب والإهانة في مجتمع الرعاع خصوصاً فيقوم (بتمثيل) هذا الدور دفعاً للمخاطر ولذلك نراه يذعن لمن اعتاد مسالمته ويستسلم لمن يعطف عليه وينقاد لمن يعلم أنه لا يؤذيه ودائماً تلاحظ ان مجموعة الرعاع الساخرة من المجنون تستنجد بأشخاص معينين يطيعهم المجنون بعد أن يفشلوا في إقناعه بترك التنازع وهو إقناع يتسم بالخشونة والإهانة والضرب فيبقى المجنون يتحداهم حتى يأتيه الرجل الذي يحترمه بطريقة ما.

وقد ينسحب المجنون من المعركة حينما يجد في الانسحاب سلامته، ذلك لأن الأمراض النفسية لا تقضي على الغرائز مثل حب الطعام والشراب والخوف.. بل غالباً ما تتركز الغرائز عند المجانين وهو عكس ما ذكره المؤلف.

أما الطفل فيظهر بطلان قوله عن سلوك الطفل إذا لاحظنا أن الأمر يتعلق بقدرة المربي أو المشرف على الطفل فهناك أطفال في عائلات كثيرة جداً يرتفع حب التعاون والاحترام عندهم على نزعة الخصام.. إن نماذج المؤلف هي نماذج خاصة من مناطق معينة فقيرة في كل شيء فقراً فكرياً ومادياً وهي لا تصلح مطلقاً لإصدار أحكام عامة عن السلوك الإنساني.

لقد قلب المعادلة كلها فالعاقل يحب التنازع لكنه لا يظهره والمجنون يظهر التنازع والناتج أن العاقل صار مجنوناً والمجنون صار هو العاقل!!.

ومن جهة أخرى لو صحت أقواله بشأن سلوك الأطفال لبطلت المؤسسات التربوية والإصلاحية ولكان القائمون بذلك- بما فيهم أرباب الأسر والأمهات وهيئات التعليم مجانين فعلاً لأنهم يعملون أعمالاً لا جدوى منها!.

هل تحسب أن مثل هذه (الأفكار) تصلح لتكون بحثاً اجتماعياً؟

ج. فكرة ملائمة للطبيعة لا العكس !!

بعدما برهن - حسب رأيه السابق- على الطبيعة المتناقضة للإنسان أقترح صياغة نظرية ملائمة للطبيعة الإنسانية بدلاً من إجبار الإنسان على تعديل طبيعته وفق فكرة نصنعها مسبقاً قال:

"ونحن يجب أن نجعل الفكرة ملائمة للطبيعة البشرية بدلاً من أن نجعل الطبيعة ملائمة للفكرة".

السؤال هو: إذا كانت طبيعة الإنسان متناقضة فهل يقترح صياغة (فكرة متناقضة) لتلائمها؟ وكيف تكون الفكرة (فكرة) إذا كانت متناقضة؟ لأنها في هذه الحالة لا تكون فكرة وإنما أي شيء عبارة عن عبث في عبث.

وإذا كانت الفكرة المتناقضة ملائمة للطبيعة المتناقضة والإنسان شرير بطبعة فهل يعني ذلك أنه يريد استمرار الشرور بدلاً من أن نفكر بإنهائها؟

إذا كان الجواب نعم لأنه لا فائدة من الإصلاح فما الداعي للفكرة إذن فالشرور مستمرة بفضل الطبيعة الشريرة للإنسان!.ربما هو حريص على البعض الذين يهدرون جهودهم في البحث عن فكرة ما فهو ينصحهم أن يصوغوا الفكرة بما يلائم الطبيعة- فكرة متناقضة ليكونوا مؤمنين بحتمية الشرور!.

لكن هذا معناه أنهم (أخيار) لا أشرار والناتج أن هناك أفراد يحبون الخير وهو يعادل دفعهم للشر فكيف يقول أن الجميع أشرار بطبعهم؟

لقد لاحظت الآن أخي القارئ هذه التناقضات المتداخلة في عرض المؤلف ونستعرض الآن على وجه السرعة بعض العبارات الأخرى قال:

"إن النصيحة والخطابة والموعظة غير مجدية في التأثير على البشر إذ لم يذعن لها أحد".

هذا حكم عام آخر إذ ليس لديه أية معطيات عددية عن المتأثرين بالحكمة والمواعظ خلال حقب التاريخ.. فما أدراه انه لولا ذلك لكان الجنس البشري قد فني فناءً تاماُ بسبب الشرور وأن المواعظ قد زادت عدد الخيار والمصلحين؟

وقال أيضاً: "أخطأ المفكرون القدامى حين تصوروا الطبيعة الإنسانية كأنها نتاج العقل.. وظنوا أن في وسعهم إصلاح البشر عن طريق الموعظة".

لم يقل أحد أن السلوك هو نتاج العقل، بل السلوك مزيج من النزاعات والأهواء ووظيفة العقل هي تحديد المفيد وغير المفيد من هذه النزاعات وتهذيبها بالفكر والتربية. وكان قد قال أن الإنسان يختلف عن بقية الكائنات بعقله فإذا لم تكن للعقل قدرة على تهذيب النوازع الحيوانية في الإنسان والارتقاء به فما فائدة ذكره لهذا الفرق بين الإنسان والحيوان؟

والواقع أن الموعظة لا تخاطب العقل وحده إنما تخاطب القلب والوجدان ليقوم العقل بإجراء الحسابات الصحيحة وقد ذكرنا العلاقة بين القلب والعقل في القرآن في مباحث أخرى.

د. الحكومة العالمية والقائد الموعود

إن الذين يصدرون الأحكام الجزافية يقعون دوماً في تناقضات، فهو مثلاً أشار إلى ضرورة الحكومة العالمية في موضع من الكتاب واعتبر هذا الهدف شيئاً خيالياً ونوعاً من الأوهام في موضع آخر كما في هذين النصين:

"إن هذه الحروب ستظل مستمرة إلى أن تظهر قوة عالمية قاهرة تحكم في المنازعات وتنفذ أحكامها بالقوة على منوال ما تفعل الحكومات المحلية في منازعات الأفراد".

هذه الفكرة ممتازة لأنه لاحظ التطور الذي حصل في نظام القبائل ومنازعاتها وتم خلال حقب التاريخ تكوين الدولة التي تضم القبائل وظهرت المؤسسات التي تحاول القضاء على التنازع.

ولذلك فالتطور يستمر حتى تندمج الدول في دولة عالمية واحدة ويتم القضاء على منازعات الدول مثل ما تم القضاء على منازعات الفئات والقبائل والأفراد في الحكومات المحلية.

ولكنه تنكر لهذا الهدف في موضع آخر فقال:

"اصطنع أولئك المفكرون مثلاً عليا للإنسان كما فهل أفلاطون في الجمهورية والفارابي في المدينة الفاضلة وأرشدوا الناس إلى تلك القيم ثقةً منهم أنهم إذا عرفوها أخذوا بالسعي نحوها.. وبهذا يتم الصفاء والهناء في العالم بزعمهم".

ثم قال:

"أخفقت كل المثل التي جاء بها المفكرون فلم يتأثر بها أحد"

وبشأن القيادة العالمية أو الرئيس العالمي قال:

"صور الفارابي في المدينة الفاضلة مجتمعاً سعيداً يحكمه الرئيس الذي هو (الإنسان الكامل) والذي تتوافر فيه صفات المثالية حيث يكون تام الأعضاء فاهماً ذكياً فصيحاً معتدلاً صدوقاً عادلاً قوي العزيمة محباً للعلم معتزاً بكرامته..".

ثم تساءل: أين نجد مثل هذا الرئيس؟ وإذا وجدناه كيف نجعل الناس ينتخبونه؟ وقد يظهر له منافسون بعد انتخابه ويحسبون أنفسهم مثله أو أفضل منه ثم يبدأ الجدال فالقتال وينتهي الأمر بسقوط الرئيس مضرجاً بدمه؟

ثم قال أن الفارابي وأمثاله لا يهتمون بهذه الاحتمالات وكأنهم يعيشون في عالم غير العالم الذي نعيش فيه.

وسأحاول توضيح الإجابة على الاشكالات الآنفة باعتبارها من صميم الاشكالات الواردة حول القيادة الموعودة سواء كانت هدفاً إنسانياً أم خطة ربانية.

فهناك فرق بين كون القيادة هدف إنساني وبين كونها خطة إلهية. وحينما تكون هدفاً إنسانياً بمعزل عن التخطيط الإلهي فالاشكالات تكون صحيحة لأنه ليس لجميع الناس القدرة على تمييز الأفضل.. فلا بد من استحواذ طبقة على السلطة وقهر بقية الطبقات والسلطات دوماً تمثل طبقة ما في الدول الحالية.. ولذلك قلنا أنه ليس من صفات الأنبياء ولا من خططهم ترك القيادة لاختيار الناس لأن النزاع سيظهر مرة أخرى، بل ترك القيادة لاختيار الناس هو فكرة مضادة للدين لأن من طبيعة الدين (الدينونة) أو الالتزام بالتعليم الإلهي ومنه بل أهم فقرة في هذا التعليم هو تحديد القيادة الصالحة فالنظرية القائلة باختيار القيادة بمعزل عن الوحي هي نظرية (الذين كفروا)- فالقيادة الإلهية وفق قواعد الدين يجب أن تكون متواجدة دوماً- وبهذا وحده يصح حساب الخلق عقاباً أو ثواباً ما دام الاستخلاف هو الهدف الأساسي من الخلق.

لقد كان النبي (ص) يقول: "إذا صلح الراعي صلحت الرعية".

لقد ربط صلاح المجتمع بصلاح القيادة، وإذن فتحديد الراعي هو جزء من التشريع فالكفر به كفر بهذا الجزء والنتيجة هي الكفر بالكل لقوله تعالى:

".. ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً.." – النساء/ 150

إذن فالاشكالات المذكورة تسقط حينما تكون القيادة العالمية جزء من التخطيط الإلهي على النحو التالي:

أ. المثل العليا التي ذكرها عن الحكماء أو الفلاسفة إنما تدل على ضرورة عقلية للحكومة العالمية. ولكن من الواضح أن طريق الوصول إلى هذا الهدف هو من أفكار الفلاسفة فينطوي بالتأكيد على ثغرات واحتمالات يستحيل تحقيقها لآنها لا ترصد حركة المجتمع وتطوره ولا تفكر بالتخطيط الإلهي وعناصره.

لكن الاعتراف بهذه الضرورة شيء هام جداً. أنه اعتراف باللاعبثية من الخلق ووجود هدف منه. أنه اعتراف بضرورة الحصول على الجنة. الأمر ليس كما قال الكاتب فهم يفكرون جيداً بهذه الاحتمالات ولذلك كانت تلك المدن الفاضلة والجمهوريات مقصورة على الفضلاء من الناس.

ومعنى ذلك أننا ما دمنا أفراداً في غاية الاستقامة فليس هنا أي مانع عقلي من تصور أن يكون الناس كلهم بمثل هذه الاستقامة.

وهذا الإمكان العقلي هام جداً في الخطاب الفلسفي للجمهور لأنه ينطوي على تعليم مفاده أن استقامة الجميع تعني سعادة الجميع وزوال الشرور وما يتبعه من تحسن في الأرزاق والآجال وقلة الأمراض.. الخ. وهذا مفهوم عقلي صحيح.. بيد أن تحقيق الاستقامة نفسها هو أهم ما في الفكرة وقد أختلف الفلاسفة في هذا التحديد لأنهم أرادوا أن يكونوا أرباباً من دون الله يقدمون الحل الشامل للإنسان- وما علموا ان هذا اتهام منهم للخالق بالإهمال وترك مخلوقاته.. وهو شيء يتنافى مع إيمانهم بالله الذي أدعوه وشددوا عليه.. إذ ينتج من ذلك أنهم أرحم بالناس من خالقهم وأكثر اهتماماً بالخلق من الله، وفي هذه النقطة بالذات جمع الفلاسفة بين الكفر والإيمان، بطريقة كان المفروض ألا يفوتهم أساسها المنطقي مدفوعين بحب (الأنا) وشدة (التعالي) والشعور بالتمييز عن الخلق.. والذي دفعهم إلى محاولة التعالي على الخالق بشعور أو لا شعور.

لقد كان عليهم حيث أمنوا بالله أن يبحثوا عن الحل الذي وضعه الله إذ ليس من المقدور منطقياً الإيمان بإله لا يعتني بما خلق- كان عليهم أن يفعلوا ذلك- بدلاً من تقديم مقترحات لا يمكن تحقيقها لأنها ليست من صميم التكوين الطبيعي للخلق.

لقد قدمنا في كتاب (الحل الفلسفي) ولأول مرة في تاريخ الفلسفة حلاً يتميز (باضمحلال الأنا) يبحث عن إجابات للاشكالات الفلسفية العميقة من النصين الماثلين أمامنا (الخلق والكلام) أعني الوجود الذي خلقه الله والكلام الذي كلمنا به الله من غير تدخل من ذواتنا في هذا الحل. إنه عمل فكري يتميز لأول مره بالصفة العلمية المحضة لأنه يحاكي طرائق العلم الحديث في استخراج القانون من موضعه بغير تدخل منه في صياغة هذا القانون- فواجبه هو كشف القانون فقط.

ومعلوم أن اكتشاف سر الوجود والحل الشامل للإنسان من خلال تحليل أو كشف (الأنا) على طريقة ديكارت هو ابتعاد عن هذا الحل من أول خطوة لأنه يفترض وجود الأنا وحده بلا موضوع وكل تطوير جاء بعد ذلك (للكوجيتو) الديكارتي كانت تطويراً للتقهقر الفكري. ليس إلا فقد أصاب الناس الاحباط وظهر عندهم التشاؤم بفضل هذا التطوير.

ب. ظهر التشاؤم في كلمات الكاتب عن مستقبل العالم وهو شعور يَعمّ أفراداً كثيرين.

إذا كان هذا المستقبل مندرج في التخطيط الإلهي فالتشاؤم في الطرح الديني هو كفر.

وسبب ذلك بسيط جداً. فإن الله خلق العالم لغاية هي الاستخلاف ليكون الكائن المشحون بقوة الاختيار مرتبطاً بالله وفق اختياره وحينما يقول المرء أن هذا لا يتحقق فإنه يكفر بالله إذ يجعل أعماله عابثة لا حكمة فيها ولا غاية منها.

وقد أكدت نصوص كثيرة هذا المعنى قرآنية ونبوية وأشارت إلى كفر من يشك في حتمية الوعد الإلهي وتحقق الحكومة العالمية وكفر من يقف حائلاً دون تحقيق هذا الوعد بالقول أو العمل. بل هدد أولئك الذي يتساءلون سؤال الشك:

(متى هذا الوعد)، (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين)، (فسَينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً).

ولكننا رأينا من قبل خلاصة عن أثر التحريف الديني للمقولات الإلهية فقد طال هذه النصوص ما طالها من اعتباطية التفسير وصرفت معاني الوعد إلى يوم الحشر السماوي، بينما هو يتحدث عن وعد يتحقق في الأرض في طور الاستخلاف.

ومن جهة ثانية أمرت النصوص الأخرى النبي (ص) والمؤمنين بوجوب (الانتظار) أو (الترقب) أو (التربص) أو (الصبر).

وهي تعابير تدل على وجوب الاستمرار في حالة (القلق) والعيش تحت هم أو هموم هذا القلق لحين تحقق الوعد. ولكن هذه الألفاظ كغيرها ربطها المحرفون بعالم سماوي لا نعلم عن تفاصيله شيئاً، ذلك لأن تفاصيل ذلك الحشر لا تظهر إلا في فترة الوعد الأسبق حيث تنتشر معارف وعلوم وتكشف حقائق عن العالم غير ما نعرفه الآن، فهذه الألفاظ كما سنرى مترابطة في النظام القرآني بالوعد الإلهي وعلاماته.

وقد رأينا اقتران قوله تعالى "وانتظر إنهم منتظرون" مع السؤال (متى هذا افتح) في آية الفتح في فصل سابق.

هذه جملة أخرى من الألفاظ:

المورد الأول: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" 24/9

أمر الله هو الوعد الإلهي بالاستخلاف.

لذا كان هذا اللفظ من جملة ألقاب القائد الموعود في هذا الطور:

"صاحب الأمر"، "ولي الأمر".

وهو مرتبط بأولي الأمر الذين فرضت طاعتهم كطاعة الرسول

"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" 59/4.

المورد الثاني: اقتران الفتح الموعود بالأمر مرة أخرى كما في المائدة:

"فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" 52/5.

المورد الثالث: اقتران الأنظار بالأمر:

"ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون" 8/6.

لأن الأنظار مرتبط بالفتح وظهور الأمر. فإذا أنزل ملكاً فإن الملك لا عمل له سوى (الملك) فهو يستولي على الملك وينتهي الأمر فلا تبقى مدة للمهلة. وهذا المطلب يعد استعجالاً منهم للعذاب، مثلما ذكره في موارد أخرى "ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب" 53/29.

فإذا أخذت لفظ (استعجل) وتابعته في النظام القرآني أعادك إلى الوعد الإلهي:

المورد الرابع: "ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده" 47/22.

مثلما يعيدك هذا العنوان إلى الأمر:

المورد الخامس: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" 8/16.

فإذا قلت ما معنى (أتى) وكيف يتفق الفعل الماضي مع ضرورة الترقب؟

الجواب إن (أتى) ليس بنفس معنى جاء. فالآتي لم يجيء بعد فالأمر آتي ولكنه لم يصل بعد إلى الواقع الأرضي كظهور فعلي. يكفي أن القائد الموعود موجود وينتظر الأمر.

وبصفة عامة فإن العلاقات اللفظية هنا متشابكة وهي بالطبع تحتاج إلى مؤسسات للدراسة لا أفراداً فلنترك ذلك ولنأخذ لفظاً آخر مثل التربص:

المورد السادس: "قل كل متربص فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى" 135/20.

وهذا واضح من كونه واقع متحقق لا مجرد حساب ونتائج، إذ كيف يعلم المرء من هم أصحاب الصراط السوي ما لم تكن فكرتهم مجسدة في الواقع؟

إن (الصراط) هو تعبير آخر عن تنفيذ مشروع الخليفة. والتوحيد هو مسألة دقيقة جداً: (أنظر كتابنا أصل الخلق)، ففي الدولة العالمية تنكشف الحقائق ويتبدل العلم وليس هناك من وسيلة للكذبة والمنافقين لإخفاء نواياهم- لأن السرائر تنكشف وتكون الحركة بقوة هذه السرائر فالنظام الطبيعي يتغير برمته كما ستلاحظ في علامات الطور المهدوي. عندئذ تظهر النعم والبركات وينكشف سر الموجودات للمتقين بينما يتخلف الكذبة والأنانيون في عذاب دائم مع الموجودات التي لا يستطيعون مجابهتها.

فلنأخذ لفظاً آخر مثل (انتظر):

المورد السابع: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين" 102/10.

ثم قال: "ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا" 103/10.

هنا يسقط الاعتباط الديني برمته. لأن نجاة الرسل في الآية مسألة مستقبلية بعد الانتظار ومعلوم أن الرسل جميعاً سبقوا النبي (ص) فهو خاتمهم ولا يمكن أن يكون الأمر في القيامة إذ لا يوجد خطر على الرسل. ربما يقولون أن الخطر هو أهوال القيامة ولكن هذا القول غير منطقي أبداً فلماذا يفعل الله هذه الوقائع حتى يحتاج إلى أن ينجي الرسل؟ لأنه قادر على جعل الحوادث لا تقع أصلاً على الرسل ويكونون بعيداً عنها. نعم في القيامة هم بعيدون عنها فعلاً.

"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" 101/21.

إذن فالآية تتحدث عن نوع من العذاب يأتي إلى الأرض ويكون الرسل فيه متواجدون ويحدث صراع تكون فيه الغلبة للرسل مثلما حدث مع لوط (ع) وإبراهيم (ع) حيث أنجاهم الله من العذاب ففي طور الاستخلاف سُينشر الرسل تارة أخرى وتنشر الأمم تباعاً فوجاً من بعد فوج:

"ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون" 83م27.

بينما يكون الحشر جماعياً يوم القيامة:

"ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن والإنس قد استكثرتم من الإنس" 128/6.

فهناك إذن حشران مختلفان ويجب التفريق بينهما في الموارد فربما قال (يحشرهم جميعاً) وهو يقصد فوجاً واحداً في حشر الأفواج لا الحشر العام في القيامة، وإنما يعرف هذا الأمر من خلال الاقتران اللفظي في النظام القرآني.

إذا أخذت لفظ (فوج) فإنه إذا شئت أعادك إلى أي لفظ آخر يتعلق بالوعد الإلهي أو الفتح مباشرةً، كما في سورة النصر التي لاحظنا دلالتها المستقبلية في الفصل السابق.

أكتفي بهذا القدر من النماذج التي ستظهر أهميتها وارتباطاتها مرة أخرى في الأبحاث اللاحقة.

ج. أما التساؤل القائل: كيف نجعل الناس ينتخبون (الإنسان الكامل)؟ فهو سؤال ساقط عن الاعتبار حينما يتم ذلك وفق التخطيط الإلهي. لأن الناس لن يفعلوا ذلك ما لم يحدث تمييز شديد بين العارفين بهذا الوعد المصدقين به وبين المكذبين بهذا اليوم.

ومثل هذا التمييز لا يحدث إلا بعد سلسلة من الفتن والمخاوف تنتهي بالعلامات الكونية المرعبة والتي من خلالها يظهر فشل جميع النظريات الموضوعة من قبل الإنسان.

ذلك لأن الحل الشامل مرتبط بطبيعة الإنسان والكون فلو اجتمع الناس وقرروا- بفرض غريب- إقامة دولة عالمية يسودها الإخاء والتكامل على قواعد يضعونها بخلاف الشرع الإلهي وخارج حدود هذا الارتباط فإنهم يستحيل عليهم تحقيق ذلك استحالة تامة.

والسبب في هذا الفشل هو أن التشريع الإلهي جزء من طبيعتهم وتكوينهم ومتناغم مع تكوين العالم وقوانينه في جميع جزئياته، فإذا أرادوا الخروج عنه كان ذلك بمثابة الخروج عن طبيعتهم وطبيعة الأشياء فكأنهم يريدون تحقيق شيء يرفضون تحقيقه في عين الوقت، فلذلك فإن أي طرح فكري غير الفكر الإلهي هو هدر للطاقات وتأخير لمسيرة هذا الكائن نحو الهدف المحتوم الذي خلق من أجله. لذلك أكدت النصوص القرآنية على الإسراع والتسابق.

"سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة".

"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة".

وسوف نلاحظ ارتباط إحدى هاتين الآيتين بجنة الطور المهدوي والتي توصل إلى الجنة الأبدية السماوية ولذلك أختلف وصف الجنة في الموردين مثلما اختلفت الأفعال: سارعوا، سابقوا.

وقد يقال: إن بعض الدول الصناعية المتطورة تمكنت من صنع نموذج اجتماعي يسود فيه العدل وينعم بالرفاه إلى حد ما وفق فكر بشري محض. فلو استمر تطوير هذا النموذج ليعم العالم بأسره فإنه سيمثل طرحاً معقولاً بل ومجزياً مقابل الطرح الديني الذي لازال مجرد فكرة، ومن المحتمل ان الله يريد من الإنسان أن يقوم هو بصنع عالمه المنشود.

الجواب على ذلك: أن في هذا الاعتراض مجموعة أشياء يجب التفريق فيما بينها. أولها أن الله يريد من الإنسان أن يقوم بصنع عالمه المنشود هي صحيحة من صحاح الفكر الديني فقط. وإنما تباين المفاهيم جعلها من مقولات الذين كفروا. إن مقولات الذين كفروا ترفض الوصول إلى العالم المنشود- لأنهم يعتقدون أن العالم سينتهي وهو مليء بالشرور فليس ثمة غاية من الخلق.

إن الآخرة تعبير زماني لا مكاني بمعنى أن الآخرة هي التي تأتي ولكن مجيئها مرتبط بالحركة نحوها فهي زمان لكنه يتحرك مبتعداً دوماً فعلينا السعي والإسراع للإمساك بها. لسنا نحن الذين نذهب إلى الآخرة في موضع ما من السماء تسوقنا الملائكة. فهذه الصورة من صور القيامة. أما في الطور المهدوي فالملائكة هم الذين يأتون إلى الأرض.

"ويوم تشقق السماء بالغمام ونُزَّل الملائكة تنزيلاً". 25/25.

وهذا التنزيل مرتبط بعلامات الطور المهدوي من أكثر من جهة:

الأول: لفظ غمام ورد في النبوي متواتراً عن المهدي:

"يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"

وفي نور الأبصار: "على رأسه غمامة فيها مناد ينادي"

نور الأبصار/155، البيان- باب النداء، منتخب الأثر/448.

الثاني: مرتبط بالغمامة التي على رأس المسيح (ع) حين نزوله مع المهدي كما في إنجيل لوقا.

"وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد" لوقا/21-35-37.

إذن فإن الله تعالى يريد من الإنسان أن يصنع عالمه المنشود ولكنه لن يصل إليه إلا بشرط هو ان يكون السعي لهذا العالم وفق التوجيه الإلهي لا خارجاً عنه لآن الخروج عنه يعني الخروج عن قوانين الطبيعة والاجتماع التي شحنها الله بهذا الخلق.

إن النموذج الغربي الصناعي خارج عن الطرح الديني والفكري الإلهي فكيف إذن حصل هذا التطور؟

هذا السؤال الوجيه قد يجاب عنه بذكر عوامل عديدة ولكن هذه العوامل مهما كثرت فإنها ترجع بالنهاية إلى علة أصلية واحدة وهي أن النموذج الغربي حاول بالفعل الحفاظ على حرية (الأفراد)، التابعين لهذا النظام فقط مصادراً حرية أمم وشعوب أخرى.

فليس من شيء سوى الحرية له القدرة على فرز الناس وتمييزهم وليس مثل الحرية شيء يمكن المجتمع من إبراز الأفراد الصالحين والمجدين وكشف المزيفين وليس مثل الحرية شيء يمكن المجتمع من التطور والترقي فبالحرية وحدها يحصل التنافس الشريف بالفضائل، وقد قام النموذج الغربي بحماية الحرية بأركانها المادية فقط دون الأركان الأخرى وقام بحمايتها داخل النموذج الاجتماعي دون بقية الشعوب والمجتمعات، بل بنى حرية أفراد النموذج على مصادرة حرية بقية الشعوب وربط بينهما وبين استغلال دول العالم الأخرى ولذلك فهو يساند الطواغيت والحكومات الدكتاتورية خارج النموذج دوماً بل ويقف بوجه الشعوب الداعية إلى التحرر من تلك الحكومات.

والسبب في ذلك أن محاكاة الفكر الإلهي بتنظير بشري لا يؤدي إلى تكوين عقيدة صالحة في جميع أركانها حيث يظهر الانحراف عن الفكر الإلهي بصورة ما في التنظير نفسه لأنه منشق عن (الأنا) الإنساني وهي نتائج محتومة لا مناص منها مطلقاً.

لذلك نرى الفكر الغربي يسعى حثيثاً لمحاربة الفكر الإلهي ويحاول التفريق بين الأديان بل بين مذاهب الدين الواحد وكأن هذا العمل جزء من عقيدته الاجتماعية والسياسية.

هذا يدفعنا لملاحظة موقع الحرية في الدين الحقيقي لا الدين الذي أوصله لنا المحرفون لأن المحرفين قد تعمدوا مهاجمة أعظم ركن من أركان الدين وهو (الحرية) فأهالوا عليها ركاماً من عقائدهم لإخفاء مضمونها الحقيقي.

حرية الاعتقاد في الإسلام ركن هام هو (عموده الفقري) وبدونه يستحيل عليه الوقوف والحركة لأنه مرتبط بإزالة الطاغوت الذي يصادر الحرية وقد توصلنا خلال البحث الحثيث عن الحرية في الفلسفة قديمها وحديثها ومواضيع الجبر والاختيار وعرضناها على النظام القرآني وحديث النبي (ص) وأقوال الإمام علي (ع) فظهرت لنا نتيجة واحدة هي خلاصة هذا البحث الذي لا يمكن ذكر تفاصيله هنا، هذه النتيجة هي أن الإيمان بالحرية هو الإيمان بالله وأنها هي الإيمان والإيمان هي لا فرق بينهما.

ومن المؤسف أن الأمة لازالت تجهل موقع الحرية في الدين ولذلك فهي تردد ما ذكره المحرفون من انتشار الإسلام تحت قوة السلاح وكأن الحكام الذين قاموا بالفتوحات هم الإسلام والإسلام هو الحكام وبذلك نقضوا عقيدة يؤمنون أنها جوهر الإسلام في التأسيس العقائدي حيث أرجع الفهم العقائدي لأطروحته إلى القرآن والسنة، فالإسلام يتمثل بالقرآن وأعمال النبي وأفعاله الصحيحة النسبة فقط. أما ما قام به الآخرون فإنه لا يمثل عقيدة الإسلام بل يمثل اجتهاداتهم الشخصية وحسب.

لقد أكد القرآن على الحرية حتى لتبدو وكأنها محوره الأساسي والدائم للحديث عن مختلف الأشياء فهي هناك حيث ما قرأت في القصص والتشريع والتهديد والوعيد وذكر الآيات.. هناك دوماً حديث عن الحرية وراء السطور، وذلك عدا الصيغ والعبارات الصريحة مثل:

"أدفع بالتي هي أحسن"

"أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"

"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" 256/2.

"ويدرئون بالحسنة السيئة".

"إنما عليك البلاغ وعلينا بالحساب" 40/13.

"أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟" 99/10.

"إلا من أكره وقلبه مطمئن الإيمان" 106/16.

"فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي وحميم"

"قال الملأ الذين استكبروا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا قال: أولو كنا كارهين؟" 88/7.

لقد خلط المحرفون بين الأوامر التي تدافع عن الحرية وبين الأوامر التي تؤكد الحرية فالأوامر التي تدافع عن الحرية تضمنت الدفاع عنها بالقتال واستعمال السلاح فهو قتال ضد الذين يريدون مصادرة الحرية وإجبار الخلق على معتقداتهم وكانت النتيجة من هذا التزوير عدا مخالفة الآيات واتهامه (ص) بعدم تنفيذ أوامر الله وتجاوزه على صلاحياته، كانت النتيجة أن خصومه هم الأحرار والنبي هو الذي يريد مصادرة حريتهم!!.

هذه النتيجة واضحة جداً وهي محتومة حسب الفهم المنتشر في الأمة عن أسباب القتال.

لاحظ الأوامر الإلهية الأخرى والمشتملة على أدوات الحصر:

"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ" 48/42

"فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين" 92/5.

"فهل على الرسل إلا البلاغ المبين" 35/16.

"فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين" 82/16.

"فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين" 12/64.

"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" 54/24.

"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" 18/29.

تدل الآيات الآنفة على أن واجبة هو التبليغ فقط. ومعنى ذلك أن القتال حدث لسببٍ آخر هو انهم يريدون منعه من التبليغ، ومعلوم أن التبليغ هو دعوة الناس إلى فكرة معينة، وترك الاختيار لهم في اعتناقها أو عدمه فهم أحرار في الإيمان أو عدم الإيمان بها.

أما أعداء النبي (ص) فكانوا يريدون أن تكون الساحة الاجتماعية لهم وحدهم إنهم طواغيت وجبابرة لا يسمحون للخلق في التعرف على أية فكرة جديدة مخالفة لمعتقداتهم. هذا هو سبب القتال. ألا تراه (ص) يرسل الرسل إلى المجتمعات الأخرى وليس فيها إلا عبارة واحدة تحمل معها حريتها الكاملة لا يفهمها الطواغيت كرسالته (ص) إلى ملك الروم.

"من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم القبط.."!.

وإلى ملك فارس: "فإن أبيت فعليك أثم المجوس"! لأن هؤلاء واقعين تحت سلطان الملوك وإسلام الملوك يعني إعطاء رعاياهم حرية الاختيار فإذا لم يفعلوا أصبحت آثام الشعب في أعناق الملوك!.

لقد كانت سيرة الرسول (ص) شاهداً حياً وفي مئات من الوقائع على حرصه الشديد في الحفاظ على الحرية، لكن المشكلة أن الأمة لم تفهم للآن طريقته في الحفاظ عليها ولا حجمها الحقيقي.

لقد كان النبي (ص) يدافع عن الحرية داخل المجموعة الإسلامية وخارجها فكان ينزل العقاب الصارم بمن يتدخل في حريته أو يحاول الاستحواذ عليها وكان يجاهد لاحتواء العدو.. فهو يدافع عن حرية عدوه أيضاً- عدوه الواقع تحت سلطان العبودية للإنسان فكان يقاتل لأجل الحرية وهو أمر لم يفعله مخلوق قبله على مر التاريخ الإنساني وكانت الحرية ظاهرة في التشريع في كل فقرة من فقراته. ولم يتحرك على هذا السلوك بعد النبي (ص) إلا رجل واحد هو الإمام علي (ع). وسأذكر لك واحدة من الاختلافات الهامة بين أسلوب الرسول (ص) والإمام علي (ع) في أخذ الزكاة و أساليب غيرهما:

ففي عهد الإمام علي (ع) كانت الطريقة التي أمر بها غريبة تماماً عن الوسط الاجتماعي وطرائق جباية الزكاة باستثناء أولئك الذين رأوا النبي (ص) فتذكروا أن هذه طريقته، فقد أمر الإمام أن يقف الجابي على باب الدار بعيداً ويدير وجهه وينادي سائلاً إن كان هناك رجلٌ في الدار؟

فإذا خرج إليه رجل من الدار سلم عليه ثم قال:

"الديك يا عبد الله شيء من مال الله أحمله إلى ولي الله؟"

عليه أن يذكر ذلك بلطف وأدب، فإذا رأى أن أهل الدار في مصيبة أو عندهم مريض شغلوا به اعتذر منهم وتركهم!.

فإذا قال صاحب الدار نعم عندي شيء من مال الله فإذا كان مثل البقر والغنم والحبوب يطلب من صاحب المال أن يقسمه نصفين. ثم يدير وجهه ويخيرّ صاحب المال أحد النصفين. ثم يقسم النصف المتروك ويفعل ما فعله في المرة الأولى.

ثم يفعل ذلك مرة بعد مرة حتى يبلغ المال الجزء الذي هو حق الله في المال فيجعل الخيار لصاحب المال في أخذ أحد الجزأين.

أما طرائق الخلفاء فيكفي ان أذكرك بواحدة منها فقد كان جابيه على الزكاة (خالد بن الوليد) حينما قام بجباية الزكاة من (مالك بن نويرة) وقومه.

وخلاصتها ان خالد حاصرهم حينما قالوا ليس عندنا مال تحمله للخليفة وكشف عليهم الرجال. ثم أعطاهم الأمان فدخل الجيش فلما القى مالك وقومه السلاح عمد الجيش إلى إشهار السلاح فقتل معظم الرجال وفرت النساء والصبيان ثم أسر منهم جماعة وقتل مالك الرجل الشجاع غدراً ثم عمد خالد على أخذ زوجته من غير (عدة) شرعية وعمل ولائم على دماء القوم وفي أرض مصرعهم وفتش الجنود عن أثافي للقدور فلم يجدوا فأمر بوضع رؤوس القتلى أثافي للقدور فكان يأكل وينكح على رائحة شواء الرؤوس البشرية!!.

تلك واقعة لم يستطع المحرفون إلى هذا اليوم من إسدال الستار عليها أو تبريرها رغم ألسنتهم الطويلة. نعم دافع كثيرون عن الخليفة ومنهم الكاتب المصري (هيكل)، ولكن عند قراءتك الدفاع فإنك تزداد اشمئزازاً وتقززاً من أعداء الحرية بدلاً من أن تقتنع بأن دفاعهم منطقي.

لذلك فإن عمل الرسول والإمام هو الذي يمثل العقيدة الإسلامية فقط وأعمال غيرهم لا علاقة لها بالطرح الديني لأنها تمثل اجتهادات أو أحلام فاعليها وحسب


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:23 PM   #13
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



تكملة الجزء الثالث




وكيف يأمرهم على لسان النبي في موضع المحاججة أن يأتوا بالتوراة لتكون حكماً في موضوع الخلاف فيقول:

"كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين"(1)

وكيف يقول إذن "فيها حكم الله" إذا كانت تخلو مما أنزل الله؟

وكيف يقول "الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل"(2)

فبالتصديق وحده وبالاحتواء للكاتبين كونهما منزلان من الله تكون الهيمنة للقرآن، وعند الفصل واعتبارهما منسوخين تماماً لا تكون الهيمنة للقرآن عليهما أبداً.. ومن هنا نقول أن فكرة النسخ للتوراة والإنجيل فكرة خرجت منهم وتعود إليهم وآمن بها المسلمون جهلاً بكتابهم ودينهم.. كانت الغاية منها إفراغ القرآن من محتواه الشمولي وقدرته على احتواء الكتابين والهيمنة عليهما:

"قل من كان عدواً لجبريل فأنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين"(3)

"قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم"(4)

"ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم"(5)

"والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه"(6)

"ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء"(7)

"وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه"(8)

فانظر كيف يقول الله أنه مصدق لما معهم وهم يقولون ناسخ، والنسخ نقيض التصديق إذ النسخ إلغاء والتصديق تثبيت وشهادة بالصحة والصدق. وكل ذلك لإخراج الكتاب من صفة الهيمنة على الكتاب السابق، وتمييع المحاججة به وإضاعة المطالبة بإقامة التوراة والإنجيل والذي أن فعلوه اضطروا إلى الرجوع للقرآن.. المصدق لما معهم والمبين لما اختلفوا فيه- فيفتح ذلك الطريق للإيمان به وتوحيد الملل في النهاية.. ولذلك جمع القرآن إقامة الثلاثة في آية واحدة فقال: "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم"..

ولذلك كان نزول المسيح (ع) من المحتوم الذي لا بد منه كحتمية المهدي (ع) تماماً، حتى جمع المهدي والمسيح (ع) في أحاديث كثيرة سوية، بل وفي عناوين الكتب المؤلفة لهذا الغرض، وذلك للرباط الوثيق بين الكتب الثلاثة، وحتمية إقامتها سوية،.. هذا هو الذي يفك الإشكالات في التسلسل الزمني للحوادث عند نزول المسيح (ع) والمهدي (ع) بين أظهر المسلمين.. أو (وإمامكم فيكم) حسب الحديث النبوي- إذ سيكون المسيح (ع) هو المشرف على تطبيق التوراة والإنجيل في الملتين السابقتين، ولكنه سيكون في هذه الحالة تحت إمرة المهدي (ع)، ويعلن إتباعه للمهدي (ع) من أول يوم لنزوله إذ يصلي خلفه، وهي الحادثة التي احتار العلماء بتفسيرها!.

عن جابر بن عبد الله (رض) قال: قال رسول الله (ص):

"ينزل عيسى بن مريم فيقول المهدي تعال صل بنا فيقول لا، إنما أقيمت لك فيصلي خلفه" مسند أحمد 3/367، 3/345، الكنز 7/187، الصواعق/98، أراد الرسول (ص) إبراز قضيتين في هذا الحديث المبتور- كما هي عادة أصحاب الحديث في البتر والتقطيع للحديث النبوي.

الأولى أن المهدي والمسيح (ع) لا يستنكف كل منهما أن يصلي خلف الآخر، والإمامة هنا هي القيادة العامة، والثانية أن القيادة في النهاية والإمامة بيد المهدي (ع) وهذا واضح لنا- إن لم يكن واضحاً للبعض- فالمسيح صاحب الإنجيل المصدق للتوراة والمهدي حامل القرآن المهيمن على التوراة والإنجيل معاً. المسيح (ع) لديه علم من الكتاب أما المهدي فهو الحامل لعلم الكتاب كله، فكيف صارت قضية صلاة المسيح بإمامة المهدي عند أهل القرآن أمراً عجباً يحتاج إلى فهم وتفسير؟!.

أم حسب هؤلاء- أن كل من يوحى له هو أفضل ممن لا يوحى له، وما أدراهم ما معنى الوحي!- الله يوحي لمن يشاء وكيفما يشاء بأي طريقة يشاء.. ألم يفضل الرجال على النساء وأوحى إلى النساء رغم ذلك فقال:

"وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه"(1)

فهل كانت أم موسى من الأنبياء؟ ولقد أوحى الله إلى الحشرات فقال:

"وأوحى ربك إلى النحل أن أتخذي من الجبال بيوتاً"(2)

أو ليس المهدي هو الخليفة والإمام لهذا الطور، سماه الرسول (ص) "إماماً" وسماه (خليفة) في أحاديثه الشريفة- كما سيمر علينا في البحوث الآتية والقرآن يذكر لنا أن الله يوحي إلى الأئمة:

"وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوصينا إليهم فعل الخيرات"(3)

إذ يفترض في كل عاقل عارف يدرك أن كلام رسول الله (ص) هو كلام الله فلا يتناقض قوله (ص) مع القرآن.. فإذا سمى الرسول رجلاً إماماً انطبقت عليه صفات الإمام أينما وردت في القرآن والسنة- ذلك لأن هذا الإمام بتسميته الرسول (ص)- لا بتسمية غيره كما فعلوا فملأوا الأمة في تراثها أدباً وفقها وعقائد بـ(أئمة) لا يحصى عددهم وما هم بأئمة إن هم ألا يخرصون إذ لم ينزل الله بهم من سلطان ولا ذكرهم بهذا اللقب نبي ولا قرآن.

وتلك واحدة أخرى من تناقضات (علماء الأمة) في عقائدهم مع مسلمات قرآنية! إن هذا الكتاب والكتاب السابق حول (النظام القرآني) يكشف لك بصورة لا لبس فيها أن (الدين السائد) عند علماء الأمة لا يمت بصلة تذكر إلى الدين الذي جاء به (محمد) (ص) اللهم بوجود تشابه ما في بعض مظاهر المناسك والعبادات وصورها وأسماءها.

وتلك لعمري نبوءة سابقة أخبر بها النبي نفسه (ص) حيث قال عن خصائص آخر الزمان "لا يبقى من الدين إلا أسمه ولا يبقى من القرآن إلا رسمه"

وهذا النص قد ورد بجوار النصوص التي تذكر (زخرفة المصاحف) و(تزين المساجد) وتلك إشارات أود ألا تفوتك لتنتبه إلى أن المقصود بآخر الزمان واضمحلال الدين إلا أسمه والقرآن إلا رسمه- ليس زماناً نسي فيه الدين نسياناً تاماً ويهجر فيه القرآن هجراناً مؤكداً- بل المقصود عكس ذلك تماماً: فهناك تعظيم لشأن القرآن بتهذيبه وزخرفته وتعظيم المساجد برفع بنائها وتحليتها وزخرفتها ومن الطبيعي أن يرافقه التأليف والتدوين والبحوث المتنوعة عن الدين لأنها أيسر عملاً وأقل كلفة! وكما أكدته نصوص أخرى تأتي في موضعها بإذن الله.

فانتبه جيداً فإن النبي (ص) يرمي بقوله هذا إلى أبعد من ذلك وإلى أمر آخر وراء ذلك! إنه يرمي إلا أن هذا الكم الهائل من الحديث حول الدين وهذا البناء الشامخ للمساجد وهذه التحلية للمصاحف إذ توحي بصحوة دينية أو رجعة عقائدية أو باهتمام بالغ بالدين- فإنه في حقيقته لا يمت بصلة إلى دين محمد (ص) بشيء سوى الاسم ولا يمت للقرآن بصلة سوى الرسم لأنه دين قائم على عقائد محرفة وأفكار مغيرة ونصوص مبدلة وتأويلات مفتعلة تقادمت وتراكمت عبر عصور طويلة حتى باتت ديناً آخر.. فالفقيه فيها والقارئ والمؤلف والكاتب كل هؤلاء ساهون فيه من الانحراف والتحريف.. حتى يصفهم أحد النصوص النبوية أنهم يصبحون من الجهل بحقيقة الدين حداً يرون فيه الحلال حراماً والحرام حلالاً!!

4. أسبقية القيادة على التغيير.

ذكرنا خاصيتين من خصائص الرسالة الخاتمة الأولى هما: استمرارها بسبب المعجز والثانية هي الهيمنة والتي هي من مميزات المعجز لكونه تفصيلاً للذي بين يديه من الكتاب ولكونه مصدقاً لما معهم ولكونه مهيمناً عليه بسبب احتوائه على ما اختلفوا فيه من جهة واحتوائه على تفصيل كل شيء بصورة مطلقة من جهة أخرى.. وبرهنا خلال ذلك على أن جمعه وقرآنه كان من الله لا من سواه.وأنه حفظه من التلاعب بحروفه ومواضع كلماته ومعانيه بما أودع فيه من ضبط وإحكام وعلاقات لفظية وعددية لا يحاط بمكنونها في نظام محكم.

فإذا كانت الرسالة مستمرة، والمعجز باقياً، والشريعة هي نفس المعجز فلا يبقى لاستمرار الدعوة للتوحيد سوى القيادة! وهو الأمر الوحيد الذي أمكنهم أولاً من تحريفه وبالتالي السيطرة على مقدرات الأمة، ومن ثم الإجهاز على أسس الدين واحدة تلو الأخرى.

وموضوع قيادة الأمة بعد الرسول الخاتم (ص) هو الموضوع الأول والأخير في الخلاف والتمزق والتشرذم، وقد رأيت مسلمين بسطاء من مختلف المذاهب لديهم شعور فطري وغريزي بأهمية هذه القضية واعتبارهم لها السبب الأول أو العامل الأساسي في الاختلاف والتفرق.

من غير المعقول طبعاً أن تكون الرسالة الخاتمة خالية تماماً من الإشارة لهذا الأمر البالغ الأهمية أو غير متضمنة لأحكام وتشريعات ونظم ترتب عملية الحكم بما أنزل الله، إذ لا يمكن أن تتهم بالتفاصيل الدقيقة لحياة الفرد وأنظمته الاجتماعية كافة وتترك تنظيم دستور للهيئةٍ القائمة بإدارة وتطبيق هذه الكمية المتكاملة للنظم والشاملة لجميع مناحي الحياة.. فمن زعم ذلك فهو أما محرف أو جاهل جهلاً لا علاج له.

ولا يمكننا بحال الخوض في تفاصيل هذا الموضوع، فإن المؤلف فيه هو كل تراث الأمة بغّثهِ وسمينه، بل ويشترك فيه تفسير القرآن وإعرابه مشاركة فاعلة.

ولكننا نعتقد أن كل إنسان قادر على معرفة الحقيقة بكل يسر وسهولة، ولهذا لن يدخل النار أحد لا يستحق ذلك، ولن يدخل الجنة أحد من أهل النار، كما لا يوجد هناك فريق ثالث.. خاص بالجهلة.. لأنه لا يوجد في هذا الموضوع جهلة بالمعنى الحقيقي "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه وتخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً"(1)

وهذا يدفعنا للبقاء قدر المستطاع في موضوعنا.. والاعتماد على القرآن وحده والثابت من المأثور لإبراز قضية بالغة الأهمية تجهلها أكثرية الأمة.

إن التغيرات التي تحدث في المجتمعات تكون دائماً أداتها العامة من الناس أما قادتها فهم النخبة، وحسب المصطلحات الحديثة الأداة هم الجماهير والقيادة هي الطبقة الواعية. والحقيقة أن الثورات هي التي تصنع قادتها. ولذلك فكثيراً ما يحدث أن تنحرف الثورات عن غاياتها الأصلية، لأن هناك الكثيرون الذين يركبون الموجه ويقومون بتوجيه الدفة، ولذا يحدث غالباً الصراع بين أقطاب القيادات في بداية كل ثورة أو تغيير وربما استمر فحرفها أو أطاح بها.

انّ العامة أو الجمهور يسلكون سلوكاً لاعقلانياً عند الهياج وقيام الثورات، ويتأثر الجمهور عاطفياً بعدة عوامل، بحيث أنه أحياناً يسلم القيادة وزمام الأمور لأعدائه الحقيقيين، وكل ذلك كما اعتقد من مسلمات علم الاجتماع في هذا العصر.

الفكر الإلهي يختلف في هذه النقطة- كما هو شأنه تماماً- مع الفكر الوضعي، لكنه يستخدم الحقيقة الاجتماعية الآنفة الذكر مؤمناً بها كأمر طبيعي وسلوك عادي للناس، وفي عين الوقت يتخذ الإجراءات الكفيلة لمنع حصول آثارها المدمرة للمجتمع الإنساني.

إنه يحرك المجتمع ويقوم بالتغيير بطريقة معكوسة تماماً! فعند الفكر الديني القيادة هي التي تصنع الثورة وتجمع الجماهير وليس العكس. ولهذا تكون القيادة ممثلة بالأنبياء والرسل والأولياء الأصفياء متواجدة قبل التغيير، بل وقبل أن يفكر أحد بالتغيير، بل يختار الخالق أوقاتاً للإنذار ونشر الأفكار هي القمة دوماً في الاستقرار السياسي والاقتصادي- فيخالف بذلك ما يحصل في الثورة الوضعية مخالفة تماماً. ولهذا فشل الماديون وأتباعهم في العالم الإسلامي والمستشرقون في إعطاء تفسير لحركة المجتمع وحصول التغيير عند بعثات الأنبياء، وبالأخص الرسالة الخاتمة حيث خرجوا من كل تطبيلهم بالخيبة والخذلان!.

لو بعث الله الأنبياء في أوقات التزعزع السياسي وأوقات الهياج العام، لما صدقهم الناس، بل لقالوا أن هذا النبي استغل فترة الهياج والتغيير وتسلم قيادة الجماهير، وعدا ذلك فحتى لو نجحوا بهذه الطريقة، وهم أجدر الناس بالنجاح فإن هذه الثورات والتغيرات ليست وفق مبادئ الأنبياء (ع) ولن تكون وفق مبادئهم، والخالق يريد تصديق الناس للأنبياء من خلال المعجز الذي يؤيدهم به، وأعظم المعجزات قاطبة هو حدوث التغيير الحاسم في غير وقته المتوقع ولا بالمدة المتوقعة، وبالعدد الذي لا يأبه به أحد كماً ونوعاً.

ولقد حاول المحرفون بالطبع، من تلامذة المستشرقين أن يجدوا تفسيراً للرسالة الخاتمة فباءوا بالفشل الذريع، إذ أن جميع الدلائل تشير إلى ما ذهبنا إليه ففي مجتمع الجزيرة، انتشرت الرسالة وحدثت البعثة في أوج الاستقرار الاجتماعي والسياسي للمجتمع المكي، فالأحلاف كانت مستقرة وراسخة والحروب متوقفة بين القبائل والتجارة مزدهرة. وكما ترى فإن هذا التفسير هو بخلاف ما جرت عليه عادة المسلمين في تدوين تاريخ الدعوة.

إن الأنبياء الذين بعثوا عدد كبير جداً، وقسم منهم فقط هم الذين أبلغوا بالدعوة إلى التوحيد وعددهم كبير أيضاً، كل هؤلاء الأنبياء والرسل (ع) هم الذين قاموا بالتغيير أو محاولة إحداث تغيير في مجتمعاتهم، قبل حدوث بوادر ذلك التغيير.

ولهذا كانت المجابهة شديدة جداً مع تلك المجتمعات، لأن الأوقات التي خطط لها لتكون بداية التغيير كانت أوقات استقرار، فجوبهوا بأشد أنواع الاستهزاء والسخرية والقتل والتعذيب والمعارضة الشديدة من (الملأ)، أو (المترفين)، أو (الذين استكبروا)، وهي تعابير تدل على الازدهار الاقتصادي، والهدوء في الساحة السياسية لتلك المجتمعات عند حدوث الدعوات الدينية.

إن الله أكبر من أن يرسل الرسل ويبعث الأنبياء في فترات التزعزع مستغلاً الكوارث السياسية للدعوة إلى مبدأ الحق. بل التغيير الديني لحركة التاريخ هو عكس ذلك فإن الكوارث والبلاء يأتي كنتيجة للإعراض عن مبدأ الحق، فالثورات والصراع هو عقاب إِلهِي للمجتمعات وليست حركات للخلاص كما هو ظاهرها، والصراع هو جزء لا يتجزأ من القوانين والسنن الإلهية العاملة بشكل خفي في المجتمعات، فإن لم يبلغ الغضب الإلهي حداً لإنزال كارثة تبيد الجماعة المعارضة بأسرها، فإن الصراع هو البديل لذلك، وهو بديل طبيعي ضمن قوانين حركة المجتمع، إذ أن العقاب الجماعي لا يحدث إلا في حالة واحدة وهي عدم بقاء طائفة من المجتمع متمسكة بالمبادئ الإلهية وعند وجودها يكون الصراع ضرورياً للتميز والتمحيص وهو ما تشير إليه الآية:

"قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض. أنظر كيف نصرّف الآيات لعلهم يفقهون"(1)

فلآية الآنفة تجمع بين نوعي العقاب- الجماعي والصراع السياسي، بنفس التسلسل المنطقي والتسلسل التاريخي.

فمن الناحية التاريخية، حدث صنع نواة للاستخلاف في الأرض في الأمم السابقة ولكن أول نواة حقيقية هي ما بعد إبراهيم (ع) متمثلة في بني إسرائيل ونزول أول شريعة ذات أنظمة متكاملة وهي التوراة. ثم قفى بعيسى بن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتاه الإنجيل مصدقاً هو الآخر للتوراة(2) وذلك لإتمام عملية الاستخلاف ودفعها للأمام. ثم انزل القرآن مصدقاً لما بين يديه موضحاً للاختلاف ومظهراً لما كتبوه من الكتابين، وعليه يكون التواصل بين الملل الثلاثة والتي هي في الحقيقة دين واحد هو دين التسليم لله أمر ضروري لتوحيدها في النهاية. وهو ما يحدث في الطور المهدوي، المتضمن نزول المسيح (ع).

ومن هنا نعرف أن الاستخلاف كهدف إِلهِي من الخلق قد أحيط من قبل الخالق عز وجل بعناية شديدة من خلال ختم النبوات بكتاب معجز لضمان استمرار المعجزة، ووجود اثنا عشر خليفة هو عدد كاف لبناء حضارة أرضية مهدوية حاملين لهذا المعجز قادرين على استخدامه، وهو التصور الوحيد الذي يمكن الإيمان به والاحتفاظ بفكرة الاستخلاف في الأرض المؤكد عليها في القرآن.

إن مدة التطور للوصول إلى هذه المرحلة إنما هي دالة متغيرة تعتمد على خيارات الأمم وعلى مدى التزامها بهذا المنهج، والخالق أجل وأحكم من أن يؤخر رحمته لوقت بعيد سلفاً، ولذا كانت القيادة الدينية الحاملة للمعجز والقادرة على إخضاع الملتين اليهود والنصارى وإجبارهما على تنفيذ شرائع التوراة والإنجيل هي قيادة متوفرة دائماً وحسب السنن والنواميس الإلهية التي لا تتغير.

وهنا يتوضح أكثر أن الذين قالوا بتفرق الخلفاء الإثنى عشر في العصور والدهور وحاولوا ان يكملوا العدد، فخانتهم الصحائف المسودة لطغاة هذه الأمة ولم يتمكنوا من إضافة أحد إلى الأربعة الأوائل سوى ابن عبد العزيز هم من جملة المتآمرين والضالعين بالخيانة لهذه الأمة والسائرين في ركب التحريف الذي يقوده قادة التحريف من أهل الكتاب.

ذلك لأن استلام سلسلة من الطغاة للحكم بالتناوب مع اثنا عشر خليفة هو بالضدّ من فكرة الاستخلاف ويخالف الحكمة الإلهية، بل هو تصور لا يمكن أن يقول به إلا متآمر جاهل.. فإنه يكفي طاغية واحد من تدمير أمة كاملة وإعادتها إلى الوراء عدة قرون.

وما السرد القرآني المستمر لأقطاب التحريف وللذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً والذين يكتمون ما أنزل من البينات (بعد ما بيناه للناس)، إلا تحذيرات وتنويهات لما يحدث في هذه الأمة. على أن التحريف والارتداد والتآمر من الجماعة المحيطة بالنبي (ص) هو الآخر مفصل في القرآن في العديد من السور كسورة التحريم وسورة محمد (ص) وسورة التوبة، وسورة الحديد وآيات كثيرة من سور متفرقة.

لقد كان التآمر والمستمر إلى اليوم على القيادة المحددة سلفاً لحمل المعجز والوصول بالأمة إلى طور الاستخلاف هو العامل الوحيد في تخلف الأمة وتمزقها وتناحرها ومن ثم البطئ الشديد وطول المدة طولاً مخيفاً للوصول إلى هذا الطور المبارك. ولما كانت الأمة قد تآمرت على تلك القيادة ونحتها عن الحكم وشردتها وحاربتها بكافة الوسائل فإنه لم يبق هناك إلا احتمالين: أما أن يلغي الخالق فكرة الاستخلاف منفذاً التهديد المذكور في القرآن مراراً واستبدال هؤلاء (بقوم آخرين) أو (بخلق جديد) لا علاقة له بالبشر أو الحلم على الأمة أو الرأفة بها والتأني معها بالمد بعمر الخليفة الأخير منهم انتظاراً لأوبتهم وتوبتهم.

ولكن المشكلة هي أن الأمة إذ تفيق من سباتها وتطالب بالإسلام كمنهج بديل للأنظمة الوضعية الفاسدة، فإنها لا تدري في عين الوقت ما هي مسؤليتها ولا أقطاب قيادتها ولا غاياتها!؟

وأكثر الذين يرجعون إلى الإسلام كبديل إنما هم متفرقون بين المذاهب والمشارب غارقين في التهام قشور لا تسمن ولا تغني من جوع قشور تحمل اسم الدين ورسم القرآن، ولكنهم خلوا من أي فكر عميق أو دين على التحقيق.

والإمام المهدي (ع) هو أحد هؤلاء الخلفاء مد الله في عمره انتظاراً للأمة ورحمةً بها، لوجود طائفة باقية على اعتقادها بطور الاستخلاف، وثابتة على ولائها لقائدها، وهو السبب الوحيد لتأجيل نزول العذاب الجماعي وفق القاعدة القرآنية الآنفة الذكر وهو ما يؤكده حديث الطائفة وحديث الأمان:

"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صلّ بنا فيقول لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمةً لهذه الأمة"(1)

إذ يفهم من الحديث إن هذه الطائفة هي أقلية في الأمة، وأنها الطائفة التي تؤمن بقيادة المهدي (ع)- لوجود عيسى والصلاة- كما هو عند الحفاظ.

وبوجود هذا الإمام (ع) يحدث الأمان ولولاهما، ما كانت هناك ضرورة لبقاء الخلق- إذ تنتفي الغاية منه الذي هو الاستخلاف كما برهناه وهذا ما يؤكده الحديث الشريف الآتي:

"النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي جاء أهل الأرض ما كانوا يوعدون".

ولكن النص الذي صححه الحاكم بشرط البخاري "وأهل بيتي أمان لأهل الأرض من الاختلاف"- وبهذا تجتمع المعاني كلها في كل واحد لا يتجزأ.

5. الطبيعة الإنسانية والحرية وعلاقتها بالقيادة العالمية.

"مبحث اجتماعي"

هناك جملة من الاعتراضات المبثوثة في الكتب المتفرقة التي تحاول تسفيه الحلم الإنساني بالقيادة العالمية. ومع أن هذه الاعتراضات لا تشكل في مجموعها فكرة ذات قيمة أو نظرة منطقية إلا أنها تفعل فعلها في أحيان كثيرة في التشكيك بتحقيق هذا الهدف وإحباط الآمال لدى أفراد كثيرين ممن هو في عداد المثقفين أو الواعيين من الأمة. إن آراء الباحث الاجتماعي العراقي الدكتور (علي الوردي) تمثل جانباً من هذه الاعتراضات اللامنطقية لذلك سآخذ بعض نصوصه من كتاب (لمحات اجتماعية) وأنطلق منها لإظهار التناقض في هذه الردود تحت العناوين الفرعية المختصرة فيما يأتي:

أ. هل للحقيقة أوجه متعددة؟

حينما لاحق المؤلف عشرات الحوادث التاريخية لمجتمعات ودول المنطقة ورصد علاقاتها وحروبها وصراعاتها على الحكم خلص إلى نتيجة مفادها أن هناك طبيعة متناقضة في الإنسان وأنها من صميم تكوينه فهو يرى أن الإنسان ذو طبيعة (شريرة) حيث يؤكد هذه النتيجة عند ملاحظة سلوك الإنسان خلال الطفولة كما سيأتي لاحقاً. وحينما أراد تفسير هذا الأمر عزاه إلى (نسبية) الحقيقة، فكل إنسان يرى أن الحق في جانبه وينكر أن يكون هناك حق في جانب الآخرين أو (خصومه) تحديداً، ولذلك فإن موضوع الحق والباطل هو أمر نسبي.

ومن هنا وحسب رأيه فإنه لا فائدة من المواعظ والحكم فلا أحد يأخذ بها فالحكماء الذين تخيلوا دولة عالمية يسودها العدل هم أناس غارقين في الخيالات وأن المثل التي جاءوا بها قد أخفقت كلها كما سنلاحظ عبارته.

يظهر هنا التناقض بين التحليل وبين سرده الحوادث فقد ألقي باللائمة على الكثير من حكام الجور والسلاطين الظالمين والمفروض ألا يفعل ذلك مادامت تلك طبيعة الإنسان ومادام كل إنسان يحق له الاعتقاد بأن الحق معه لا مع خصومه لأن الحق والباطل (نسبي) وبالتالي فلا مسوغ لإلقاء اللوم على شخص دون الآخر.

ليس هذا وحسب بل أن نسبية الحق والباطل توجب ترك تسجيل التاريخ وإجراء البحث الاجتماعي من الأصل وهو أمر لم يفعله المؤلف بل أستمر في تسجيل حوادث التاريخ وإجراء البحث!.

وضرب مثلاً على نسبية الحق والباطل حيث افترض وجود تمثال بلونيين أسود وأبيض كل لون من جهة. وتخاصم رجلان بشأن التمثال حيث أكد كل منهما اللون الذي يراه مواجهاً له.

وخلص المؤلف من هذا المثل إلا أن للحقيقة وجهين أو أكثر بحسب الأشخاص! والناتج ان كل منهما محق فيما يراه عن التمثال.

إن صدور مثل هذا المثل من باحث اجتماعي هو مسخرة فعلاً. فإني أقول أن كل منهما على باطل وليس كل منهما على حق. ذلك لأن حقيقة التمثال أنه بلونين وهي حقيقة واحدة لا تتجزأ- وليست الحقيقة نفسها بوجهين متناقضين. كل منهما لو دار على التمثال دورة كاملة لوجد أنه بلونين وبالتالي فهو مخطئ حينما يقول أنه أسود أو أبيض، وليس في الرجلين شخص محق لأن التمثال ليس أسود ولا أبيض، حقيقته أنه (أسود وأبيض).

وهذا المثال قديم جداً، أنه مثل سفسطائي على نسبية الحقيقة وقد حاول الماديون الإتيان بمثل هذه النسبية فعجزوا وإني أتحداهم أن يأتوا بمثل واحد من الطبيعة يصلح لهذه الفكرة اللافكرة وقد حاول ماركس وانجلز القيام بأمثلة من هذا النوع فلما عجزوا قاموا بتزوير حقائق علمية مستغلين سذاجة البعض وعدم معرفتهم بالعلاقات الكمية والحجمية والأوزان فادعى (انجلز) أن الواحد مضافاً للواحد لا ينتج منه أثنين دوماً مثل إضافة متر مكعب الماء إلى متر مكعب تراب فالناتج لا يكون مترين مكعبين من الطين!!.

ومعلوم أننا لو حسبنا الأوزان فإن وزن الماء مضافاً إلى وزن التراب ينتج منه مجموع الوزنين رغم انف انجلز فالفارق الحجمي ضاع بسبب تداخل الماء وهو سائل في جزيئات التراب- لأن الحجوم هنا متغيرة ولو أخذ نفس الحجوم (مكعب تراب + مكعب تراب) أو (مكعب ماء + مكعب ماء) لكان الناتج مكعبين دوماً رغم أنفه.

ولو صح مثل هذا الاستنتاج اللامنطقي لما كان هناك أي شيء منطقي يقاس مطلقاً ولما قدر الإنسان على صنع أية آلات أو أدوات بل لعجز عن إجراء أية معاملات في حياته من بيع وشراء وإبرام اتفاقيات.

ب. هل الإنسان شرير بالطبع؟

بعدما أكد أن الإنسان شرير بطبعه من خلال ما لاحظه من صراعات بين الحكام على السلطة- غفل عن هذه النتيجة مرتين: الأولى أنه أثنى على بعض الحكام العادلين الذين رفضوا الجور بل وتخلى بعضهم عن المناصب حينما عجزوا عن الجمع بين تحقيق العدل والاحتفاظ بالسلطة بالرغم من شخصيتهم القوية.

ومعلوم أن مثل هؤلاء ليسوا أشراراً وهو أمر يخالف ما زعمه من وجود هذه النزعة عند الإنسان منذ الطفولة. والثانية أنه خلص بهذه النتائج من خلال سلوك الحكام وهذا خطأ فاحش فالحكام معدودين دوماً بالنسبة إلى مجموع الناس وقد تناسى أن الأفراد الواصلين إلى السلطة من خلال استعمال القوة والقهر والغلبة هم أشخاص قد تدربوا منذ وقت مبكر على خلط الأمور وتبرير الأخطاء وإظهار رحمة مفتعلة لكسب تأييد الجماهير وأنهم طبقة معينة لا تصلح لاستخراج قانون عام عن الطبيعة الإنسانية فهناك من هو أكثر كفاءة منهم ترك الخوض في هذه الصراعات رغبة منه في عدم المشاركة بالظلم والتعسف فلماذا لا تكون هذه الطبقة مثلاً هي النموذج المأخوذ للدراسة عن الطبيعة البشرية؟

وثم حاول إثبات هذا الشر المتأصل في الإنسان من خلال ظاهرتين هما سلوك الطفل وسلوك المجنون.

الأول: ما يلاحظ على الطفل من حب للشرور، قال:

"يلاحظ عل الطفل أنه يميل إلى التعاون والتنازع معاً من أول أيامه".

واستدل منه على بقاء هذه الطبيعة في سلوكه إلى سن البلوغ وقال: "والفارق أن البالغ يمنعه عقله من إظهار التنازع لذا يقال أنه (عاقل) وعند حصول التنازع يتحول إلى شرير".

الثاني: أن المجنون لا يمتنع عن إظهار التنازع لأن سمته الثابتة هي التنازع.

والناتج أن الرغبة في التنازع عند العاقل والمجنون واحدة لكنها لا تظهر إلا عند المجنون.

ولكن مثل هذه الأحكام هي عامة جداً فنحن نلاحظ خلافها أحياناً كثيرة، وقد فاته أن المجنون يحاول إظهار التخاصم لحماية نفسه فقط، وملاحظاته غير دقيقة عن سلوك المجانين، فالمجنون عرضة بصورة مستمرة للسخرية والضرب والإهانة في مجتمع الرعاع خصوصاً فيقوم (بتمثيل) هذا الدور دفعاً للمخاطر ولذلك نراه يذعن لمن اعتاد مسالمته ويستسلم لمن يعطف عليه وينقاد لمن يعلم أنه لا يؤذيه ودائماً تلاحظ ان مجموعة الرعاع الساخرة من المجنون تستنجد بأشخاص معينين يطيعهم المجنون بعد أن يفشلوا في إقناعه بترك التنازع وهو إقناع يتسم بالخشونة والإهانة والضرب فيبقى المجنون يتحداهم حتى يأتيه الرجل الذي يحترمه بطريقة ما.

وقد ينسحب المجنون من المعركة حينما يجد في الانسحاب سلامته، ذلك لأن الأمراض النفسية لا تقضي على الغرائز مثل حب الطعام والشراب والخوف.. بل غالباً ما تتركز الغرائز عند المجانين وهو عكس ما ذكره المؤلف.

أما الطفل فيظهر بطلان قوله عن سلوك الطفل إذا لاحظنا أن الأمر يتعلق بقدرة المربي أو المشرف على الطفل فهناك أطفال في عائلات كثيرة جداً يرتفع حب التعاون والاحترام عندهم على نزعة الخصام.. إن نماذج المؤلف هي نماذج خاصة من مناطق معينة فقيرة في كل شيء فقراً فكرياً ومادياً وهي لا تصلح مطلقاً لإصدار أحكام عامة عن السلوك الإنساني.

لقد قلب المعادلة كلها فالعاقل يحب التنازع لكنه لا يظهره والمجنون يظهر التنازع والناتج أن العاقل صار مجنوناً والمجنون صار هو العاقل!!.

ومن جهة أخرى لو صحت أقواله بشأن سلوك الأطفال لبطلت المؤسسات التربوية والإصلاحية ولكان القائمون بذلك- بما فيهم أرباب الأسر والأمهات وهيئات التعليم مجانين فعلاً لأنهم يعملون أعمالاً لا جدوى منها!.

هل تحسب أن مثل هذه (الأفكار) تصلح لتكون بحثاً اجتماعياً؟

ج. فكرة ملائمة للطبيعة لا العكس !!

بعدما برهن - حسب رأيه السابق- على الطبيعة المتناقضة للإنسان أقترح صياغة نظرية ملائمة للطبيعة الإنسانية بدلاً من إجبار الإنسان على تعديل طبيعته وفق فكرة نصنعها مسبقاً قال:

"ونحن يجب أن نجعل الفكرة ملائمة للطبيعة البشرية بدلاً من أن نجعل الطبيعة ملائمة للفكرة".

السؤال هو: إذا كانت طبيعة الإنسان متناقضة فهل يقترح صياغة (فكرة متناقضة) لتلائمها؟ وكيف تكون الفكرة (فكرة) إذا كانت متناقضة؟ لأنها في هذه الحالة لا تكون فكرة وإنما أي شيء عبارة عن عبث في عبث.

وإذا كانت الفكرة المتناقضة ملائمة للطبيعة المتناقضة والإنسان شرير بطبعة فهل يعني ذلك أنه يريد استمرار الشرور بدلاً من أن نفكر بإنهائها؟

إذا كان الجواب نعم لأنه لا فائدة من الإصلاح فما الداعي للفكرة إذن فالشرور مستمرة بفضل الطبيعة الشريرة للإنسان!.ربما هو حريص على البعض الذين يهدرون جهودهم في البحث عن فكرة ما فهو ينصحهم أن يصوغوا الفكرة بما يلائم الطبيعة- فكرة متناقضة ليكونوا مؤمنين بحتمية الشرور!.

لكن هذا معناه أنهم (أخيار) لا أشرار والناتج أن هناك أفراد يحبون الخير وهو يعادل دفعهم للشر فكيف يقول أن الجميع أشرار بطبعهم؟

لقد لاحظت الآن أخي القارئ هذه التناقضات المتداخلة في عرض المؤلف ونستعرض الآن على وجه السرعة بعض العبارات الأخرى قال:

"إن النصيحة والخطابة والموعظة غير مجدية في التأثير على البشر إذ لم يذعن لها أحد".

هذا حكم عام آخر إذ ليس لديه أية معطيات عددية عن المتأثرين بالحكمة والمواعظ خلال حقب التاريخ.. فما أدراه انه لولا ذلك لكان الجنس البشري قد فني فناءً تاماُ بسبب الشرور وأن المواعظ قد زادت عدد الخيار والمصلحين؟

وقال أيضاً: "أخطأ المفكرون القدامى حين تصوروا الطبيعة الإنسانية كأنها نتاج العقل.. وظنوا أن في وسعهم إصلاح البشر عن طريق الموعظة".

لم يقل أحد أن السلوك هو نتاج العقل، بل السلوك مزيج من النزاعات والأهواء ووظيفة العقل هي تحديد المفيد وغير المفيد من هذه النزاعات وتهذيبها بالفكر والتربية. وكان قد قال أن الإنسان يختلف عن بقية الكائنات بعقله فإذا لم تكن للعقل قدرة على تهذيب النوازع الحيوانية في الإنسان والارتقاء به فما فائدة ذكره لهذا الفرق بين الإنسان والحيوان؟

والواقع أن الموعظة لا تخاطب العقل وحده إنما تخاطب القلب والوجدان ليقوم العقل بإجراء الحسابات الصحيحة وقد ذكرنا العلاقة بين القلب والعقل في القرآن في مباحث أخرى.

د. الحكومة العالمية والقائد الموعود

إن الذين يصدرون الأحكام الجزافية يقعون دوماً في تناقضات، فهو مثلاً أشار إلى ضرورة الحكومة العالمية في موضع من الكتاب واعتبر هذا الهدف شيئاً خيالياً ونوعاً من الأوهام في موضع آخر كما في هذين النصين:

"إن هذه الحروب ستظل مستمرة إلى أن تظهر قوة عالمية قاهرة تحكم في المنازعات وتنفذ أحكامها بالقوة على منوال ما تفعل الحكومات المحلية في منازعات الأفراد".

هذه الفكرة ممتازة لأنه لاحظ التطور الذي حصل في نظام القبائل ومنازعاتها وتم خلال حقب التاريخ تكوين الدولة التي تضم القبائل وظهرت المؤسسات التي تحاول القضاء على التنازع.

ولذلك فالتطور يستمر حتى تندمج الدول في دولة عالمية واحدة ويتم القضاء على منازعات الدول مثل ما تم القضاء على منازعات الفئات والقبائل والأفراد في الحكومات المحلية.

ولكنه تنكر لهذا الهدف في موضع آخر فقال:

"اصطنع أولئك المفكرون مثلاً عليا للإنسان كما فهل أفلاطون في الجمهورية والفارابي في المدينة الفاضلة وأرشدوا الناس إلى تلك القيم ثقةً منهم أنهم إذا عرفوها أخذوا بالسعي نحوها.. وبهذا يتم الصفاء والهناء في العالم بزعمهم".

ثم قال:

"أخفقت كل المثل التي جاء بها المفكرون فلم يتأثر بها أحد"

وبشأن القيادة العالمية أو الرئيس العالمي قال:

"صور الفارابي في المدينة الفاضلة مجتمعاً سعيداً يحكمه الرئيس الذي هو (الإنسان الكامل) والذي تتوافر فيه صفات المثالية حيث يكون تام الأعضاء فاهماً ذكياً فصيحاً معتدلاً صدوقاً عادلاً قوي العزيمة محباً للعلم معتزاً بكرامته..".

ثم تساءل: أين نجد مثل هذا الرئيس؟ وإذا وجدناه كيف نجعل الناس ينتخبونه؟ وقد يظهر له منافسون بعد انتخابه ويحسبون أنفسهم مثله أو أفضل منه ثم يبدأ الجدال فالقتال وينتهي الأمر بسقوط الرئيس مضرجاً بدمه؟

ثم قال أن الفارابي وأمثاله لا يهتمون بهذه الاحتمالات وكأنهم يعيشون في عالم غير العالم الذي نعيش فيه.

وسأحاول توضيح الإجابة على الاشكالات الآنفة باعتبارها من صميم الاشكالات الواردة حول القيادة الموعودة سواء كانت هدفاً إنسانياً أم خطة ربانية.

فهناك فرق بين كون القيادة هدف إنساني وبين كونها خطة إلهية. وحينما تكون هدفاً إنسانياً بمعزل عن التخطيط الإلهي فالاشكالات تكون صحيحة لأنه ليس لجميع الناس القدرة على تمييز الأفضل.. فلا بد من استحواذ طبقة على السلطة وقهر بقية الطبقات والسلطات دوماً تمثل طبقة ما في الدول الحالية.. ولذلك قلنا أنه ليس من صفات الأنبياء ولا من خططهم ترك القيادة لاختيار الناس لأن النزاع سيظهر مرة أخرى، بل ترك القيادة لاختيار الناس هو فكرة مضادة للدين لأن من طبيعة الدين (الدينونة) أو الالتزام بالتعليم الإلهي ومنه بل أهم فقرة في هذا التعليم هو تحديد القيادة الصالحة فالنظرية القائلة باختيار القيادة بمعزل عن الوحي هي نظرية (الذين كفروا)- فالقيادة الإلهية وفق قواعد الدين يجب أن تكون متواجدة دوماً- وبهذا وحده يصح حساب الخلق عقاباً أو ثواباً ما دام الاستخلاف هو الهدف الأساسي من الخلق.

لقد كان النبي (ص) يقول: "إذا صلح الراعي صلحت الرعية".

لقد ربط صلاح المجتمع بصلاح القيادة، وإذن فتحديد الراعي هو جزء من التشريع فالكفر به كفر بهذا الجزء والنتيجة هي الكفر بالكل لقوله تعالى:

".. ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً. أولئك هم الكافرون حقاً واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً.." – النساء/ 150

إذن فالاشكالات المذكورة تسقط حينما تكون القيادة العالمية جزء من التخطيط الإلهي على النحو التالي:

أ. المثل العليا التي ذكرها عن الحكماء أو الفلاسفة إنما تدل على ضرورة عقلية للحكومة العالمية. ولكن من الواضح أن طريق الوصول إلى هذا الهدف هو من أفكار الفلاسفة فينطوي بالتأكيد على ثغرات واحتمالات يستحيل تحقيقها لآنها لا ترصد حركة المجتمع وتطوره ولا تفكر بالتخطيط الإلهي وعناصره.

لكن الاعتراف بهذه الضرورة شيء هام جداً. أنه اعتراف باللاعبثية من الخلق ووجود هدف منه. أنه اعتراف بضرورة الحصول على الجنة. الأمر ليس كما قال الكاتب فهم يفكرون جيداً بهذه الاحتمالات ولذلك كانت تلك المدن الفاضلة والجمهوريات مقصورة على الفضلاء من الناس.

ومعنى ذلك أننا ما دمنا أفراداً في غاية الاستقامة فليس هنا أي مانع عقلي من تصور أن يكون الناس كلهم بمثل هذه الاستقامة.

وهذا الإمكان العقلي هام جداً في الخطاب الفلسفي للجمهور لأنه ينطوي على تعليم مفاده أن استقامة الجميع تعني سعادة الجميع وزوال الشرور وما يتبعه من تحسن في الأرزاق والآجال وقلة الأمراض.. الخ. وهذا مفهوم عقلي صحيح.. بيد أن تحقيق الاستقامة نفسها هو أهم ما في الفكرة وقد أختلف الفلاسفة في هذا التحديد لأنهم أرادوا أن يكونوا أرباباً من دون الله يقدمون الحل الشامل للإنسان- وما علموا ان هذا اتهام منهم للخالق بالإهمال وترك مخلوقاته.. وهو شيء يتنافى مع إيمانهم بالله الذي أدعوه وشددوا عليه.. إذ ينتج من ذلك أنهم أرحم بالناس من خالقهم وأكثر اهتماماً بالخلق من الله، وفي هذه النقطة بالذات جمع الفلاسفة بين الكفر والإيمان، بطريقة كان المفروض ألا يفوتهم أساسها المنطقي مدفوعين بحب (الأنا) وشدة (التعالي) والشعور بالتمييز عن الخلق.. والذي دفعهم إلى محاولة التعالي على الخالق بشعور أو لا شعور.

لقد كان عليهم حيث أمنوا بالله أن يبحثوا عن الحل الذي وضعه الله إذ ليس من المقدور منطقياً الإيمان بإله لا يعتني بما خلق- كان عليهم أن يفعلوا ذلك- بدلاً من تقديم مقترحات لا يمكن تحقيقها لأنها ليست من صميم التكوين الطبيعي للخلق.

لقد قدمنا في كتاب (الحل الفلسفي) ولأول مرة في تاريخ الفلسفة حلاً يتميز (باضمحلال الأنا) يبحث عن إجابات للاشكالات الفلسفية العميقة من النصين الماثلين أمامنا (الخلق والكلام) أعني الوجود الذي خلقه الله والكلام الذي كلمنا به الله من غير تدخل من ذواتنا في هذا الحل. إنه عمل فكري يتميز لأول مره بالصفة العلمية المحضة لأنه يحاكي طرائق العلم الحديث في استخراج القانون من موضعه بغير تدخل منه في صياغة هذا القانون- فواجبه هو كشف القانون فقط.

ومعلوم أن اكتشاف سر الوجود والحل الشامل للإنسان من خلال تحليل أو كشف (الأنا) على طريقة ديكارت هو ابتعاد عن هذا الحل من أول خطوة لأنه يفترض وجود الأنا وحده بلا موضوع وكل تطوير جاء بعد ذلك (للكوجيتو) الديكارتي كانت تطويراً للتقهقر الفكري. ليس إلا فقد أصاب الناس الاحباط وظهر عندهم التشاؤم بفضل هذا التطوير.

ب. ظهر التشاؤم في كلمات الكاتب عن مستقبل العالم وهو شعور يَعمّ أفراداً كثيرين.

إذا كان هذا المستقبل مندرج في التخطيط الإلهي فالتشاؤم في الطرح الديني هو كفر.

وسبب ذلك بسيط جداً. فإن الله خلق العالم لغاية هي الاستخلاف ليكون الكائن المشحون بقوة الاختيار مرتبطاً بالله وفق اختياره وحينما يقول المرء أن هذا لا يتحقق فإنه يكفر بالله إذ يجعل أعماله عابثة لا حكمة فيها ولا غاية منها.

وقد أكدت نصوص كثيرة هذا المعنى قرآنية ونبوية وأشارت إلى كفر من يشك في حتمية الوعد الإلهي وتحقق الحكومة العالمية وكفر من يقف حائلاً دون تحقيق هذا الوعد بالقول أو العمل. بل هدد أولئك الذي يتساءلون سؤال الشك:

(متى هذا الوعد)، (متى هذا الفتح إن كنتم صادقين)، (فسَينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً).

ولكننا رأينا من قبل خلاصة عن أثر التحريف الديني للمقولات الإلهية فقد طال هذه النصوص ما طالها من اعتباطية التفسير وصرفت معاني الوعد إلى يوم الحشر السماوي، بينما هو يتحدث عن وعد يتحقق في الأرض في طور الاستخلاف.

ومن جهة ثانية أمرت النصوص الأخرى النبي (ص) والمؤمنين بوجوب (الانتظار) أو (الترقب) أو (التربص) أو (الصبر).

وهي تعابير تدل على وجوب الاستمرار في حالة (القلق) والعيش تحت هم أو هموم هذا القلق لحين تحقق الوعد. ولكن هذه الألفاظ كغيرها ربطها المحرفون بعالم سماوي لا نعلم عن تفاصيله شيئاً، ذلك لأن تفاصيل ذلك الحشر لا تظهر إلا في فترة الوعد الأسبق حيث تنتشر معارف وعلوم وتكشف حقائق عن العالم غير ما نعرفه الآن، فهذه الألفاظ كما سنرى مترابطة في النظام القرآني بالوعد الإلهي وعلاماته.

وقد رأينا اقتران قوله تعالى "وانتظر إنهم منتظرون" مع السؤال (متى هذا افتح) في آية الفتح في فصل سابق.

هذه جملة أخرى من الألفاظ:

المورد الأول: "فتربصوا حتى يأتي الله بأمره" 24/9

أمر الله هو الوعد الإلهي بالاستخلاف.

لذا كان هذا اللفظ من جملة ألقاب القائد الموعود في هذا الطور:

"صاحب الأمر"، "ولي الأمر".

وهو مرتبط بأولي الأمر الذين فرضت طاعتهم كطاعة الرسول

"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" 59/4.

المورد الثاني: اقتران الفتح الموعود بالأمر مرة أخرى كما في المائدة:

"فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده" 52/5.

المورد الثالث: اقتران الأنظار بالأمر:

"ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون" 8/6.

لأن الأنظار مرتبط بالفتح وظهور الأمر. فإذا أنزل ملكاً فإن الملك لا عمل له سوى (الملك) فهو يستولي على الملك وينتهي الأمر فلا تبقى مدة للمهلة. وهذا المطلب يعد استعجالاً منهم للعذاب، مثلما ذكره في موارد أخرى "ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب" 53/29.

فإذا أخذت لفظ (استعجل) وتابعته في النظام القرآني أعادك إلى الوعد الإلهي:

المورد الرابع: "ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده" 47/22.

مثلما يعيدك هذا العنوان إلى الأمر:

المورد الخامس: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" 8/16.

فإذا قلت ما معنى (أتى) وكيف يتفق الفعل الماضي مع ضرورة الترقب؟

الجواب إن (أتى) ليس بنفس معنى جاء. فالآتي لم يجيء بعد فالأمر آتي ولكنه لم يصل بعد إلى الواقع الأرضي كظهور فعلي. يكفي أن القائد الموعود موجود وينتظر الأمر.

وبصفة عامة فإن العلاقات اللفظية هنا متشابكة وهي بالطبع تحتاج إلى مؤسسات للدراسة لا أفراداً فلنترك ذلك ولنأخذ لفظاً آخر مثل التربص:

المورد السادس: "قل كل متربص فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى" 135/20.

وهذا واضح من كونه واقع متحقق لا مجرد حساب ونتائج، إذ كيف يعلم المرء من هم أصحاب الصراط السوي ما لم تكن فكرتهم مجسدة في الواقع؟

إن (الصراط) هو تعبير آخر عن تنفيذ مشروع الخليفة. والتوحيد هو مسألة دقيقة جداً: (أنظر كتابنا أصل الخلق)، ففي الدولة العالمية تنكشف الحقائق ويتبدل العلم وليس هناك من وسيلة للكذبة والمنافقين لإخفاء نواياهم- لأن السرائر تنكشف وتكون الحركة بقوة هذه السرائر فالنظام الطبيعي يتغير برمته كما ستلاحظ في علامات الطور المهدوي. عندئذ تظهر النعم والبركات وينكشف سر الموجودات للمتقين بينما يتخلف الكذبة والأنانيون في عذاب دائم مع الموجودات التي لا يستطيعون مجابهتها.

فلنأخذ لفظاً آخر مثل (انتظر):

المورد السابع: "فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين" 102/10.

ثم قال: "ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا" 103/10.

هنا يسقط الاعتباط الديني برمته. لأن نجاة الرسل في الآية مسألة مستقبلية بعد الانتظار ومعلوم أن الرسل جميعاً سبقوا النبي (ص) فهو خاتمهم ولا يمكن أن يكون الأمر في القيامة إذ لا يوجد خطر على الرسل. ربما يقولون أن الخطر هو أهوال القيامة ولكن هذا القول غير منطقي أبداً فلماذا يفعل الله هذه الوقائع حتى يحتاج إلى أن ينجي الرسل؟ لأنه قادر على جعل الحوادث لا تقع أصلاً على الرسل ويكونون بعيداً عنها. نعم في القيامة هم بعيدون عنها فعلاً.

"إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون" 101/21.

إذن فالآية تتحدث عن نوع من العذاب يأتي إلى الأرض ويكون الرسل فيه متواجدون ويحدث صراع تكون فيه الغلبة للرسل مثلما حدث مع لوط (ع) وإبراهيم (ع) حيث أنجاهم الله من العذاب ففي طور الاستخلاف سُينشر الرسل تارة أخرى وتنشر الأمم تباعاً فوجاً من بعد فوج:

"ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون" 83م27.

بينما يكون الحشر جماعياً يوم القيامة:

"ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن والإنس قد استكثرتم من الإنس" 128/6.

فهناك إذن حشران مختلفان ويجب التفريق بينهما في الموارد فربما قال (يحشرهم جميعاً) وهو يقصد فوجاً واحداً في حشر الأفواج لا الحشر العام في القيامة، وإنما يعرف هذا الأمر من خلال الاقتران اللفظي في النظام القرآني.

إذا أخذت لفظ (فوج) فإنه إذا شئت أعادك إلى أي لفظ آخر يتعلق بالوعد الإلهي أو الفتح مباشرةً، كما في سورة النصر التي لاحظنا دلالتها المستقبلية في الفصل السابق.

أكتفي بهذا القدر من النماذج التي ستظهر أهميتها وارتباطاتها مرة أخرى في الأبحاث اللاحقة.

ج. أما التساؤل القائل: كيف نجعل الناس ينتخبون (الإنسان الكامل)؟ فهو سؤال ساقط عن الاعتبار حينما يتم ذلك وفق التخطيط الإلهي. لأن الناس لن يفعلوا ذلك ما لم يحدث تمييز شديد بين العارفين بهذا الوعد المصدقين به وبين المكذبين بهذا اليوم.

ومثل هذا التمييز لا يحدث إلا بعد سلسلة من الفتن والمخاوف تنتهي بالعلامات الكونية المرعبة والتي من خلالها يظهر فشل جميع النظريات الموضوعة من قبل الإنسان.

ذلك لأن الحل الشامل مرتبط بطبيعة الإنسان والكون فلو اجتمع الناس وقرروا- بفرض غريب- إقامة دولة عالمية يسودها الإخاء والتكامل على قواعد يضعونها بخلاف الشرع الإلهي وخارج حدود هذا الارتباط فإنهم يستحيل عليهم تحقيق ذلك استحالة تامة.

والسبب في هذا الفشل هو أن التشريع الإلهي جزء من طبيعتهم وتكوينهم ومتناغم مع تكوين العالم وقوانينه في جميع جزئياته، فإذا أرادوا الخروج عنه كان ذلك بمثابة الخروج عن طبيعتهم وطبيعة الأشياء فكأنهم يريدون تحقيق شيء يرفضون تحقيقه في عين الوقت، فلذلك فإن أي طرح فكري غير الفكر الإلهي هو هدر للطاقات وتأخير لمسيرة هذا الكائن نحو الهدف المحتوم الذي خلق من أجله. لذلك أكدت النصوص القرآنية على الإسراع والتسابق.

"سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة".

"سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة".

وسوف نلاحظ ارتباط إحدى هاتين الآيتين بجنة الطور المهدوي والتي توصل إلى الجنة الأبدية السماوية ولذلك أختلف وصف الجنة في الموردين مثلما اختلفت الأفعال: سارعوا، سابقوا.

وقد يقال: إن بعض الدول الصناعية المتطورة تمكنت من صنع نموذج اجتماعي يسود فيه العدل وينعم بالرفاه إلى حد ما وفق فكر بشري محض. فلو استمر تطوير هذا النموذج ليعم العالم بأسره فإنه سيمثل طرحاً معقولاً بل ومجزياً مقابل الطرح الديني الذي لازال مجرد فكرة، ومن المحتمل ان الله يريد من الإنسان أن يقوم هو بصنع عالمه المنشود.

الجواب على ذلك: أن في هذا الاعتراض مجموعة أشياء يجب التفريق فيما بينها. أولها أن الله يريد من الإنسان أن يقوم بصنع عالمه المنشود هي صحيحة من صحاح الفكر الديني فقط. وإنما تباين المفاهيم جعلها من مقولات الذين كفروا. إن مقولات الذين كفروا ترفض الوصول إلى العالم المنشود- لأنهم يعتقدون أن العالم سينتهي وهو مليء بالشرور فليس ثمة غاية من الخلق.

إن الآخرة تعبير زماني لا مكاني بمعنى أن الآخرة هي التي تأتي ولكن مجيئها مرتبط بالحركة نحوها فهي زمان لكنه يتحرك مبتعداً دوماً فعلينا السعي والإسراع للإمساك بها. لسنا نحن الذين نذهب إلى الآخرة في موضع ما من السماء تسوقنا الملائكة. فهذه الصورة من صور القيامة. أما في الطور المهدوي فالملائكة هم الذين يأتون إلى الأرض.

"ويوم تشقق السماء بالغمام ونُزَّل الملائكة تنزيلاً". 25/25.

وهذا التنزيل مرتبط بعلامات الطور المهدوي من أكثر من جهة:

الأول: لفظ غمام ورد في النبوي متواتراً عن المهدي:

"يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"

وفي نور الأبصار: "على رأسه غمامة فيها مناد ينادي"

نور الأبصار/155، البيان- باب النداء، منتخب الأثر/448.

الثاني: مرتبط بالغمامة التي على رأس المسيح (ع) حين نزوله مع المهدي كما في إنجيل لوقا.

"وحينئذ يبصرون ابن الإنسان آتياً في سحابة بقوة ومجد" لوقا/21-35-37.

إذن فإن الله تعالى يريد من الإنسان أن يصنع عالمه المنشود ولكنه لن يصل إليه إلا بشرط هو ان يكون السعي لهذا العالم وفق التوجيه الإلهي لا خارجاً عنه لآن الخروج عنه يعني الخروج عن قوانين الطبيعة والاجتماع التي شحنها الله بهذا الخلق.

إن النموذج الغربي الصناعي خارج عن الطرح الديني والفكري الإلهي فكيف إذن حصل هذا التطور؟

هذا السؤال الوجيه قد يجاب عنه بذكر عوامل عديدة ولكن هذه العوامل مهما كثرت فإنها ترجع بالنهاية إلى علة أصلية واحدة وهي أن النموذج الغربي حاول بالفعل الحفاظ على حرية (الأفراد)، التابعين لهذا النظام فقط مصادراً حرية أمم وشعوب أخرى.

فليس من شيء سوى الحرية له القدرة على فرز الناس وتمييزهم وليس مثل الحرية شيء يمكن المجتمع من إبراز الأفراد الصالحين والمجدين وكشف المزيفين وليس مثل الحرية شيء يمكن المجتمع من التطور والترقي فبالحرية وحدها يحصل التنافس الشريف بالفضائل، وقد قام النموذج الغربي بحماية الحرية بأركانها المادية فقط دون الأركان الأخرى وقام بحمايتها داخل النموذج الاجتماعي دون بقية الشعوب والمجتمعات، بل بنى حرية أفراد النموذج على مصادرة حرية بقية الشعوب وربط بينهما وبين استغلال دول العالم الأخرى ولذلك فهو يساند الطواغيت والحكومات الدكتاتورية خارج النموذج دوماً بل ويقف بوجه الشعوب الداعية إلى التحرر من تلك الحكومات.

والسبب في ذلك أن محاكاة الفكر الإلهي بتنظير بشري لا يؤدي إلى تكوين عقيدة صالحة في جميع أركانها حيث يظهر الانحراف عن الفكر الإلهي بصورة ما في التنظير نفسه لأنه منشق عن (الأنا) الإنساني وهي نتائج محتومة لا مناص منها مطلقاً.

لذلك نرى الفكر الغربي يسعى حثيثاً لمحاربة الفكر الإلهي ويحاول التفريق بين الأديان بل بين مذاهب الدين الواحد وكأن هذا العمل جزء من عقيدته الاجتماعية والسياسية.

هذا يدفعنا لملاحظة موقع الحرية في الدين الحقيقي لا الدين الذي أوصله لنا المحرفون لأن المحرفين قد تعمدوا مهاجمة أعظم ركن من أركان الدين وهو (الحرية) فأهالوا عليها ركاماً من عقائدهم لإخفاء مضمونها الحقيقي.

حرية الاعتقاد في الإسلام ركن هام هو (عموده الفقري) وبدونه يستحيل عليه الوقوف والحركة لأنه مرتبط بإزالة الطاغوت الذي يصادر الحرية وقد توصلنا خلال البحث الحثيث عن الحرية في الفلسفة قديمها وحديثها ومواضيع الجبر والاختيار وعرضناها على النظام القرآني وحديث النبي (ص) وأقوال الإمام علي (ع) فظهرت لنا نتيجة واحدة هي خلاصة هذا البحث الذي لا يمكن ذكر تفاصيله هنا، هذه النتيجة هي أن الإيمان بالحرية هو الإيمان بالله وأنها هي الإيمان والإيمان هي لا فرق بينهما.

ومن المؤسف أن الأمة لازالت تجهل موقع الحرية في الدين ولذلك فهي تردد ما ذكره المحرفون من انتشار الإسلام تحت قوة السلاح وكأن الحكام الذين قاموا بالفتوحات هم الإسلام والإسلام هو الحكام وبذلك نقضوا عقيدة يؤمنون أنها جوهر الإسلام في التأسيس العقائدي حيث أرجع الفهم العقائدي لأطروحته إلى القرآن والسنة، فالإسلام يتمثل بالقرآن وأعمال النبي وأفعاله الصحيحة النسبة فقط. أما ما قام به الآخرون فإنه لا يمثل عقيدة الإسلام بل يمثل اجتهاداتهم الشخصية وحسب.

لقد أكد القرآن على الحرية حتى لتبدو وكأنها محوره الأساسي والدائم للحديث عن مختلف الأشياء فهي هناك حيث ما قرأت في القصص والتشريع والتهديد والوعيد وذكر الآيات.. هناك دوماً حديث عن الحرية وراء السطور، وذلك عدا الصيغ والعبارات الصريحة مثل:

"أدفع بالتي هي أحسن"

"أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة"

"لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي" 256/2.

"ويدرئون بالحسنة السيئة".

"إنما عليك البلاغ وعلينا بالحساب" 40/13.

"أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟" 99/10.

"إلا من أكره وقلبه مطمئن الإيمان" 106/16.

"فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي وحميم"

"قال الملأ الذين استكبروا لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا قال: أولو كنا كارهين؟" 88/7.

لقد خلط المحرفون بين الأوامر التي تدافع عن الحرية وبين الأوامر التي تؤكد الحرية فالأوامر التي تدافع عن الحرية تضمنت الدفاع عنها بالقتال واستعمال السلاح فهو قتال ضد الذين يريدون مصادرة الحرية وإجبار الخلق على معتقداتهم وكانت النتيجة من هذا التزوير عدا مخالفة الآيات واتهامه (ص) بعدم تنفيذ أوامر الله وتجاوزه على صلاحياته، كانت النتيجة أن خصومه هم الأحرار والنبي هو الذي يريد مصادرة حريتهم!!.

هذه النتيجة واضحة جداً وهي محتومة حسب الفهم المنتشر في الأمة عن أسباب القتال.

لاحظ الأوامر الإلهية الأخرى والمشتملة على أدوات الحصر:

"فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً إن عليك إلا البلاغ" 48/42

"فإن توليتم فاعلموا إنما على رسولنا البلاغ المبين" 92/5.

"فهل على الرسل إلا البلاغ المبين" 35/16.

"فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين" 82/16.

"فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين" 12/64.

"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" 54/24.

"وما على الرسول إلا البلاغ المبين" 18/29.

تدل الآيات الآنفة على أن واجبة هو التبليغ فقط. ومعنى ذلك أن القتال حدث لسببٍ آخر هو انهم يريدون منعه من التبليغ، ومعلوم أن التبليغ هو دعوة الناس إلى فكرة معينة، وترك الاختيار لهم في اعتناقها أو عدمه فهم أحرار في الإيمان أو عدم الإيمان بها.

أما أعداء النبي (ص) فكانوا يريدون أن تكون الساحة الاجتماعية لهم وحدهم إنهم طواغيت وجبابرة لا يسمحون للخلق في التعرف على أية فكرة جديدة مخالفة لمعتقداتهم. هذا هو سبب القتال. ألا تراه (ص) يرسل الرسل إلى المجتمعات الأخرى وليس فيها إلا عبارة واحدة تحمل معها حريتها الكاملة لا يفهمها الطواغيت كرسالته (ص) إلى ملك الروم.

"من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: أسلم تسلم فإن أبيت فعليك إثم القبط.."!.

وإلى ملك فارس: "فإن أبيت فعليك أثم المجوس"! لأن هؤلاء واقعين تحت سلطان الملوك وإسلام الملوك يعني إعطاء رعاياهم حرية الاختيار فإذا لم يفعلوا أصبحت آثام الشعب في أعناق الملوك!.

لقد كانت سيرة الرسول (ص) شاهداً حياً وفي مئات من الوقائع على حرصه الشديد في الحفاظ على الحرية، لكن المشكلة أن الأمة لم تفهم للآن طريقته في الحفاظ عليها ولا حجمها الحقيقي.

لقد كان النبي (ص) يدافع عن الحرية داخل المجموعة الإسلامية وخارجها فكان ينزل العقاب الصارم بمن يتدخل في حريته أو يحاول الاستحواذ عليها وكان يجاهد لاحتواء العدو.. فهو يدافع عن حرية عدوه أيضاً- عدوه الواقع تحت سلطان العبودية للإنسان فكان يقاتل لأجل الحرية وهو أمر لم يفعله مخلوق قبله على مر التاريخ الإنساني وكانت الحرية ظاهرة في التشريع في كل فقرة من فقراته. ولم يتحرك على هذا السلوك بعد النبي (ص) إلا رجل واحد هو الإمام علي (ع). وسأذكر لك واحدة من الاختلافات الهامة بين أسلوب الرسول (ص) والإمام علي (ع) في أخذ الزكاة و أساليب غيرهما:

ففي عهد الإمام علي (ع) كانت الطريقة التي أمر بها غريبة تماماً عن الوسط الاجتماعي وطرائق جباية الزكاة باستثناء أولئك الذين رأوا النبي (ص) فتذكروا أن هذه طريقته، فقد أمر الإمام أن يقف الجابي على باب الدار بعيداً ويدير وجهه وينادي سائلاً إن كان هناك رجلٌ في الدار؟

فإذا خرج إليه رجل من الدار سلم عليه ثم قال:

"الديك يا عبد الله شيء من مال الله أحمله إلى ولي الله؟"

عليه أن يذكر ذلك بلطف وأدب، فإذا رأى أن أهل الدار في مصيبة أو عندهم مريض شغلوا به اعتذر منهم وتركهم!.

فإذا قال صاحب الدار نعم عندي شيء من مال الله فإذا كان مثل البقر والغنم والحبوب يطلب من صاحب المال أن يقسمه نصفين. ثم يدير وجهه ويخيرّ صاحب المال أحد النصفين. ثم يقسم النصف المتروك ويفعل ما فعله في المرة الأولى.

ثم يفعل ذلك مرة بعد مرة حتى يبلغ المال الجزء الذي هو حق الله في المال فيجعل الخيار لصاحب المال في أخذ أحد الجزأين.

أما طرائق الخلفاء فيكفي ان أذكرك بواحدة منها فقد كان جابيه على الزكاة (خالد بن الوليد) حينما قام بجباية الزكاة من (مالك بن نويرة) وقومه.

وخلاصتها ان خالد حاصرهم حينما قالوا ليس عندنا مال تحمله للخليفة وكشف عليهم الرجال. ثم أعطاهم الأمان فدخل الجيش فلما القى مالك وقومه السلاح عمد الجيش إلى إشهار السلاح فقتل معظم الرجال وفرت النساء والصبيان ثم أسر منهم جماعة وقتل مالك الرجل الشجاع غدراً ثم عمد خالد على أخذ زوجته من غير (عدة) شرعية وعمل ولائم على دماء القوم وفي أرض مصرعهم وفتش الجنود عن أثافي للقدور فلم يجدوا فأمر بوضع رؤوس القتلى أثافي للقدور فكان يأكل وينكح على رائحة شواء الرؤوس البشرية!!.

تلك واقعة لم يستطع المحرفون إلى هذا اليوم من إسدال الستار عليها أو تبريرها رغم ألسنتهم الطويلة. نعم دافع كثيرون عن الخليفة ومنهم الكاتب المصري (هيكل)، ولكن عند قراءتك الدفاع فإنك تزداد اشمئزازاً وتقززاً من أعداء الحرية بدلاً من أن تقتنع بأن دفاعهم منطقي.

لذلك فإن عمل الرسول والإمام هو الذي يمثل العقيدة الإسلامية فقط وأعمال غيرهم لا علاقة لها بالطرح الديني لأنها تمثل اجتهادات أو أحلام فاعليها وحسب


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:24 PM   #14
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



الفصل الرابع
الحتمية التاريخية لطور الاستخلاف في القرآن والسنّة


تمهيد
قلنا أن الجنة والنار من الناحية الزمنية مرتبطتان بديمومة السموات والأرض كما نصت عليه آيات سورة هود.
(وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) هود/108.
إن طور الاستخلاف كطورٍ متقدمٍ من حياة هذه الكائن على الأرض ليس سوى هذه المرحلة التي يتم فيها فتح أبواب الجنة وأبواب النار، فالأبواب في هذا المنهج هي منافذ لتحقيق النفوس لمآربها بعد تغيّر جذري وشامل للنظام الطبيعي كما سيأتيك في الفصل الخامس.
إن للنظام الطبيعي مغاليق تحتاج إلى فتح ولذلك فالجنة والنار باعتبارهما نوعين من (المعيشة) سعادة وشقاء فإنهما مرتبطان بوجود الأرض والسماء. فالسموات والأرض نفسها هي مساحة معروضة للامتلاك: (عَرضها السموات والأرض).
فالعقول القاصرة تستكثر انْ تكون لهذا الكائن مساحات شاسعة بمثل هذا المقدار المهول لأنها في الواقع لا تعلم شيئاً عن عظمة الله. "وما قدروا الله حق قدره": الزمر/ 67.
فهو قادر على خلق أكوان لا حَصَر لها بقوله (كن): "أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على ان يخلق مثلهم. يلي وهُوَ الخلاق العليم. إنما أمرهُ إذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون" يس/81-82.
وهذه المساحات الشاسعة والملكوت العظيم لأجل ان يكون الثواب فوق تصور العقول والعقاب ينطوي على حسرة فوق تصوّر العقول. فلنكن واقعيين! أليس هذا هو بالفعل ما يلائم الإنسان الذي لا يشبع أبداً من الطرفين؟ إلا تراه لا يشبع إذا طغى ولو خضع له الناس كلهم حتى يلتذ بقتلهم ويتفنن في ذلك؟ ألا تراه لا يشبع ولو امتلك من المال أضعاف ما يحتاج لحياته القصيرة؟ ألا ترى بعض الأغنياء يجمع المال ويستمر في جمعه مع ان ما لديه يكفي مدينة كاملة؟ فلماذا يفعل ذلك وهو يعلم انه سيموت ويخلف المال وراءه؟ فهو يخاصم ويُحاجج ويُهمل نفسه ويستخدم القانون ورجالِه لتحصيل كمية من المال يضيفها إلى رصيده الذي لا يستطيع ولو تضاعف عُمره ألف مرّة أن يستهلَكّ جزءً منه.
لماذا يضحّي براحتهِ وصحته لأمر لا يزيده منفعةً كبيرةً؟ ان هذا الأمر هُوَ قضية نفسية لا عقلية .. فالإنسان مجبولٌ بطبعهِ على الامتلاك، وعلى الانتصار على الأشياء، وعلى تحقيق ما هُوَ صعب...
انه ليس بهذا الحُمق الذي نَتصوّره. لابد للإنسان من ان يحقق (انتصاراً) على الأشياء لابد له من أن يكون (شيئاً مذكوراً)...ان هذا الفعل هُوَ (عين) وجوده، وإذا لم يفعل ذلك ألغى وجَوده وشعَر انه بُحكم (الموتى)، وهُوَ شعورٌ طبيعي جداً. إذن فالحمق هنا ليس في الشعور نفسه بل بالطريقة التي يحقق بها هذا الشعور! فالشعور بالانتصار على الأشياء هُوَ شعور غريزي. فمادام الرجل (سيموت) حتماً ويخلفّ ما حققه فالنتيجة هي ذاتها كأنه في الواقع لم يحقق شيئاً، إذن فتحقيق هذا الشعور هُوَ الوهم، اذ يتوجب ان يفعل ذلك حينما يمتلك حياة أبدية لا موت فيها! وهنا يكمن الفرق بين الحل الإلهي والحل الذاتي.
فأن الله هُوَ الذي خلق الإنسان بهذه الطبيعة وهًوَ الذي غرز فيه هذه الرغبة فهو قد أوقعه بورطة وبلاء فلا خلاص له من الحماقات التي يرتكبها لأجله تحقيق هذه الرغبة إلاّ بالحلّ الطبيعي الذي جعله الله جزءًا من تصميم الوجود. ولذلك فحتمية الحلّ وظهور الحياة التي لا موت فيها وإحياء الموتى ليعيشوا بلا موت هُوَ جزءٌ من هذا التصميم الذي شحن به الوجود.
ما زال القرآن يؤكد (كذلك يحُيي الله الموتى)، (كذلك النشور) بأخذ نماذج مرئية للإعادة والإحياء.
بيد ان الناس لا يفهمون أنهم يتصورون أن ما يقع مستقبلاً في المنظور الديني هُوَ إلغاء النظام الطبيعي وبعث الأرواح في عالم مجهول توزع فيه عليهم صحائف أعمالهم ثم يأخذون إلى الجنة والى النار!
نعم إن مثل هذا (الجمع).. يحصل ولكنه في حقبة متأخرة جداً بحيث ان النظام المسيطر عليه من قِبل المؤمنين لا تطاله أعمال الخراب المذكورة في القرآن.
وحسب النص النبوي الذي لم يدرسه أحد للآن ان هذهِ الوقائع تحدث على (شرار الخلق).
فتحقيق الأنا أو الذات لوجودها هُوَ شعور عامٌ ولكن الاختلاف هُوَ في طريقه تحقيق هذهِ الذاتية لوجُودها - فالحلّ الإلهي يتضمن الوصول إلى هذا الهدف من خلال النقيض - أي إلغاء الذات مقَابل الله لا مقابل الأشياء فإلغاء الذات مقابل الله هُوَ ارتباط بالله يحقق ديمومة النصر والغلبة على الأشياء .
والحل الذاتي يتضمن الاعتماد على الذات لغلبة الأشياء - أنه يطرح كيان الذات باعتباره كياناً موجوداً مقابل الله ومن الطبيعي ان يفشل ويُهزم هزيمة نكراء لأن اقرب الأشياء سوف يتمكن من التغلبّ عليه باعتباره من الكائنات التي خلقها الله لهذا الغرض، فقد شحنها بقوة ذاتية تعملُ بها عملها فهي تغلب من أراد ان يغلبها بقوته الذاتية وتنفعل لمن أراد ان يغلبها بقوة الله.
أن حتمية الطور المتقدم في حياة الإنسان الذي تظهر فيه هذه المعادلة بصورتها الجلية هي حتمية وجودية، بمعنى أنها في تصميم الوجود ولذلك تظهر هذه الحتمية في التعابير القرآنية والنبوية بطريقة لغوية خاصة يظهر من خلالها ارتباط هذا الطور بالعنصرين الزمان والمكان بحيث ان وجودهما هُو وجود هذا الطور وغيابه يعني غيابهما وبحيث ان التلاحم بين الزمان والمكان هُوَ النقطة التي لم يبدأ بها الخلق وحسب وإنما هي النقطة التي لأجلها خُلق الخلق وبها ينتهي أيضاً.
ليست حتمية المهدوية إذن الاّ حتمية الوجود نفسه فهو بغيرها عبث لا هدف من وراءه ذلك لأن الطور المهدوي هُوَ الطور الذي يتم فيع الافتراق الحقيقي بين الاتجاهين.
هُوَ الطور الذي يتم فيه تحقيق المشروع الإلهي والمشروع الذاتي معاً .. انه طور الحريّة التامّة للاختيار وهنا تقع الحسرة على أصحاب الأنا الذاتية ويتم تمييزهّم عن الآخرين لا من خلال فرز قسري أو بعلم خاص .. فيقال هذا مجرم وهذا بري!
بل من خلال تميز ذاتي خلال العمل والممارسة الحياتية العادية فمثلاً ترى المؤمن وقد إطاعته الكائنات وإذ عنت لأوامِره لامتلاكه جفرة التحكّم بالموجودات وترى المجُرمَ صاحب الأنا المتعالي على الله وقد وقع فريسةً للموجودات التي تعذبّه عذاباً لا قبل له به.
وقد تقول من أين جئت بهذه التصوّر العجيب عن الحياة الأخرى؟ أقول لأننا لم نكن نفهم اللغة التي كلمّنا بها الله ولم نفهم ما شرحه لنا الرسل والأنبياء (ص) ولم نحاول ان نفهم الأمر لأننا وقعنا ضحيةً لأولئك الذين هدّدهم الله بهذه العاقبة المزريّة فقاموا بتقديم الحلّ الإلهي لنا بطريقتهم وبما يلائم أطروحتهم. لقد فهمنا الحل الإلهي من خلال أعداء الله!.
ألا تلاحظ التعبير القرآني العجيب :
"وامتازوا اليومَ أيّها المجرمون"؟
فلاحظ الآن لفظ امتازوا وفكرّ ملياً في هذا اللفظ لتجد ان الامتياز ناشئ عنهم وبهم لا بقوة خارجية مجهولة نعم انها قوة خارجية (قوة الأشياء) - لكنها لم تظهر إلا بهم وعنهم وانعكاسا لفعلتهم.
هَلْ رأيت شخصاً يحترق بالنار ويَطلبُ طعاماً؟ هل رأيت بل هل تصدّق ان رجلاً كان يحترق بالنار وينادي طالباً شيئاً من الماء والطعام؟
هل رأيت أشخاصاً يحترقون بالنار وخلال ذلك يتشاجرون ويتعاركون ويتلاعنون فيلعن بعضهم بعضاً ويبرأ بعضهم من بعض؟
ستقول كلاّ هذا غير معقول فالذي يحترق بالنار هُوَ مشغول بمصيبته فأين هُوَ من التخاصم ومن الطعام والشراب! لكن ذلك هُوَ ما حكاه الله لنا في القرآن! وهنا سكت الاعتباط اللغوي عن مجازات القرآن فلم يُدخل هذهِ الموارد من ضمن المجازات اللغوية. لماذا؟ لأنّه قد أمّن الأمر من جانب آخر فهذا كله يقع في عالم غيبّي نجهلُ قوانينه وطبيعته!! لم يكن أحد قد ناقش الأمر، ذلك لان هناك بالمقابل حالة طبيعية فعند أهل الجنة طعام وشراب وزوجات وآرائك وأسرّة عليها يتكئون .. ولا تظهر حالة مناقضة للواقع عند أهل الجنة كما هي الحال عند أهل النار.
كل ذلك يدلّ على أننا ما فهمنا لغة القرآن وذهبنا في تصوراتنا إلى حيث لم يذهب النص القرآني، ولم نفهم من الألفاظ إلاّ اصطلاحاتنا الضيقة في المعاني والمفاهيم المتبادرة الساذجة من تلك الألفاظ. لنلاحظ حتمية الطهور المهدوي في عدد من ألفاظ النص القرآني من حيث كونها حتمية وحسب.
أما طبيعتها وعلاقاتها اللفظية فسوف نلاحظها في أحد الفصول اللاحقة.
2. حتمية الطور المهدوي في بعض ألفاظ النص القرآني
1. الحتّمية الكونية في لفظ الأَجلٍ
المورد الأول: قولَهُ تعالى: "أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق اللّهُ من شَيء وأنْ عسى أنْ يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعَده يؤمنون" الأعراف/185.
في هذا المورد ارتبط الأجل بالملكوت وبالسموات والأرض كما أرتبط بضرورة النظر إلى (شيءٍ ما) خلقه الله يمكن ان نفهم منه العلاقة بينه وبين أجلهم. وسوف نلاحظ في العلامات الكونية معنى هذهِ الإشارة إلى هذا الشيء السماوي.
المورد الثاني: "أو لم يروّا أنّ الله الذي خلق السموات والأرض قادرٌ على ان يخلق مثلهم وجعل لهم أجلاً لا رَيبَ فيه فأبى الظالمون الاّ كفورا" الإسراء/99.
لاحظ هنا علاقات النظام القرآني: القدرة على خلق مجموعة سموات وارض أخرى - (الملكوت)، الأجل المرتبط بالسموات والأرض، لاحظ أيضاً ان الظالمين (يؤخرون) هذا الأجل- لأنه اجل مسمّى بشروط لا محتوم من ناحية الزمان أي في يوم كذا في سنة كذا بل هُوَ مشروط ويتحقق عند توافر الشروط الخاصة به.
ولذلك قال بعدها:
( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذن لا مسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورَاً). الإسراء/100.
وقد قلنا في الحل القصدي أنهم يخشون (الإنفاق) لا الفقر كما زعم أهل التفسير ليعطوا عذراً للظالمين فهم يكرهون الإنفاق لبخلهم ورغبتهم بالتمييّز وذلك بحرمان الآخرين من الخزائن، وهي ليست خزائنهم، فكيف ينفقون من خزانتهم الخاصة؟ يقول الله لو كانت مفاتيح هذا الملكوت بأيديهم لما أنفقوا منها فكيف تريد منهم ان يدعو الآخرين لامتلاكها!.
وهي إشارة إلى الجنات الموعودة في الطور المهدوي كما يدلّ عليه النظام. نعم من الأنصاف ان يساعدني القارئ الكريم فيحاول ان يتابع بنفسه العلاقات اللفظية الكثيرة والتي لا يمكنني ذكرها جميعا هنا.
الموارد الأخرى
أرتبط الأجل بموارد أخرى. فلكل أُمةٍ أجل لبعثها في الطور المهدوي، بينما البعث الكليّ عامٌ لكل الخلائق وهنا يتهاوى الاعتباط اللغوي في تفسيره لتلك الموارد فمن ذلك قوله تعالى:
"لكل أمةٍ اجلٌ فإذا جاء أجلهُم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون" يونس/ 10.
ولما كان ذلك مرتبطاً بخلق السموات والأرض فقد ذكرت الموارد الأخرى (الأجلَ) مقترناً بالخلق: " ما خلقنا السموات والأرض الاّ بالحقّ وأجلٍ مُسمّى" الأحقاف/3 وارتبط كذلك بموارد (العذاب) إذ ان الجنات يقابلها عذاب من أنواع مختلفة في هذا الطور.
ولذلك خلا الطور المهدوي من الاقتران بذكر (جهنم) لأنها في النظام القرآني من عذابات الحشر الكليّ العام بينما الطور المهدوي يتضمّن (نشوراً) وهُوَ بعث على صورة أفواج وأمُمُ لكلِّ أمةٍ أجل فنوع العذاب مُختلف.
ففي الطور المهدوي تحدث تصفيات الحساب ويأخذ كلُّ امرئٍ كامل فرصته لإثبات نواياه من خلال التعامل مع الموجودات.
فمن ذلك قوله تعالى:
" ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجلٌ مسمىً لجاءهم العذاب" العنكبوت/ 5.
أو كقوله تعالى:
" ولولا كلمة سبقت من ربك إلى اجلٍ مسمىً لقضي بينهم" الشورى/14.
وبصفة عامة فهناك شبكة من الألفاظ المرتبطة بالطور المهدوي قد اقترنت بلفظ (الأجل) يمكن من خلالها دراسة المراحل والتفريق بين نوعي الحشر.
2. الحتمية في لفظ "الإعادة" ومشتقاته:
العودة إلى الحياة يشكل ركيزة من ركائز الطور المهدوي ذلك لان التكذيب بالبعث الجماعي الكليّ ليس الاّ فرعاً على التكذيب بالعودة.
ولم يفرق العلماء بين الموارد لذلك انقسم أهل الإسلام إلى فئتين الأولى قالت ان المعاد جسماني والأخرى قالت ان المعاد روُحي فتبعث الأرواح دون الأجسام. وسبب ذلك هو القصور في فهم الألفاظ واعتباطية التفسير من جهة والجهل التام بالفرق بين المادي والروحي من جهة أخرى.
ففي واقع الأمر: هذا التفريق يخصّنا فقط، وعند الله الوجود واحد ذي طبيعة واحدة بأنظمة متعددة نعلم بعضها ونجهل أكثرها. وهُوَ مثل التفريق القديم لعلماء الأحياء والطبيعة بين ما هُوَ جماد وحَيّ. فوجدوا بعد ذلك (الفيروس) الذي يسلك سلوك الجمادّ وسلوك الحيّ.
فالأمر هنا كذلك الروحي والماديّ واحد. فالروُح ما هي الاّ قوة من قوى المادة والمادة ما هي الاّ مظهر من مظاهر الروح. ثم ان المسلمين أجمعوا (بالأكثرية) على ضلال من زعم ان الأموات يرجعون إلى (الدنيا).
والاعتباط افتعل هنا مشكلة لا وجود لها لتضليل الناس عن دينهم فأرجو الانتباه الشديد للشرح الآتي:
أوحى الاعتباط اللغوي إلى الناس ان (الدنيا) تعبير عن موقع جغرافي هُوَ هذا العالم الذي نعيش فيه. أما (الآخرة) فقد أوحى إلى انها عالم في موقع جغرافي آخر بعيد في السماء.
بينما التعبير القرآني (دنيا) و (آخرة) تعبيرات وصفية فالحياة الدنيا من الدنو أو التدني أي الحياة الواطئة والآخرة تعبير عن زمان أي حياة آخرة تأتي كوعدٍ إلهي على نفس الموقع.
الموقع إذن لا يتغير. وإنما يتم أحياء هذهِ الأرض بعد موتها:
"اعلموا ان الله يُحيي الأرضَ بعد موتها قد بينّا لكم الآيات لعلكم تعقلون" الحديد/ 17.
فالمعاندون والكارهون للوعد الإلهي قالوا إذن نجونا لأننا سنموت ولا نرى مُلك هؤلاء علينا ولا ندخل دولتهم لأنها في آخر الزمان ما دامت هي "الآخرة". فأشار الله على لسان رسلِه أنهم سيبعثون في هذا الطور ويلاقوا العذاب والهوان فأنكروا الإعادة إلى الحياة وقالوا:
"أإذا كنّا عظِاماً ورفاتاً أإنا لمبعوثون خلقاً جديدا" الإسراء/ 17.
وقالوا أيضاً:
"أئذا كناَّ تراباً وعظِاماً أننا لمبعوثون؟" المؤمنون/82.
وقالوا أيضاً:
"أئذا متنا وكنّا تراباً وعظِاماً أئّنا لمدينون"؟ الصافات/53 بمعنى مطلوب مّنا بعد موتنا وكوننا تراباً وعظاماً ان ندخل هذا الدين وندين به ونعمل لذلك قالوا (مدينون) ثم قال بعضهم لبعض:
"أ يعدكم أنكم إذا مِتم وكنتم تراباً وعظِاماً أنكّم مخرجون" المؤمنون/35.
تلك هي نفسها الإعادة إلى الحياة والخروج من القبور "مخرجون" التي سمَاهّا العلماء (الرجعة) وعدّوا من قالها أو ذكرها فهو زنديق وملحد!!!
وهذا صحيح جداً على رأيهم لأنك قد لا تعلم ان هؤلاء (العلماء) هُم أنفسهم الذين تتحدث عنهم الآيات المذكورة آنفاً أي أنهم هم المنكرون للرجوع والعودة والبعث وقد تشكل علينا بسؤال آخر:
تقول ما ينفعهم إنكار هذا البعث والإقرار بالبعث الكليّ ما بعد القيامة؟ وما هي غاية الاعتباط من ذلك وما الفائدة التي يجنيها إذ الواجب أمّا إنكار البعث بجميع أطواره أو الاعتراف به بجميع أطواره!
وهل أنت بمثل الاعتباط في علم النفس والاجتماع؟ ان الاعتباط هُوَ اعلم خلق الله ماعدا الأنبياء (ص) بعلم النفس والاجتماع.
ذلك لان الإقرار بوقوع (بعث) جمعي للخلائق في موقع جغرافي آخر (في السماء) لا يستلزم سوى انتظار ان يقع ذلك، بأمر الله لأنه يتضمّن إلغاء النظام الكوني وإعادتِه من حيث بدأ.
والعقل يرفض التصديق بإلغاء هذا الكون هكذا فجأة وإذن فلا شيء سوى حقب ودَهُور تستمر على الكون قبل الوصول إلى هذهِ النهاية المؤلمِة.
أمّا الإقرار بوقوع (الدين) في نفس الموضع (الأرض) ودخولها في طور آخر للاستخلاف فانه يوحي مباشرة بضرورة العمل للإسراع بالوصول لهذا الطور وتحقيق الوعد الإلهي. الفرق بين الأمرين فرق مَهول انه الفرق بين الوجود والعدم بين الهدف والعبث بين الوعد والوهم من الناحية النفسية. انه مثل قول القائل لرجل عنده كوخ: إذا عملتَ كما أريد منك أعطيتك قصراً وبستاناً وأمرت لك بكل ما تطلب وتحصل على ذلك وأنت شاب في مقتبل العُمر.
وقوله مرة أخرى: إذا عملت كما أريد منك وبلغت من الكبر عتياً ولم تستطيعْ الحركة أمرت لك بكذا وكذا .. وهُوَ مثال سيئ. فالاعتباط يدرك جيداً ان مفتاح عالم الغيب هُوَ عالم الشهادة فإذا أنكر الناس بما يقع في عالم الشهادة فلن ينفعهم إيمانهم بعالم الغيب شيئا لبلوغ ما يكون في عالم الشهادة.
ومن هنا فالمثال الذي ضربته عن قول الرجل لصاحب الكوخ سّيئ جداً ولا يطابق ما نتحدث عنه بنفس النسبة بين اللامتناهي والمحدود بين الكوخ وملكوت السموات والأرض. ونجد مثل هذا التفريق على أشده في القرآن إذ استخدم لفظي (التكذيب) (والتصديق) للوعد المهدوي في عالم الشهادة ولفظي الإيمان والكفر للوعد النهائي في عالم الغيب وتفصيل ذلك يأتيك في الفصل السابع من هذا الكتاب.
لنلاحظ الآن كيف يّرد القرآن على المنكرين لهذهِ الإعادة إلى الحياة في الأرض: لفظ الإعادة:
أ. منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى" طه/ 55.
لاحظ ان الخلق من الأرض. ثم هناك إعادة فيها أي في الأرض نفسها وعلى نفس الموقع.
و(منها نخرجكم تارةً أخرى).
فهذه مرحلتان للإخراج ماعدا الخلق الأول لان المخاطبين هنا يموتون مرتين بخلاف المؤمنين الذين يموتون مرة واحدة. فكيف قال علماء الإسلام ان من قال بعودة الموتى في الأرض فهو زنديق؟
ب. وقالوا أئذا متنا وكنّا عظِاماً ورفاتاً أئذّا لمبعوثون خلقاً جديداً. قل كونوا حجارةً أو حديداً أو شيئاً مما يكبرُ في صُدوركم فسيقولون من يُعيدنا؟ قل الذي فطركم أول مرّة.
فسينغضون إليك رُؤوسهم ويقولون متى هُوَ قلْ عسى أنْ يكون قريبا" الإسراء/50-52.
ج‍."الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون" الروم/11. لاحظ الإعادة والرجوع المنفصلة بأداة التراخي (ثم).
والاعتباط لا يستطيع مطلقاً أن يفسر هذا التراخي ولا يقدر أن يوضح الفرق بين الإعادة والرجوع وهو ينكر المرحلة الأولى (الطور المهدّوي) أو طور الاستخلاف.
هنا يرتكس الاعتباط إلى أذنيه بالوحل والخذلان كما يرتكس في أكثر من سبعمائة آية قرآنية مبيّنة في تحديد هذين الطورين.
د. الموارد الأخرى وهي كثيرة ومنها عامة مثل:
"أولم يروا كيف يبدي الله الخلق ثم يعيده" العنكبوت/19
لاحظ اتفاق الآية مع ما سبقها في لفظ (أولم يروا).
3. الحتمية في لفظ (الوَعد):
أ. الارتباط (بالآخرة):
"أسكنوا الأرضَ فإذا جاءَ وَعدُ الآخرةِ جئنا بكم لَفيفا". الإسراء/104
والخطاب لبني إسرائيل بعد فساد المرحلة الأولى.
نلاحظ في النبوي أن المهدي (ع) يدخل بيت المقدس وتحاربه بنو إسرائيل فيسلم منهم (سبعون ألفاً) كما ورد في الملاحم.
وإذن فيكونون مجتمعين (لفيفاً) قبيل وعد الآخرة على مقربة من بيت المقدس أو فيه.
وقد ظهر ذلك في الآية (7) من الإسراء:
"فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كمادخلوه أول مرة وليتبرّوا ما علوا تتبيرا"
ب. "وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأنّ الساعة لا ريب فيها" الكهف/21.
هنا تغاير بين الوعد والحق والساعة سنفصله في موضعه، وهو كما ترى مرتبط بأصحاب الكهف والرقيم السبعة وفي فتن السليلي وعلامات المهدي في السنة أنهم لبثوا في الكهف ولا يخرجون منه حتى يخرج المهدي (ع) وأنهم من أعوانه. ووعد الله هو مرحلة سابقة على الساعة.
ج. اقتران (الوعد) (بالإعادة):
"أئذا كنا ترابًا وآباؤنا أئنّا لمخرجون. لقد وُعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين..." ثم قال:
"ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين. قل عسى أن يكونوا قد ردف لكم بعض الذي تستعجلون" النمل/67-72.
4. الحتمية في لفظ (الرجوع) ومشتقاته:
أ. "فلينظر الإنسان ممَّ خُلق. خُلق من ماء دافق. يخرج من بين الصُلْبِ والترائب. إنه على رجعه لقادر". الطارق/5-8.
نلاحظ أن إرجاعه يتم بالهيئة التي خلق بها أي الجسم الماديّ لقوله ممَّ خلق؟ خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب. فهو إذن قادر على رجعه بنفس الصورة.
ب. "متاع في الدُّنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد" يونس/70.
نلاحظ أن العذاب الشديد هو بعد المرجع بتراخ عن طريق الأداة (ثم) فهي مرحلتان.
مرحلة الرجوع وفيها عذاب من نوع آخر والعذاب الشديد هو في أواخر الطور المهدوي حسب ما يكشفه النظام القرآني وهو مختلف عن (أشد العذاب) الذي هو وصف لعذاب جهنم (أي مرحلة ما بعد القيامة).
ويدل على أن (العذاب الشديد) هو في الفترة الواقعة بين أواخر الطور المهدوي (والذي يستغرق عمر الكون المتبقي من أجله المضروب له) وبين يوم القيامة أي سابقاً على يوم القيامة آية الإسراء:
"وإنْ من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابًا شديدًا كان ذلك في الكتاب مسطورا" الإسراء/17. وهو أيضاً مرتبط بالدنيا والآخرة في النظام القرآني:
"فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابًا شديدًا وما لهم من ناصرين" آل عمران/56.
وقد لاحظنا في النظام القرآني عموماً ان (انتفاء) الناصرين مخصوصٌ بوقائع الطور المهدوي لبقاء العلاقات الاجتماعية إياها والنظام الحياتي المعاش بينما لا يذكر مثل هذا النفي لحوادث ما بعد القيامة اذ من المفروغ منه ان (جهنم) تخلو من أنصار أو أعوان للذين كفروا فانتبه لذلك.
5. الحتّمية في ألفاظ (الفتح) و (النصر)
لاحظنا مثل هذهِ الموارد سابقاً في آيتي الفتح وسورة النصر كأمثلة على الألفاظ المرتبطة بالطور المهدّوي.
6. الحتمية في لفظ (العاقبة)
ارتبطت العاقبة بالمتقين في الموارد القرآنية. وهذا يعني ان (التقوى) عاملة في تلك المرحلة. لان الاعتباط قال بزوال التكليف في الجنّة اذ لم يفرق بين الجنتين. ورغم ان (فيها جنتان ... ذواتا أفنان .... ومن دونهما جنتان مدهامتان) وهذه الأربع كلها "لمن خاف مقامَ ربّه. زعم انها جنة واحدة وان هذا من المجاز ومن باب "ان يكون اللفظ مثنى والمراد واحد"!! تباً للاعتباط الذي هٌوَ صنوٌ للكفر إذا لم يكن كفراً على هذا التخريج التافه!
أو لا يرى الاعتباط انه يقول جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان؟ أو لا يرى ان الصورة على صيغة المثنى بما يؤدي إلى التقابل التام بين الجنان؟
من الضروري ملاحظة اقتران العاقبة بالتقوى لبقاء التكليف في (المدهامتين) وتغيّرها النسبي في (ذواتي الأفنان) كما سنلاحظه مفصلاً عند عرض الفوارق الدقيقة بين جنات الطور المهدوي وجنات السماء بعد القيامة هذهِ الموارد التي اقترنت فيها العاقبة بالتقوى:
"ان الأرض للهِ يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين" الأعراف/ 128.
فلاحظ بنفسك هذهِ الآية، ولاحظ كيف ارتبط اللفظان بوراثة الأرض - لاّنَ الاعتباط يزعم ان الجنة بعد القيامة والأرض عندئذ تدّك تسّجر بحُورها "بينما الآية تتحدث عن وراثة الأرض وان عاقبة الأمر هُوَ للمتقين فلا يقدر الاعتباط على الجمعَ بين الآيات في أيام الله بتفسير موحّد.
7. الحتمية في لفظ (الاستخلاف)
اقترن الاستخلاف كلفظ بالوعد من جهة، وبالأرض من جهة أخرى وبالدّين وبالأمن وبتبديل الخوف إلى أمن وبزوال الشرك في آية محكمة صفعت الاعتباط اللغوي والتفسيري على وجهة وإدارات رأسَه إلى قفاه وهي قوله تعالى:
"وَعَد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليسَتخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدّلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون" النور/ 55.
لذلك زعَم الاعتباط ان ما في الآية قد وقع على عَهدِ الخلفاء الأربعة فربّما ظنناّ الاعتباط لغبائهِ الشديد أننا أغبياء مثله لنفهم ان الجزيرة العربية هي (الأرض) وانّ الإقامة الجبريّة على الصحابة والتابعين هي (الأمن) وانّ حروب علي ومعاوية وعلي وعائشة وأهل مصر وعثمان وأهل القبلة والحسين بن علي هي الديّن (الذي ارتضى لهم) وان الاغتيالات السريّة هي العبادة التي لا شرك فيها!
3. حتمية الطور المهدوي في بعض ألفاظ النص النبوي
الأول: الحتمية في صيغتي (لَو لم) و (ألاّ) مع (حتى):
الترمذي بسندهِ عن النبي (ص) قال:
"لو لم يبقَ من الدنيا الا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من أهلِ بيتي يواطئ اسمه إسمي".
الترمذي ج 2/46. كنز العمال على هامش مسند أحمد بن حنبل ج 6/30. مسند أحمد ج 1/376.
في فصل آت ستلاحظ ترتيباً جديداً لأيام الله المنتظرة على المنهج اللفظي.
والحديث الشريف صريحُ فاّن الدنيا لو لم يبق منها الا يوم واحد (من أيامنا) هذهِ لا أيام الله (لطوّلهِ) الله حتى يحقق هذا الوعد في ولاية رجل من أهل بيته يواطئ اسمه اسم النبي (ص).
تظهر هنا حتمية للوعد لم نلاحظها مطلقاً في أي نص نبوي ما عدا النصوص المتعلقة بهذا الوعد.
وسبب ذلك واضح! إذا لم يتحقق هذا الوعد فلا دين حقيقي ولا هدف من وراء الخلق.
الثاني: الحتمية في صيغة (لا) و (حتى) مع (ثم):
عن أبي سعيد الخدري (رض) قال رسول الله:
"لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ثم يخرج من أهل بيتي من يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً"
المستدرك على الصحيحين ج 4/ 557.
نلاحظ ان الكلام يدور حول الأرض كلها لا عن بقعة فيها.
الثالث: الحتمية في صيغة (لا) و (حتى)
أ. عن النبي (ص) قال:
"لا تقوم الساعة حتى يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي" مسند احمد ج 1/ 376.
ب. عن النبي (ص) قال:
"لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي" الترمذي ج 2/4446.
ج. عن النبي قال (ص):
" لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه إسمي".
نلاحظ في الأحاديث النبوية الثلاثة هذهِ الحتمية التاريخية المرتبطة بالزمان (لا تقوم الساعة) و (لا تذهب الدنيا) ولا تنقضي (الأيام) و (لا يذهب الدهر).
هذهِ التعابير الأربعة التي تؤكد حتمية ولاية هذا الرجل الذي يملك (الأرض) أو (العرب) أو بلا تحديد من اجل ان يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وذلك لاّن الله لابد ان يحقق فكرته في ارض الواقع ولابد ان يُرى آياته ودلائلة للعالم، فإنكار هذا الطور هُوَ إنكار للحكمة الإلهية انه إنكار للهدف من الخلق.
الرابع: الحتمية في صيغة (لو لم) مع اللام
أبو داود: بسندهِ عن النبي (ص) قال:
"لو لم يبق من الدهر الا يوم لبعث الله رجلاً من اهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً" صحيح أبي داود ج 2/207 ط مصر - التازية ينابيع المودة/432. نور الأبصار ب 2/154
نلاحظ ان لفظ (الدهر) لفظ قرآني فالنبي (ص) لا يستعمل الاّ ألفاظ القرآن في نسق كلامه.
وهُوَ ما نلاحظه في سورة (الدهر) التي تتحدث عن خصائص الطور المهدوي وتحديداً عن جناته وعذابه. يأتي تفصيل ذلك في موضعه.
كما نلاحظ تكراراً لنَسب الرجل الملقّب بالمهدي (ع). حيث يؤكد انه من (أهلي) أو (أهل بيتي). وفي أحاديث كثيرة أخرى انه يشبه النبي (سمتاً) أو (خلقاً) و (خلقاً).
بل ذهب نصٌّ إماميّ المصدر إلى ان درع النبي (ص) التي تدعى (السابغة) - وهُوَ تعبير قرآني عن دروع داوود (ع) - لا يمكن ان يرتديها سواه من حيث تشابه صدريهما.
ان علاقة الأمر الإلهي والتخطيط السماوي للعالم بالأشخاص وبأسماء ذرية معّينة هُوَ أمر يطول بيانه بدرجة كبيرة. فإذا أعجبك ملاحظة هذهِ العلاقة - وهي هامة جداً - فاقرأ كتابنا "اصل الخلق بين ظهور (الأنا) وبين الولاية والتوحيد" تعثر على تفسير منطقي لأول مرة لمسألة السجود لآدم (ع) وبالتالي اختيار الله لأشخاص معينين يبتلي بهم الخلق والملائكة على هذا المنوال.
الخامِس: الحتمية في تسميته بالمَهدي على طريقة الخبرَ
أ. الجامع بسنده عن النبي (ص) قال:
"المهدي رجل من ولِدي وجَهه كالكوكب الدرّي" كنز العمال ج 6/30، الجامع الصغير/ح9245 ينابيع المودة/ 188.
ان أسلوب الخبر إذا ابتدأ بالاسم أشار إلى أمر محتوم لأنه يقوم بتعريف (الرجل - المهدي). أما كونه حقيقة فان النص يفيد انها حقيقة مفروغ منها فالغاية من النص التعريف فقط. من هُوَ المهدي؟ المهدي رجلَ ...الخ.
لذلك تضمّن النص صفة للوجه. هذهَ الصفة مأخوذة من النص القرآني وتحديداً من آية النور.
قلنا هناك في كتاب (أصل الخلق) حيث عالجنا ألفاظ هذهِ الآية لفظة لفظة ومفردة مفردة، قلنا ان الأنوار المتكاتفة في الآية موجودة (في بيوت) - حيث ابتدأت الآية التالية لها بحرف جر.
وعبثاً يحاول الاعتباط صرف البيوت إلى (المساجد) عن طريق الترادف الذي أبطلناه في (اللغة الموحدة) والنتيجة المتحصلة انه رجل مخصوص من مجموعة (رجال) حيث أكدت الآية نفسها هذا اللفظ وعندئذ تكون للبيوت دلالة مختلفة عن المساجد لأن كلاً منهما قد استعمله القرآن في موضعه.
النتيجة ان الاعتباط يفعل مثل ما فعل إبليس إذ زعَم انه من نار وآدم من طين. وتظهر الأكذوبة إذا عرفنا ان النار من الطين أيضا لأن منشأها الوقود النباتي الأصل الذي ينمو من الطين.
ب. أبو داود بسندهِ عن النبي (ص) قال:
"المهدي مني اجلي الجبهة اقني الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً" وفي لفظ آخر "جوراً وظلماً".
نلاحظ كما لاحظنا في الحديث السابق ان صيغة الخبر هي للتعريف. لذلك تضمن الحديث العلامات الفارقة للشخصّية. ان تحديد علامات فارقة للمهدي (ع) هي قضية مهمة لانها مرتبطة لمحاولات انتحال هذهِ الشخصية وقد حدث في التاريخ شيء مشابه.
وهذهِ التحوطات ليست للمهدي نفسه أو حمايةً له وإنما حماية للسذج من الناس الذين قد يضحّوا بحياتهم وأموالهم للمدعّين والمنتحلين.
وقد اتخذ المسيح (ع) نفس التحوطات لأنه ينزل مع المهدي وخشي من انتحال شخصيته كما سنلاحظه في موضعه في آخر فصل منّ هذا الكتاب.
ج. ابن ماجة بسندهِ عن النبي (ص) قال:
"المهَديّ مّنا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة" (صحيح ابن ماجة ج 2 خروج المهدي مُنتحب الكنز ج6/30، الجامع الصغير/ ح 9243 جواهر العقدين/ 432. الصواعق - الآية 12.
هذا النص على قصره يتضمن أشياء كثيرة وعلاقات لفظية عديدة مع النظام القرآني يصعب ذكر تفاصيلها فاكتفي بالتنويه عنها:
أولا: إن صيغة الابتداء بالأسم يفيد التعريف به امّا هُوَ فكما قلنا ان النص يذكره كما لو كان حقيقة مفروغ من صحتها.
ثانياً: ان التسمية تتضمن (اللقب) دوماً ولا تصرح بالأسم الفعلي واللقب مشتق من الهدى أو الهداية.
وهُوَ لقب مرتبط بالفتن التي سببها الظلال والتي تؤدي إلى امتلاء الأرض ظلماً وجوراً.
الحتمية هنا في التقابل الذي هُوَ ضرورة وجودية مادام هناك نهار فهناك ليل، مادام هناك نور فهناك ظلمات .. ومادام هناك ظلال فلابد من وجود هدى يقابله. المهدّي: يمكن ان تقرأها كصفة بالفتح وهي اسم مفعول. بمعنى انه لا يحتاج إلى هداية من أحد فهو مَهدي من قبل الله فهداه ذاتي إذن فهو فوق الناس جميعاً.
ثالثا: يُصلحه الله: عبارة تفيد ان أمَره مشكل جداً فهو في صراع مع العالم كله. لأنه مهتدي والعالم في ظلال. الظلال شئ عام جداً، ان الظلال هُوَ صنوٌ للحيرة وانغلاق الأبواب بما في ذلك أبواب المعرفة.
هذا الصراع المستديم بين المهدي والعالم ينبئ من طرف آخر إلى انه رجل مديد العُمر.
من المحتمل ان عمره هُوَ عُمر الكون أو ان عُمرهَ يقابل عُمرَ الشخص المقابل في الظلال (إبليس) وربمّا عُمره يوازي عُمرَ الانحراف في آخر الرسالات.
والاحتمال الأخير هُوَ الأكيد والأصّح لأنه يقول (من ولدي) أو من (ذريتي) أو من (ولد فاطمة) أو (منا أهل البيت) كما هُوَ في هذا النص.
رابعا: قوله (ص) يُصلحه الله في ليلة
ان التنكير لمفردة (ليلة) ظاهر جداً - حتى وفق البلاغة السابقة على الحل القصدي - ظاهر في التعظيم لانّه ترك أضافتها لشيء وترك تعريفها! كما لو كانت ليلة معلومة اصلاً.
لقد وجدنا هذهِ الليلة في النظام القرآني قبل ان ندرس النصوص النبويّة. لقد وجدنا (ليلة) مَهولة في شأنها القرآني هي الفاصلة بين النظام الطبيعي القديم (الحالي) وبين النظام الجديد المهدوي.
في هذه الليلة بالذات يحدث تغيّر كوني شامل يحوّل الكرة الأرضية إلى واقع جديد.
تفاصيل ذلك سنلاحظها في العلامات الكونية للطور المهدوي في القرآن.
السادس: الحتمية في صيغة أبشّركم) أو (أبشروا)
مسند أحمد بسنده عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله (ص): "أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض يقسم المال صحاحاً. فقال له رجل ما صحاحاً قال: بالسّوية بين الناس"
ان هذه الألفاظ النبوية قد .. وردت مقترنة في القرآن بالتبشير بالطور المهدوي سواء عذابه أو جناته من حيث كونها واقعة حتماً في عالمنا المنظور.
فالبشارة مرتبطة بالمكان ولكنها مستقبلية في الزمان. فحينما تبشرني بشيء فأني أشعر بتغير موضوعي مستقبلاً بالنسبة لأهدافي الحالّية.
وأنت تعلم ان من ألقاب النبي (ص) البشير. لذلك كانت البشائر عامّة للطرفين، فمن جهة المؤمنين ترى قوله تعالى:
"وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الأنهار" البقرة/ 25.
نلاحظ صيغة الجمع (جنات) والتي تدل على تخبّط الاعتباط حينما زعَم انها في المثنى (جنتان) يراد به المفرد بينما المجموع أربع جنات (ومن دونهما جنتان) ولذلك صيغت بصيغة الجمع (جنات) في الموارد الأخرى لأنها أكثر من ثلاثة.
ومن جهة الكفار والمنافقين قال:
"بشرْ المنافقين بان لهم عذاباً اليماً" النساء/ 138.
"وبشِّرْ الذين كفروا بعذاب اليم" التوبة/3.
وجدنا في النظام القرآني ان (العذاب الأليم) وهو أحد ثمانية وثلاثين نوعاً من العذاب (المختلف الألفاظ) مرتبط قرآنياً بالطور المهدوي بالاقتران البسيط، فهو أول أنواع عذاب هذا الطور ولذلك لا تعثر على أي اقتران لفظي بين (عذاب جهنم) مثلا وبين لفظ (البشارة) بالرغم من تعدد مواردهما.
ان الحديث عن النظام القرآني وعلاقته بالسنة امر متشعب ومعقدّ للغاية حتى في الموضوع الجزئي الواحد وما نذكره هُوَ قطرة من هذا البحر المتلاطم الأمواج.
والخلاصة ان قول النبي (ص) (ابشركم بالمهدّي) هُوَ جزءٌ لا يتجزأ من بشارته وأنه في حقيقة الأمر رسالته التي بعث بها. ان التبشير بالمهدي يتضمن الإنذار بعذاب هذا الطور أيضاً فقوله (ابشركم بالمهدي) هُوَ تنفيذ للأمر الإلهي الوارد بالتبشير ولكن من خلال اسم قائد هذا الطور وهُوَ (المهدّي).
لذلك تعثر على العلاقات العددية الكامنة في النص القرآني إذ ذكر البخاري وغيره عن النبي (ص) ان الخلفاء من أمتِه (اثنا عشر خليفة هادون مهديون).(1)
فأولهم هُوَ المهديّ الموعود. وكلهم هادون مهديّون، لأن هذا الطور الطويل الأمد جداً يحتاج إلى اكثر من قائد حسب قاعدة (سبق القيادة) التي ذكرناها. فمن هنا نلاحظ ان موارد التبشير بصيغة الأمر تسعة عشر مورداً.
وهذا يمثل (عُمرَ) القائد المهديّ على بعض المرويات بيد أنه بالنظام الكوني للطور المهدوي وليس بحساباتنا الحالية. ومن هذا العدد اثنا عشر مورداً خاصاً ببشارة المؤمنين وهُوَ يساوي عدد خلفاء هذا الطور بل يّدل ايضاً على التسلسل الزمني للقائد.
هذهِ هي الموارد الأثنى عشر وحسَب تسلسل سُور المصحف:

1. (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات) البقرة/ 25.

2. (ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين) البقرة/ 155.

3. (واعلموا انكم ملاقوه وبشر المؤمنين) البقرة/ 223.

4. (والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين) التوبة/ 112.

5. (وبشر الذين آمنوا ان لهم قدم صدقٍ عند ربهم) يونس/ 2.

6. (واقيموا الصلاة وبشر المؤمنين) يونس/ 87.

7. (فإلهكم إله واحد فله اسلموا وبشر المخبتين) الحج/ 34.

8. (لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين) الحج/37.

9. (وبشر المؤمنين بان لهم فضلاً كبيراً) الأحزاب/ 47.

10. (وأنابوا إلى الله فلهم البشرى فبشرْ عباد) الزمر/ 17.

11. (وخشي الرحمن بالغيب فبشرّه بمغفرةٍ واجرٍ كريم) يس/11.

12. (وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين) الصف/ 13.

معالم النظام القرآني في الموارد الأثنى عشر

اولاً: ان المجموعات المذكورة سبعة مجموعات وهي عدد ايام الخلق الكلية مع يوم القيامة، وفي الحديث الشريف (الدنيا جمعة من جُمع الآخرة) أي أسبوع.

المجموعات هي: (الذين آمنوا) (المؤمنين)، (المخبتين)، (المحسنين)، (العباد)، (الصابرين)، (المفرد).

ثانياً: موارد المؤمنين حسب ترتيب المصحف وهي الموارد (3-4-6-9-12). وعددها يساوي عدد ألفاظ (النور) في آية المشكاة.

ثالثاً: المورد الختامي الثاني عشر تضمن اقترانا مميزاً عن بقية الموارد مع لفظي (النصر) و (الفتح): (نصرٌ من الله وفتح قريب).

وهُوَ المورد المقترن بآيات النصر والفتح وهُوَ المورد الخاص بالقائد الموعود فهو آخرهم في الوجود وأولهم في الظهور، ولذلك جاء آخر تلك الموارد حسب ترتيب المصحف.

ومعلوم ان مثل هذا النظام المحكم عسيرٌ على المؤلف في إيضاح خطوطه فضلاً عن كشف كامل مراميه.

رابعاً: ان المورد الأول خاص بالنبي (ص) على هذا الترتيب لذلك تضمّن (الذين آمنوا).

فكأن المورد اللاحق رقم (2) ينبئ عن ابتداء الفتنة بعد رحيله (ص) ونزول البلاء الذي يتضمن (الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) - فكانت البشارة (للصابرين) المنتظرين تتحقق الوعد الإلهي.

وفي نص عن جعفر بن محمد (ع) ان هذهِ الآية تبشر بظهور المهدي (ع) وهي تبشّر الصابرين حيث يشتد البلاء وتتفاقم الفتن والظواهر المذكورة فتمتلئ الأرض ظلماً وجوراً.

وقبل الكشف عن النظام القرآني والاقتران اللفظي كان يصعب جداً حتى على أتباع جعفر بن محمد (ع) فهم أو تصديق هذا التفسير.

بينما اظهر الاقتران اللفظي للنظام القرآني المحكم ان هذا التفسير هُوَ الوحيد الصحيح وان غيره هُوَ تفسير اعتباطي محض.

وبإمكانك السير قدماً في تحليل واستخراج توافقات أخرى من هذه الموارد وغيرها.

خاتمة الفَصْل

تركنا الفاظاً أخرى تؤكد حتمية هذا الطور اعتماداً على ذكاءكم وقدرتكم على الربط والتحليل فمن ذلك مثلاً قوله (ص): "لتملأن الأرض ظلماً وجوراً وعدواناً ... ثم ليخرجّن رجل من أهل بيتي. واللام في ابتداء اللفظ والنون تفيد التحقيق الحتمي لوقوع الحدث لغوياً وسماه اهل اللغة (التوكيد)، لكنه هنا (حتم) لأنه صادر عن النبي (ص). أو كقوله "كيف تهلك امّة أنا في أولها وعيسى في آخرها والمهدي في وسطها"؟ وهذهِ العبارات حسب نظام الحديث الشريف ونظام القرآن انما هي تنفيذ لأوامر رسالية على طريقة القرآن (قل يوم الفتح....) (قل جاء الحق) ....الخ وهي تتضّمن رداَ على أولئك الذين ينتظرون الإجهاز على رسالته وإفراغها من محتواها العالمي والشمولي، فجاء الردّ ليؤكد حتمية ظهور دينه على كافة الأديان على يد المهدي (ع).


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:26 PM   #15
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



الفصل الخامس
التفسير العلمي الموحّد للعلامات الكونية

1. تصنيف العلامات
أن إعادة النظر بترتيب أيام الله تعالى للخلق حسب المنهج اللفظي للنظام القرآني - والذي ستلاحظه في الفصل السابع من هذا الكتاب - يؤكد لنا أننا نعيش الآن في أواخر اليوم الثالث من الأيام الستة للخلق. إذ كانت القيامة هي آخر تلك الأيام فثمة إذن يومان منتظران قبلها. ومن هنا فان القيامة ليس لها في الواقع علامات لأن أحداث القيامة هي عين علاماتها. المقصود بالعلامات ظواهر مختلفة في نفس النظام الكوني تنقله إلى وضع آخر امّا القيامة فأنها إلغاء للنظام المشهود وتحول إلى النظام غير المشهود وهذا لا يقع في القرآن إلا بعد انتهاء اجل السموات والأرض أي الأيام الستة.
ثمة إذن عمر منتظر للكون هُوَ بقدر ما مّر عليه منذ خلق ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. في طور الاستخلاف المنتظر تكون الجنة الموعودة الأولى في الأرض في ما سميناه (بالنظام الأحسن) يقابلها عذاب معين. وتحديداً هي جنة (النعيم) و (عذاب الجحيم). أمّا بعد القيامة فهناك نظام غير مشهود وينطوي على (جنة عدن) و (جهنم) وهنا تشابك الألفاظ في النظام القرآني مما ستراه في الفصول اللاحقة إذن فالعلامات مرتبطة بطور الاستخلاف لأنه هُوَ الذي يحدث أولاً وهُوَ مستمر ما دامت السموات والأرض كما في نصوص سورة هُوَد:
"فأمّا الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ألا ما شاء ربك.." هود/ 106-107.
"وامّا الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض الاّ ما شاء ربك" هود/ 108.
وامّا في القيامة فان السماء تطوى (كطي السجل للكتب) كما نصت عليه الآيات فالاعتباط يحاول إخفاء هذهِ المعلومات من خلال الترادف والخلط بين والأطوار لقد أهتم النبي (ص) بطور الاستخلاف وقائده اهتماماً بالغاً، إذ لو جمعت أحاديثه التي وصلتنا بعد كل هذا التمويه والكذب لبلغت ما يقرب من ستة آلاف حديث حول طور الاستخلاف وخصائصه وعلاماته وقائده المهدي (ع).
ولا عجب في ذلك لأن الطور المهدوي هُوَ طور (لا إله إلا الله) والذي يمثل المرحلة العليا من تطبيق رسالته في دولة عالمية فاضلة يُستخلف فيها العباد الصالحون.
اكتفى العلماء السابقون بنقل هذهِ الأحاديث وتوثيق رواتها بطرائقهم الخاصة - في حين قام آخرون بدراسة النصوص بغية تصنيفها وفق أساليب مختلفة وحاول البعض الآخر شرح مدلولاتها بصورة جزئية وتقريب بعضها من بعض عند التعارض.
بالنسبة لي فقد استخدمت مع الأحاديث النبوية طريقة المنهج اللفظي وهُوَ المقارنة بين الألفاظ وملاحقتها في القرآن واعتماد القرآن أساسا لتصحيحها وهي محاولة لم تحدث من قبل.
واستعملت لذلك أسلوب (الخريطة) لمعرفة تسلسل الأحداث. فكل واقعة وردت في نص أضعها على الخريطة المكونة من مكان للأحداث وزمان مفتوح وهنا انتظمت العلامات بمفردها عندما حاولت مطابقة الجميع - الألفاظ - القرآن - الأزمنة - الأمكنة ...الخ.
اكتشفت انه (ص) وضع مفاتيح ورموزاً للحلول ولكشف التسلسل مشابهة لما في النظام القرآني. ولأول مرة أدركت بدقة معنى قوله (ص): "أوتينا جوامع الكلم" - إذ تعمل العبارة عنده كمجموعة عبارات لا واحدة من خلال اقتران ألفاظها مع عباراته الأخرى ومع مقارنتها بألفاظ القرآن - وهذا منهج نقدي جديد كما تعلم انكشفت به ظواهر كثيرة، فمثلاً أصبحت مجموعة من الأحداث في الواقع حدثاً واحداً. وبالعكس أصبح الحدث الواحد (عند العلماء) ينطوي على مجموعة وهنا ترتيب العلامات تلقائياً، رتبت بثلاثة مستويات في آن واحد مما يحقق طبيعتها من جهة ونوعها من جهة أخرى وتسلسل وقوعها من جهة ثالثة.
ولكثرة العلامات وتنوعها فأنني أترك العلامات الاجتماعية ذات الصلة بالانحراف العقائدي. لأن هذا يستلزم كتاباً أو عدة كتب عن الانحراف. ولكني سأذكر القانون الذي تتابعت فيه العلامات بمجموعها وأخصص البحث فيما بعد للعلامات الكونية وتحديداً السماوية منها. سأضرب لذلك مثالاً عاما: لو قال القائل: سأعطيكم علامات لما يحصل في دار فلان: تسرّب الماء. صوت دوي شديد. تشقق الجدران غيبة صاحب الدار. غش البناءين. فالذين ذكروا العلامات عن القائل ذكروها بدون ترتيب. والقائل يريد مّنا ان نرتبها بصورة منطقية هكذا: غيبة صاحب الدار أولاً. غش البناءين. تسرب الماء تشقق الجدران ثم سقوط السقوف محدثة صوتاً ودوياً شديداً. بيد ان ترتيب ستة علامات ليس في السهولة كترتيب ستة الآف علامة! أنه كالفرق بين دار فلان الآيلة للسقوط وبين دار الآخرة) التي تقام على أنقاض (دار الفاسقين) من حيث السعة والشمول.
الخلاصة ان العلامات ترتبت وفق ثلاثة مراحل:
الأولى: علامات الانحراف العقائدي والاجتماعي.
الثانية: علامات الصراع السياسي البعيد والقريب.
الثالثة: علامات التحول الكوني في النظام الطبيعي.
هذهِ المراحل ليست منفصلة. بل كل مرحلة تحمل في طياتها بذور المرحلة اللاحقة آنياً ولاحقاً في وقت واحد. اوّل ما حدث هُوَ الانحراف العقائدي الذي ظهر بشكل صراع سياسي تبعه انحراف اجتماعي وسوء في النظام الطبيعي مرافق له. فقد ربط النبي (ص) بين ظواهر الاجتماع وظواهر الطبيعية مثلاً بين انقطاع صلة الأرحام وبين انقطاع المطر، ربط كذلك بين ظهور الشرور والموت المفاجئ وتدني مستوى الأعمار، بين الظواهر الاقتصادية والسلوكية مثال ذلك بين التطفيف بالمكيال وغلاء الأسعار. وبصفة عامة فهناك علم جمّ في أحاديثه (ص) لم تدرس من قبل الامّة الملتهبة بالنزاعات والتشدق بعلوم فارغة المحتوى - ولم تدرس من قبل أولئك المدعين للثقافة المعاصرة لأن كل همّهم هُوَ حَفظ نصوص سادتهم الغربيين والتشدق بالأسماء الأعجمية بينما يمكن استخراج قوانين اجتماعية واقتصادية كثيرة من دراسة نص نبوي واحد.
وحينما يبلغ الانحراف غايته القصوى تتجاوب الطبيعة أيضا فتسوء الأحوال الجوية - حرّ شديد، أمطار في غير أوانها، فساد الغلات الزراعية - آفات وامراض في الناس والأنعام، هلاكات الأنعام تغيرات وراثية في الكائنات، اضطراب في البحار وظواهر غريبة امّا الناس فهم في تلك المرحلة اشبه (بالبهائم) حسب النص النبوي. القلة الواعية تعاني معاناة شديدة وقاسية لا يمكن وصفها مع ذلك فهي لا تستحق الإنقاذ لأنها تخادع نفسها، تدعو أحيانا لغير الله، تبحث أحياناً عن السلطان والقيادة بدل القائد الموعود، تناغم إبليس في ادعاءه الأفضلية على آدم، تشارك في تيارات دينية سياسية كل همها استعمال الدين للرفاه الاقتصادي باعتباره أطروحة تؤمن بالعدل وكلما فشلت دولة دينية قلّ عددّ هذهِ (الفئة الواعية) المؤمنة بالدّين بصورته الشكلية. بينما الدّين هُوَ الإذعان لله من خلال القيادة التي حددّها الله سلفاً كما رأينا - عندئذٍ يكون الرفاه الاقتصادي والعدل الاجتماعي نتائج محتومة. هؤلاء المتدينّون لا يختلفون بشيء عن الماديين الذين يقومون (بتوزيع الثروة) بصورة عادلة قسراَ ليكون الإنسان فاضلاً! فالمعادلة عند هؤلاء وهؤلاء واحدة رأينا في قواعد النصر ان (العدد) لا قيمة له فقد استخلف الله نوحاً (ع) مع اثني عشر رجلاً وأمراة وأهلك بقية أهل الأرض المفسدين. إذن فأهل الدين الحقيقي الصابرون يقل عددهم ولكنهم من حيث النوعية أفضل حتى من أولئك الذين قاتلوا مع النبي (ص) حسب أحد النصوص. وهذا تؤكده آية الفتح "كزرعٍ اخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعجُب الزراّعَ ليغيظَ بهم الكفار" فقد رأينا ان هذه الآية هي المكملة الآية الظهور في سورة الفتح.
حينما يبلغ الانحراف غايته وتصبح هذهِ القلة في وضع حرج للغاية، وترتكب جرائم بحقها مذكورة في المرويات تدعو القلة ومعها يدعو المسيح (ع) ويدعو المهدي (ع) بالنصر الإلهي. وحينما يأتي الأمر الإلهي آذناً بالنصر وبدء الطور المهدوي وتحقيق الوعد تتجاوب الطبيعة مع الأمر الإلهي وتبدأ حوادث التحول الكوني وتقع علاماته وهي ما نحاول الآن جمعها وتفسيرها تفسيراً موحّداً علمياً وقرآنياً.
2. العلامات الكونية
العلامات الكونية هي تغيرات حتمية في النظام الطبيعي تحُيله إلى وضع آخر لأستقبال الطور المهدوي، تتغيرّ فيه زاوية الميل الأرضي وسرعة الدوران المحوري وموقع الأرض بحيث يؤدي إلى تغيّر مناخي مختلف تماماً عن الوضع السابق. إذا درسنا النصوص النبوية وغيرها نلاحظ ان الوضع الجديد هُوَ وضع مؤهل تماماً لظهور جّنة فعلية فمثل هذا التغير يقضي على التصحّر والتباين الحراري وتتغير فيه الأنهار كمّا وعدداً واتجاهاً ويحتمل جداً ان تموت خلال ذلك جميع أنواع البكتريا الضارّة والكائنات الأخرى المسّببة لمشاكل، في حين تتغير طبيعة كائنات أخرى بصورة جذرية. هذا بعض ما نراه عند دراسة النصوص بطريقتنا. وتفاصيلة مدهشة في حسن تنظيمها ووضوحها فلنبدأ بالعلامات الكونية اولا:
عند فرز العلامات السماوية عن غيرها نجد اثنتي عشرة علامة ذكرت بصور مختلفة ومتفرقة في الأحاديث. وهذه العلامات هي:
أ. نار من جهة المشرق تستمر من ثلاثة إلى سبعة أيام ترتفع إلى عنان السماء تتخللها خطوط فضية لامعة.
ب. كسوف الشمس في أول الشهر العربي، خلافاً للعادة. "لأن الكسوف لا يحصل الاّ إذا كان القمر في الجهة الأخرى أي الأرض بينه وبين الشمس، وفي آخر الشهر يحصل هذا الوضع فقط.
ج‍. طول شديد للأيام والليالي بألفاظ وقياسات مختلفة - (سنلاحظ ان جعلها مختلفة أمر مقصود لأنها متغيرة بالفعل).
د. قصرٌ شديد في الأيام والليالي. (عكس الظاهرة السابقة).
ه‍. صوت شديد أو هدّة، يحسب كل قوم انها وقعت في ناحيتهم ويحتمل وقوعها في وسط الشهر.
و. خسوف تام للقمر في آخر الشهر العربي. (خلافاً للطبيعي) وهُوَ عكس العلامة (ب) من ناحية وضع المجموعة.
ز. ركود الشمس من وقت الظهر إلى العصر. (توقفها عن الحركة).
ح. طلوع الشمس من المغرب.
ط. مجيء الكوكب المذّنب العظيم المضيء من جهة المشرق والذي يلتوي طرفاه حتى يكادا ان يلتقيا. ويسمى أحيانا (النجم ذو الذنب).
ي. استدارة النجوم. وفي تعابير أخرى (استدارة الفلك) أو (استدارة القمر).
ك. سقوط الحساب بالسنين وبدء الحساب بالشهور.
ل. ريح صفراء تدوم ثلاثة أيام يصبح الليل فيها كالنهار من الصفرة.
3. السبب في اختيارنا للعلامات الكونية
بدأنا بالحديث على العلامات الكونية السماوية أجلنا الحديث على غيرها كالخسف والزلازل والعلامات الاجتماعية لأننا نحاول جمع العلامات السماوية فقط للعثور على الرباط المشترك بينها والعلة العلمية وراءها وتفسيرها وحينما فعلنا ذلك لم نجد الاّ هذهِ العلامات المرتبطة مع بعضها البعض. نعم هناك (القذف) بالحجارة يمكن إدخاله في علامات السماء.
سوف نتكلم الآن عن كل واحدة من تلك العلامات قليلاً لتتكون لديكم فكرة عامة عنها وتتمكنوا من حفظها لأنها مرتبطة بمصيركم فيمكن من خلال ذلك تسهيل فرضية حدوثها.
أن الأحاديث التي اعتمدناها، هي من جميع المروريات بلا تفريق مذهبي، اولاً لأن ذلك هُوَ الملائم لمنهجنا الذي يحاكم الرواية بالقرآن ولا علاقة له بالرجال كما مرّ عليك في كتاب (النظام) وثانياً لأننا فكرنا بالانحراف الذي حصل إذ يحتمل انه فعل فعلهُ في تجزأة العلامات وخلطها والتمويه عليها بقصد أو غيره فدراسة الجميع إذن ضرورة لابّد منها. لقد تحققت لنا النتيجتان معاً: عرفنا عددَها وتسلسل حدوثها وقانونها العلمي من جهة. وعرفنا من جهة أخرى أين أخفوا الحقائق واين موهّوا وأين كتموا وكيف. فالأول لكم والآخر نحتفظ به لأنفسنا.
4. إشكالات الباحثين في طبيعة العلامات والتفسير الموحّد لها
نلاحظ أولاً اشكالات الباحثين في طبيعة العلامات الكونية فقد حصلت عندهم التباسات كثيرة بشأنها:
أ. نار المشرق: اختلطت هذه العلامة مع (حمرة المشرق) من جهة ومع انواع أخرى من النيران من جهة أخرى.
ففي النصوص النبوية خاصة هناك "نار من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر". وهناك "نار من ارض الحجاز تضيء لها اعناق الأبل ببصرى" وعن علي (ع) "نار غربي الأرض تشبّ بالحطب الجزل".
وهذهِ النيران مختلفة جداً ولها ازمانها المحددة خلال المهدوية أو قبلها أو قبل القيامة.
وبصفة عامة فالنار إحدى عناصر الطور المهدوي ونوعاً اساسياً من انواع عذابه كما سيأتيك مفصلاً وهي تختلف عن نار جهنم ومن هنا حدث الخلط الكبير بين تلك الأنواع. والذي يهمنا هنا هُوَ العلامة الكونية السابقة على الظهور وهي تحديداً (نار المشرق) التي تظهر في السماء تحت عبارة (عمود من نار).
وقد أعطى المهدي (ع) نفسه صفات إضافية لهذهِ النار خصوصاً لأجل تمييزها عن غيرها وذلك في نص ذكره ابن مهزيار، الرجل الصالح المعروف رواه صاحب الإكمال تقطع منه الجزء الذي يخصنا هنا في البحث:
قال:" قاتلهم الله اني يؤفكون كأني بالقوم قد قتلوا في ديارهم واخذهم أمرُ ربهم ليلاً ونهاراً. فقلت متى يكون ذلك يا أبن رسول الله (ص) قال: إذا حيل بينكم وبين الكعبة بأقوام لاخلاق لهم والله ورسوله منهم براء وظهرت الحمرة في السماء فيها اعمدة كأعمدة اللجين يتلألأ نوراً". نقل عن البشارة/ ب13 ج 3.
وهذا النص هام جداً لأنه الوحيد الذي يضيف صفات للنار يمكن التيقن من انها نار المذنب الموعود تحديداً كما سترى. وكانت نصوص أخرى قد ذكرت هذه العلامة منها:
عن ابن معدان قال: "ستبدو آية عمود من نار تطلع من قبل المشرق يراها أهل الأرض فمن أدرك ذلك فليعد طعام سنة". الملاحم والفتن/ ب 68.
ومنها "إذا رأيتم علامة في السماء ناراً عظيمة من قبل المشرق تطلع ليالي فعندها فرج الناس وهي قدامّ القائم بقليل".ذكره النعماني عند جعفر الصادق (ع). البشارة/ 159.
ب. انكساف الشمس في أول الشهر العربي خلافاً للعادة:
ذكر هذه العلامة الإمام الصادق مؤكداً على وقوعها خلافاً للنظام الطبيعي إذ إعترض احدهم على ترتيب الوقوع فقال له مجيباً: "أني لاعلم ما تقول ولكنهما آتيان لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض".
حيث ذكرت مقترنة بخسوف القمر خلافاً للعادة. ولولا هذا التأكيد على المخالفة لاهملت لأنها مخالفة للمعهود من الكسوف والخسوف. وسبب ذلك:
أن كسوف الشمس يحدث عادة حينما يكون القمر بين الشمس والأرض وبسبب الانحراف في مدار القمر عن مستوى الخط إلى الشمس والعمودي على الأرض فان الكسوف يستحيل وقوعه في أول الشهر العربي كما تلاحظ ذلك في الرسم:

فالرسم يبين أن احتمالات الكسوف هي في آخر الشهر العربي. ومن الرسم كذلك تعلم ان خسوف القمر لا يحدث الا حينما تكون الأرض بينه وبين الشمس.

وهذا يعني ان الخسوف يقع في النصف الأول من الشهر فقط مع ملاحظة اتجاه حركة القمر في المدار.

أن نص الحديث يقلب المعادلة فيجعل الكسوف في أول الشهر والخسوف في آخره.

ج‍. انخساف القمر في آخر الشهر:

وهي العلامة المرتبطة بكسوف الشمس كما رأيت وكلاهما خلافاً للطبيعي ان هذا التبادل في مواقع الكسوف والخسوف يحتاج بطبيعة الحال إلى تفسير مختلف. لقد افترضنا ان جسماً (رابعاً) غير الثلاثة يدخل المجموعة فيقلب هذهِ الموازين.

والواقع ان هذا الفرض ليس مجرد احتمال لحدوث هذهِ الظاهرة. بل هُوَ الفرض الوحيد الممكن علمياً وعملياً بحسب ما نعرفه عن النظام الفلكي.

وقد اعطى هذهِ الفرض اعطى لنا تفسيراً موحداً لجميع ما يقع من علامات متتابعة وهي العلامات الكونية. كما أنه جاء ليؤكد لنا دقة النظام القرآني فان هذهِ العلامات قد جاءت في القرآن مرافقة لخصائص النجم الموعود كما سيأتيك في موضعه.

نص الحديث:

عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) قال:"آتيان قبل القائم لم تكونا منذ آدم كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان وخسوف القمر في آخره. قال: قلتُ: يا أبن رسول الله تنكسف الشمس في آخر الشهر والقمر في النصف. فقال أبو جعفر عليه السلام: أنا أعلم بما قلت أنهما آتيان لم تكونا منذ هبط آدم". المفيد في الإرشاد/ نقل عن البشارة/ ب6.

لقد ورد هذا النص في الكتب المعتبرة للقوم في الكافي وفي غيبة النعماني ونص الإرشاد المذكور وايدهّ نص للقوم الآخرين ذكره ابن حماد عن شريك قال:

"بلغني انه تنكسف الشمس قبل خروج المهدي في شهر رمضان مرتين". وهذا النص لم يذكر خسوف القمر ولكنه ذكر كسوفين للشمس فهل اخطأ السامع فحسب الكسوف القمري كسوفاً للشمس؟

كلاّ. أن هذا النص يتحدث عن كسوفين جزئيين للشمس يقعان أول الشهر العربي غير الكسوف الكلي المشار اليه في حديث الباقر. لأن الواضح ان الجسم الرابع إذا مرّ في المجموعة بمسار ما محدثاً كسوفاً كلياً للشمس وسط الشهر فمن المؤكد حدوث أكثر من كسوف جزئي قبل ذلك.



ولكن هذهِ الكسوفات الجزئية هي الأخرى ظاهرة غريبة لأنها تحدث في أول الشهر القمري وهذا بالطبع مخالف لجداول الكسوفات المثبتة عند علماء الفلك والمحسوبة بدقة متناهية لعشرات السنوات المقبلة. أشار الباقر (ع) في نص آخر إلى هذا المعنى بوضوح تام أي إلى سقوط حسابات الفلكيين:

"عن داود اخ الكميت عن الباقر (ع) قال: بين يدي هذا الأمر انكساف القمر لخمس بقين والشمس لخمسة عشرة وذلك في شهر رمضان وعنده يسقط حساب المنجمين". البشارة/ ب/6.

إن هذه العبارات مثل "لم تكونا منذ هبط آدم" و "عندها يسقط حساب المنجمين" تؤكد لنا ان هذهِ الظواهر ظواهر طارئة على النظام الفلكي.

فالنظام وحسب قوانين كبلر لا يتغير الاّ بمؤثر خارجي. وعندئذٍ يعيد توازنه بعد زوال المؤثر.

إن إعادة التوازن هي جوهر ما تنطوي عليه العلامات الكونية فان الوضع الجديد للنظام وضع مختلف جذرياً ومخطط له ليستقبل الطور المهدوي وفيه خصائص لا عهد لنا بها كما سيأتيك تفصيل ذلك وإذن فالمذنّب هُوَ الجرم الخارجي الذي يقلب النظام الطبيعي والمحسوب مساره حساباً دقيقاً تخضع له اعناق أعداء الله وتمر عليهم منه ليلة مرعبة لكنها ستكون سلاماً حتى مطلع فجرها الجديد.

لنسأل إذن هذهِ الاسئلة:

اولاً: الجرم الخارجي الذي يفعل ذلك لأبد ان يكون كبير الحجم وعليه فلا يمكن اغفاله في المأثور فهل هناك نص يؤكد مجيء هذا الجرم مقترناً بالعلامات.

الجواب: نعم. أنه الكوكب المذنب المذكور في الفقرة (9) وقد ذكر في نصوص كثيرة جداً يأتيك بعضها

ثانياً: إذا كانت هذهِ الحوادث مترابطة مع هذا الجرم فلابد أنها تحدث بصورة متتابعة بل وحتمية في تسلسلها فهل هناك ما يؤكد ذلك؟

الجواب: نعم. فقد أكدت النصوص على ترابطها العلي وتتابعها بل جاءت النصوص النبوية بلفظ (نظام) للإشارة إلى ترابطها وهُوَ لفظ لم يُستعمل الاّ في العصر الحديث كما في النص الآتي:

فبعد ان ذكر الإمام الحسين (ع) علامات للطور المهدوي قال: ابن الصلت (السائل): جعلت فداك اخاف ان يطول ذلك فقال "إنما هُوَ نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً" البشارة/ 33 و 86 الباب الخامس.

كما ظهر نص آخر يفيد هذا التتابع:

"الآيات كخرزات منظومات في سلك فانقطع السلك يتبع بعضها بعضها". عقد الدُر نقلناه عن الملاحم/ 102 ومنه ايضاً نص آخر عن الحسن (الظاهر انه الحسن البصري).

قال:

"توقعوا آيات متواليات من السماء منظومات كنظم الخرز وأول الآيات الصواعق ثم الريح الصفراء ثم ريح دائم وصوت من السماء..."الخ.

الظاهر انه يرجع أوليات العلامات إلى ما يقع في الأرض والاّ فان أول شيء يظهر للأبصار حسب نص الإمام علي (ع) هُوَ المذنب ومن الواضح انه عند اقترابه يؤثر على المناخ والطبيعة تأثيراً بالغاً وتتحرك الرياح بشدة وسوف نلاحظ هذهِ الظواهر في السور القرآنية مرتبطة بالمذنب الموعّود.

ثالثا: إذ كانت العلامات مرتبطة بالمذنب وحادثه عن دخوله المجموعة الشمسية فلابد ان يكون قريباً من الأرض بدرجة كافية لإحداث الكسوف والخسوف فيكون بُعدُه في هذا الحال مقاربٌ لبعد القمر فهل هناك نص يؤيد ذلك أو يشير إليه؟

الجواب: نعم. فقد ذكر نعيم بن حماد عن الوليد قال: بلغني انه قال: "يطلع نجم من قبل المشرق قبل خروج المهدي له ذنب يضيء لأهل الأرض كإضاءة القمر ليلة البدر"(1)

وعن كعب الأحبار "حُمرة تظهر في جوف السماء ونجم يطلع من المشرق يضيء كما يضيء القمر ليلة البدر ثم ينعقد"(2).

رابعاً: إذ كان الفرض صحيحاً فلابد ان تكون رؤيته قبل رمضان بمدة كافية لكبر حجمه وقربه فهل هناك ما يؤيد ذلك؟

الجواب: نعم ففي نفس الباب (71) قال الوليد:

"والحمرة والنجوم التي رأيناها ليست بالآيات انما نجم الآيات نجمٌ يتقلب في الآفاق في صفر أو في ربيعين أو في رجب". ومن الواضح ان هذهِ الشهور هي السابقة على شهر رمضان لا اللاحقة وعلى فرض انها اللاحقة فان عبارة (يتقلب) تعنيّ من الوجهين فأنه إذا رؤى من مدّه مقبلاً فأنه يرى مدّة مثلها مدبراً - وتقع الحوادث في وسط تلك المدّة وهو شهر رمضان.

خامساً: هل هناك حديث يؤيد حدوث كسوف آخر أول الشهر غير الكسوف الذي في منتصف الشهر؟

الجواب: نعم وهي ما في الكافي عن أبي عبد الله "قال تنكسف الشمس لخمس مضين من شهر رمضان قبل قيام القائم عليه السلام".(1)

سادساً: الا يوجد احتمال بحدوث خسوف للقمر أول الشهر؟

علمياَّ فأن هذا الاحتمال ضئيل جداً مع وجود المذنب - فلو لاحظت الرسم فانه يحتمل فقط في اليوم الأول أي عند رؤية الهلال وهو ابن ليلة أو ليلتين. والرسم وحدّه لا يكفي لتصور ذلك من غير تصور للمساقط الحقيقية بمسافاتها. في هذهِ المنطقة فقط يمكن للمذنب ان يحجب ضوء الشمس عن القمر وعندما يتحرك كل منهما باتجاهه يسقط ظله أسفل القمر ويزاح إلى مكان آخر من الفضاء.

سابعاً: ألم يذكر ذلك في المرويات؟

الجواب: العجيب ان هذا الحدث قد ذكر ايضاً رغم انه لا يتحقق الاّ باحتمال ضئيل يوحي لك بأن حركة المذنب ومسافته وحجمه كلها محسوبة بدقة للقيام بعمل مخصوص هو تهيئة أجواء الأرض لطور المهدوية.

ففي البرهان أخرج الدارقطني في سننه عن محمّد بن علي قال:

"لمهّدينا آتيان لم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض ينكسف القمر لأول ليلة من رمضان وتنكسف الشمس في النصف منه ولم تكونا منذ خلق الله السموات والأرض"(2).

ثامناً: على هذا لا يكون هناك تناقض في المرويات؟

الجواب: ليس ذلك فقط بل يؤيد بعضها بعضاً ويفسر بعضها بعضاً. وسوف ترى عند التكلم على ظاهرة طول الأيام وقصرها انّ ذلك لا يفّسر الاّ بطريق علمي - فقد ذكر أحد العلماء المعاصرين سقوط أحاديث الطول والقصر لتعارضها مع بعضها - وسوف نبرهن بإذن الله ان هذهِ الأحاديث لا تنطبق عليها قواعدهم الأصولية من [تعارض الخبرين] وأشباهه لأنها تحتاج إلى فهم علمي. وعلاوة على ذلك فحكم العلماء على هذا النحو معارض بكثير من النصوص التي أكد فيها الأئمة (ع) عدم رفض أخبارهم وما روي عنهم لمجرد أننا لا نفهم معناه أو نراه يتعارض مع قواعدنا والتي أكثرها أمور نسبية وقواعد مخطوئة من الأصل.

تاسعاً: هل يفسر الكوكب المذنب جميع الظواهر المذكورة في العلامات السماوية وهل تكون هذهِ الفرضية صحيحة على جميع المستويات؟

الجواب: ان المذنب نفسه ليس فرضية لأنه مذكور في العلامات والفرضية إنما هي في كونه المسبب لهذا التحول الكوني والتكويني في الأرض وهذا ما سنقوم ببحثه الآن تحت هذهِ العناوين:

1- لماذا يحدث التحوّل الكوني؟

2- أين ذكر المذنب؟

3- التفسير الموحّد للظواهر الإحدى عشر الأخرى.

5. لماذا يَحدث التحوّل الكوني في النظام الطبيعي

إن الإجابة على هذا السؤال هي كل ما انطوى عليه هذا الكتاب وكل ما سوف يأتيك من أبحاث ولكنا لتوضيح الصورة أمامك تذكر لك جملة من الأسباب اختصاراً على شكل فقرات:

أ. إن التحوّل الكوني ضرورة "لإحياء الأرض بعد موتها" والذي هو صفة طور الاستخلاف والذي سوف نوضحه في مباحث قادمة؟ نربط فيه بين الإحياء وتغيير فلك الأرض.

ب. أن أرزاق العباد وخيرات الأرض وبركات السماء مرتبطة علمياً بحركة الرياح وزاوية الميل الأرضي - فجميع ما يتصل بالحياة مرتبط في الواقع بحركة الأرض وموقعها وسوف نجد ان هذهِ القوانين هي علمية من جهة وقرآنية من جهة أخرى - فلا بد من أحداث تغيير في موقع الأرض وزاوية ميلها بما يلائم هذا الطور.

ج‍. ان قانون الاستخلاف يحتم إحداث تغير جوهري في الطبيعة بحسب درجة الاستخلاف ومدته والطور المهدوي هو في الواقع الطور الذي لأجله خلقت السموات والأرض ولذلك فأن أعظم تغيير تاريخي لطبيعة الأرض سوف تكون في بداية هذا الطور. وقد لاحظنا ضرورة تغير النظام الطبيعي إلى (النظام الأحسن) باعتبارها الغاية الأولى من الخلق في مقدمة المنهج اللفظي.

د. أن أحداث آيات مرعبة وعلامات مذهلة هو ضرورة لإفاقة الناس من سُباتهم ولهوَهم لاستقبال هذا الطور (فيحيى مَنْ حًييَّ عن بينّهٍ ويَهلك مَنْ هَلكَ عَن بينّةٍ) فهي بمثابة الإنذار الأخير للعالم.

6. الكوكب المذنب والعلامات المتتالية (كنظام الخرز)

المرويات وتفسيرها:

أ. في البرهان والمنتخب عن عبد الله بن عباس (رض) " لا يخرجُ المَهدّيُ حتى تطلَعُ مَعَ الشمس آيةٌ".(1)

وعند ملاحظة النص بدقة وتذكر قوله تعالى " وَجعَلنا الشمس والقمرَ آيتين" - فان عبارة تطلع مع الشمس آية تدل بوضوح على دخول جرم آخر إلى النظام لما تنطوي عليه معّية الآية للشمس - فالشمس جاذبة وهي مركز النظام ولم يقل مع القمر لأن المفروض في الجرم الداخل ان يُحدَّث تغييراً في توزيع القوى في النظام الجذبي، فمعيتها تكون للشمس.

قارن النص بنص آخر يذكر الآية مرتبطة بالقمر - بيد أنهّ لا يقول مع القمر بل (في القمر).

عن الباقر (ع) "العام الذي فيه السُفياني قبلهَ الآية في رجب قال قلت ما هي قال وجه يطلع في القمر"(2).

سوف نلاحظ قريباً: ان الوجه الآخر للقمر والذي لم نره قط الاّ بالصور والذي هو خلوٌ من السواد (أو البحار الجافة) هذا الوجه سوف نراه عند مجيء المذنب. لأن التأخير الحاصل في دوران القمر حول الأرض سوف لا يتناسب مع دورانه حول نفسه وبذلك ينكشف وجهه الآخر المضيء والجميل جداً للأرض وليس ببعيد ذلك التشبيه المستمر للإمام نفسه (ع) أنه "يسُيفر عن وجهه كالقمر ليلة البدر" - في خصائص متناغمة في المفردات بين الإمام وعالمهُ الجديد.

أن الآية التي (مع الشمس) - كما في اكثر من نص هي الآية التي كما لو كانت تعاون الشمس في إعادة توزيع قوى النظام بما يلائم الطور الجديد.

وإذا ذهبت شوطاً أبعد في الرموز الواضحة - فأن الله تعالى قد وصف رسوله (ص) أنّه (سراجٌ منيرٌ) - وورد في بعض التفاسير: " والشمس وضُحاها" أنّه (ص) هو الشمس - وهناك نصوص عن النبي (ص) بهذا المعنى. ان طلوع آية مع الشمس انما هو امرٌ كوني محسوب متناغم لغةً وحقيقة مع طلوع من "يُواطئ إسمُهُ إسمَ النبي".

وهذه هي الحتمية الكونية والتكوينية والشرعية والتشريعية لابد ان تُقرأ هكذا: "لا يخرج - حتى تطلع".

ونلاحظ هذا التشبيه المتناغم مع الكون كثيراً في النصوص - ففي إجابة للإمام المهدي (ع) نفسه على سؤال وُجه اليه عن كيفية الانتفاع به في غيبته أجاب "..كما يُنتفعُ بالشمس إذا سترها السحاب أو غيبتّها السَحاب"(1) ان المذنبات هي في الواقع شموس مختلفة الحجم والمدارات وهي أجرامٌ مستقلةٌ عن النظام الشمسي - وهي من النجوم الملتهبة ناراً ذات رأس بكثافة عالية يُسمى النواة وذيل يختلف في شكله من مذنب لآخر ينفثُ ناراً وله دويّ شديد ويَبلغُ طولُ الذنبِ اكثر من مائتي مليون كيلو متر وشكلهُا من بَعيد شكلَ الشهاب.

هذهِ النجوم بَعضها يَطرقُ المجموعة الشمسية كل (76) سنة مثل المذنب هالي الشهير ومنهِا يستغرق الآف السنين كالنجم المسمى (العملاق كوهوتكسي - وهو بطول 250 مليون كم - شوهد في 1973 ولن يُرى الا بعد 75.000 الف سنة.

أمّا مذنب ليكاسيكي فقد سُمِّي "كرازسن" أو الملامس للشمس(2) ويدل ذلك على شدة قوته الجاذبة حيث يصل إلى مليون كم من الحافة الشمسية ان واحداً من تلك المذنبات هو (النجم الموعود).

ب. لمّا كان المذنب نجم كالشمس فقد ذكر في المرويات بأسماء مختلفة ومنها انه ذكر باسم (النجم) وهو أهم أسمائه مما ذكره نعيم عن كعب قال" ..ما بين العشرين إلى اربع وعشرين نجم يٌرمي به شهاب يُضيء كما يضيء القمر"(1).

وفي نفس النص في الفتن:

"والنجم الذي يٌرمي به شِهاب ينقّضُ من السَماء معه صوت شديد حتى يقع في المشرق"(2).

ان عبارة كعب واضحة إذا قُرأت (يَرمي) بالياء أو بالالف المقصورة فعلى الأول: الشهاب وهو الذنب الناري يرمي بالنجم أي يقذفِ به والنجم هو الكتلة الرأسية. وعلى المقصورة فالذنب تابع للكتلة الرأسية. والتفسير العلمي الحالي للذنب - أنه يبتعد عن الرأس بسبب الطرد الجذبي مع الشمس. فأحيانا تكون الحركة بأتجاه الذنب كما لو كان الذنب هو الذي يجر الرأس لا العكس. وعلى كلٍ من القراءتين فأن المذنب لا يُحدد اتجاه الحركة وهو الصحيح علمياً. وعلى ذلك فان الذنب ربما يُطلّ علينا قبل النواة - وإذا كان من قرب - كما هو المفترض لأحداث التغيير الكوني المنشود فأنه سيظهر (عمود من نار) إلى عنان السماء. وهو ما يفسر النار من المشرق، لاحظ الرسم.

"يطلع نجم من المشرق قبل خروج المهدي له ذنب يضئ لأهل الأرض كإضاءة القمر ليلة البدر"(3).

وفي هذا النص يُسميه (نجم) ويؤكد على ان له ذنب ويؤكد على شدة اضاءته وكونه من المشرق.

لكنه قال هنا (يطلع) ولم يقل (ينقضّ).

ان التعبير عن حركته بكلمة (ينقضّ) و (يَهوي) كما في نص آخر هو امرٌ بالغ الأهمية بالنسبة لنا. لأننا نحاول الربط لهذهِ الحركة السريعة بالعبارات القرآنية ومحاولة العثور على العلامات الكونية في القرآن بعبارة مثل "والنجم إذا هوى" حيث تفيد (إذا) المعنى المستقبلي فقط لغةً وهذا بالطبع بخلاف ما رآه المفسرون من انها الحالة الاعتيادية التي تحدث يومياً بتساقط الشهب علاوة على التحديد الذي يُفيده القسم باداة القسم وأسل التعريف (والنجم) مما يدل على انه نجم معهود معروف بين السامع والمتكلم لا جميع الشهب.

وتفصيل ذلك يأتيك في العلامات ومدلولاتها في القرآن في فصلٍ لاحق.

إذا لاحظت الرسم فأن الناس في الجزء المظلم من الأرض (الليل) وهو الوقت الذي يُشاهد فيه المذنب سيشاهدون (عمودَ النار) فقط (الرأس - لقرب مسافته ولأن الذنب يُطرد بالجذب الشمسي بعيداً عن الرأس - لاحظ الفرق بين اتجاه الحركة واتجاه الذنب.

ج‍. في كتاب الفتن أيضاً وتعليقاً من نعيم ذكره ابن طاووس جاء فيه:

"قال الوليد والحمرة والنجوم التي رأيناها ليست بالآيات أنما نجم الآيات نجمٌ يتقلب في الآفاق"(1).

ان عبارة (نجم الآيات) هي مقصودنا من هذا النص، وهذه العبارة تدل بجلاء على ان النجم هو السبب في ظهور الآيات وحدوثها فهو ليس بآية وحَدهُ بل هو آية الآيات وفاعلها.

ولذلك نفي الوليد ان تكون (الحمرة) التي رأوها بالآيات أو (من الآيات) - ومدلول ذلك عنده انها لم تكن بسبب نجم الآيات لأن هذا النجم له صفة معلومة هي الكبر والاضاءة والقرب وتتابع الآيات.

د. النجم أو (النجم ذو الذنب):

في خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في المدينة جاء في آخرها:

"..لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الظلالة وأحييتم الباطل وخلفتّم الحق وراءَ ظهُورِكم وقَطَعتمُ الأدنى من أهلِ بدر ووَصلتم الأبعدَ من أبناءِ الحرَبِ لرسِول الله ولَعَمري أنهّ (لو) قد ذابَ ما في أيديهم لدنى التحميصُ للجزاء وقَربُ الوعَدُ وانقضت المدّةُ وبدى لكم النجم ذو الذنب من قِبلِ المشرقِ ولاحَ لكم القمرُ المنيرُ فإذا كان ذلك فراجعوا التوبةَ وأعلموا انكمّ إنْ اتبعتّم طالعَ المشرقِ سلك بكم منهاجَ الرسول (ص) وتداويتم مِنَ العمىَ والصمم..."(1)

ان القمر المنير) في الخطبة هو كناية عن الإمام المهدي (ع). لكننا نلاحظ ان إرتباط ظهوره هنا بالنجم ذو الذنب، وعلى ذلك فأنه كناية وحقيقة في آن واحد..لأن القمر الفلكي سَينُير بالفعل إنارة اكبر مما سبق.

لقد ارتبط النجم بالإمام (ع) ارتباطاً وثيقاً، في النصوص لدرجة التعبير عن الإمام نفسه بالنجم ...وذلك ظاهر في قوله "ان اتبعتم طالع المشرق سلك بكم منهاج الرسول".

وعدا ذلك فأن تشبيه الإمام بالنجم هو من عبارات النص النبوي ايضاً:

"مثل أهل بيتي فيكم كمثل النجوم في السماء" وذلك لأرتباط الهداية في القرآن بكل من النجم والإمام:

"وجعلناهم أئمة يهدون بامرنا" "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" ومن الواضح ان (النجم) هنا مفرد معرّف بال التعريف معهود يبين السامع والمتكلم فهو ليس كل نجم وانما هو نجم مخصوص، وذلك لورود صيغة الجمع في القرآن في موضع آخر كما في الواقعة "فلا اقسم بمواقع النجوم".

وفي نص آخر ذكر (طلوع النجم) بطريقة توحي للسامع انه نجم سماوي أو رجل يهدي الناس سواء .. لأن النص تعمد جعل الإمام نجماً والنجم إماماً هكذا "يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه بسطةٌ بأزرُ العلم فيها بين المسجدين إلى قوله ... فبينما هم كذلك إذ أطلع الله عز وجل لهم نجمهم" (1).

ه‍. الشهاب الثاقب: لم اعثر على نص واضح "باستثناء القرآن" يسمّى المذنب بهذا الاسم لكني عثرت على نص يسمى المهدي (ع) بهذا الاسم.

وهذا النص هو ما في اكمال الدين عن الصادق (ع):

"أما والله ليغيّبن عنكم مهديكم حتى يقول الجاهل منكم ما لله في آل محمد (ص) حاجة ثم يُقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظُلماً"(2)

أن وصف إقبال الإمام بعد غياب أنّه (يُقبل كالشهاب الثاقب) هو وصف مقصود لأبراز التجاوب الكوني مع الإمام فهو ليس بوصف تعبيري مجردّ عن أية حقيقة بل هو لارتباط إقباله بإقبال (الشهاب الثاقب) وهو النجم المرئي في السماء.

ولو اريد به ايَّ شهاب لقال "ثم يقبل كشهابٍ ثاقب" مما يدل على وجود شهاب مخصوص معرّف بال التعريف يُقبل مع إقباله.

على ان هذا التعبير أريد به التنويه عن أمرٍ آخر - وهو ذكر هذا اللفظ في القرآن للتنبيه على وجود علامات كونيةِ للمهدوية مذكورة في الكتاب. وستلاحظ في فصل لاحق ان العلامات الكونية تلك قد ذكرت جميعاً في القرآن في سور مختلفة بتوزيع منظم.

ان المعنى اللغوي لـ (شهاب) هو "عمود من نار" ذكر ذلك قتادة أو "الشعلة الساطعة من نار" كما في الوسيط، والثاقب، في الوسيط: الشديد التوهج أو الحمرة أو الشديد الإضاءة كما في التبيان.(3)

وتلاحظ هنا الأرتباط بالعلامة الأولى "عمود ساطع من نار من قبل المشرق فأن الشهاب الثاقب نفسه عمود ملتهب من نار.

هذا العمود الناري الملتهب هو الذي يتبع كل شيطان مارد - بحسب شرح المفسرين لقوله تعالى "الاّ من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب".

وقد أُبتُنَي التفسير لهذهِ الآيات على ان (الشيطان المارد) كائن غير مرئي يصعد احيانا إلى السماء (ليسمّع) إلى الملأ الأعلى.

ولمّا كنا لا نرى ذلك معهم - لأن الشيطان ربما يكون إنسياً، وفق المنهج اللفظي وذلك لقوله تعالى "شياطين الإنس والجن" - فقد اختلف مفهومنا للآيات عمّا ذكروه وهو ما لسنٍا بصدده الآن - انما بصدد تحديد أنّ "الثاقب" هو الشديد الاشتعال ذاتياً - فعبارة "اثقب النار - أي استوقدها" التي استشهدوا بها لغةً لا تفيد ان يستوقدها بإضافة الحطب بل بالتهييج و التأجيج - فأن النار بتحريك باطنها تتأجج، وعليه (فالثاقب) يعني المتقد ذاتياً - الذي يزداد توهجه من تلقاء نفسه.

هذهِ الصفة "الثاقب" لم تضف إلى لفظ الشهاب في سورة الطارق بل إلى لفظ "النجم" المعرّف بال التعريف: "وما أدراك من الطارق؟ النجم الثاقب". ما هو الفرق إذن بين (الشهاب الثاقب) و (النجم الثاقب)؟.

من الواضح ان الشهاب عمود من نار متقد ذاتياً ويزداد توقداً بالحركة وهذهِ هي المعاني التي تعطيها المفردات في صورتها الحية - وإذن فهي الشهب السماوية التي نراها كل ليلة تقريباً - لأن التعبير بالنكرة المعرفة "فأتبعه شهاب ثاقب" يعني ايَّ واحد من تلك الشهب.

اما (النجم الثاقب) - فهو (نجمَ) أي انه جرم شمسي لا كوكب بارد وهذا النجم متقد ذاتياً - وإذن فعمر النجم طويل جداً وليس كعُمر الشهاب الذي ينتهي بلحظات. وإذ كان (الشهاب) عمود من نار فأن النجم مصدر ذلك العمود الناري فعلى صعيد التكوين تكون النجوم مصدر جميع الشهب، أي مصدر (النار) وهي أيضا مصدر الإضاءة والنور وعلى صعيد التشريع فالإمام (ع) مصدر الهداية وهو نور كما هو مصدر (نار الفتنة) و (عذاب النار) الذي سنوضحه في فصول (العذاب في الطور المهدوي) وقد مرّ عليك الربط بين الأمرين في كتاب (أصل الخلق وأمر السجود). ان البحث في الحلف القرآني "والسماء والطارق وما ادراك ما الطارق النجم الثاقب" يأتيك في محله بعد ان نوهنا على بعض الموارد التي أكدت حدوث آية المذنب في النصوص وأهمية تلك العلامة وكون هذا النجم هو سبب حدوث باقي الآيات التي تتابع (كخرزات منظومات) حسب النص النبوي.

والآن لنلاحظ هل يفسر مجيء المذنب جميع العلامات الإحدى عشر الأخرى؟

7. تحليل وقوع العلامات الكونية بسبب المذنب

أ. نار المشرق: ان ذيول المذنبات مختلفة جداً في الشكل، فبعضها له اكثر من ذنب واحد وبعضها على شكل (مكنسة) أو لنقل (شجرة) وبعضها بذنب واحد. ويقال ان الذنب يتألف من أحجار وصخور بكثافة أقل من النواة الواقعة في الرأس مع غازات، ربما الامونيا تشكل منها النسبة الأكبر، وهي ملتهبة ولونها الأحمر - بيد انه يُرى باللون الأبيض لبعد المسافة. وذكرت مجلة "Universe" ان اللون الأحمر للذنب تتخلله خطوط فضية لامعة، ما هي الاّ نتيجة الانعكاس الضوئي للأخاديد(1).

وهنا نلاحظ عبارات النص السابق "إذ أحيل بينكم وبين الكعبة بأقوام لا خلاق لهم والله ورسولهُ منهم براء وظهرت الحمرةُ في السماء ثلاثاً فيها أعمدة كأعمدة اللجيّن يتلألأ نور"(2).

واللجيُن: هو معدن الفضة.

ان التطابق بين وصف النص للنار والوصف العلمي للمذنب يجعلنا نعتقد ان هذهِ النار المعبّر عنها بنار المشرق أو أعمدة النار أو عمود النار ما هي الاّ ذنب ذلك النجم الموعود الذي سيظهر لونه الأحمر الناري عند اقترابه من مدار الأرض - بعد أن أكدت النصوص على اقترابه وانه سيكون مضيئاً كما يضيء القمر.

عشرة فقط من 1800 مذنب مكتشف تبلغ اقطار نواة الرأس بحدود (160) كم والباقي اصغر من ذلك بكثير. إن قطر (اودنيس) الذي يقطع مدار المشتري لا يبلغ سوى 150 متراً(3).

إذا أخذنا بهذهِ القياسات فأن النجم الموعود سيكون قريباً جداً من الأرض بحيث انه يُرى كالقمر وعليه فانه يتمكن من تحقيق بقية الحوادث، بشكل متتابع بسبب التأثير الجذبي على الأرض.

ولو توفرت لدينا جداول دقيقة وحديثة عن مسار الأرض فبإمكاننا بناءً على التحليل الدقيق للنصوص معرفة الجهة التي يأتي منها المذنب والكثير من التفاصيل الأخرى.

مثال ذلك أننا نفهم من بعض النصوص ان العلماء والمنجمين "أي الفلكيين" لن يتمكنوا من إعطاء تفسير لنار المشرق، طبعاً على مستوى علمي وعالمي.

هذا يعني انه يطرق النظام بشكل مفاجئ ومثل هذهِ الحالة لا تحدث الاّ في ظرف خاص هو انّ جهة مجيئة هي نفس جهة الشمس بالنسبة للأرض. أي ان الأرض تكون في القوس الأبعد فالشمس تقع بين الأرض والمذنب في أول دخوله النظام ثم يدور حول الشمس بقوس مقترباً من الأرض .. فلا يرى في هذهِ الحالة قط في أي مكان من العالم وفي نقطة الاقتراب الأولى ينبثق عمود النار من جهة المشرق. ولا يُرى سوى ذلك عند حصول الخسوف الغريب للقمر في اول ليلة من الشهر العربي ولن يُرى المذنب نفسه الاّ بعد ايام وكل ما يرى في الأيام الأولى هو عمود من نار يعلوُ.

فأن قلت ان النص ذكر (تقّلب المذنب في صفر وربيعين أو رجب)، فأقول أننا أخذنا من هذا النص التسمية (نجم الآيات) للدلالة على كونه المسبب للآيات اللاحقة امّا تقلبه مع الترديد ما بين صفر إلى رجب فيمكن تفسيره ان تلك الرؤية في أول دخوله النظام الشمسي.

ب. طول الأيام وقصرها وركود الشمس، العلامات (4،5،7) هذهِ العلامات الثلاثة جميعها في تفسير واحد فرعي على المذنب لأنها واقعة بقانون واحد.

فطول الأيام والليالي وقصرها راجع إلى دوران الأرض حول نفسها وسرعة هذا الدوران. وركود الشمس هو الآخر مردّه إلى حركة الأرض حول محورها - لأن ما نراه من حركة للشمس هي في الواقع جراء حركة الأرض حول محورها - فحركة الشمس (النسبية) هذه هي عينها حركة الليل والنهار وسرعتها هي التي تحدد طولهما وقصرهما.

ومن هنا قلنا ان المرويات بشأن هذهِ الظواهر لا تقع تحت القاعدة الفقهية من (تعارض الأخبار) بل هي حقائق علمية تقع سوية في تتابع منظم.

لو أخذت كرةً معدنية ممغنطة تدور على محور حر الحركة قليل الاحتكاك ما أمكن لتمثيل الأرض ودوَّرتها على محورها عدة مرات مقربّاً منها مغناطيس ذي فيض مقارب للكرة يمثل المذنب فأنك ستجد ان سرعة الدوران احياناً تزداد وأخرى تقل في اوضاع معينة، وهناك وضع معين تتوقف فيه الكرة عن الحركة بشكل مفاجئ حينما تختلف الأقطاب وتنافر وهي بمسافات متساوية فيكون عزم الدوران صفراً.

وإذا كان المغناطيس قوياً بما يكفي والكرة ذات كتلة واطئة والاحتكاك ضئيل فأنه ربما تمكن من زحزحتها وتدويرها مرة أخرى من حال التوقف لكنك بالطبع لا تستطيع جعل الاحتكاك صفراً كما هو الحال في الكواكب، الحقيقية.

ان ما يحدث بإذن الله هو ان المذنب يحوّل واقع الأرض إلى واقع آخر مختلف تماماً - زاوية ميل جديدة ومشرق ومغرب جديدين بل ومدار آخر حول الشمس.

ان الكواكب تتحرك بالاستمرارية، وهي لا تغير مجاريها الاّ بتأثير خارجي حسب قوانين (كبلر) لحركة الكواكب.

عندئذ تستمر في الحركة الجديدة التي وقعت تحت تأثير الجرم الخارجي إلى الابد ما لم يؤثر جسم خارجي أو قوة خارجية وهكذا. إذن فحدوث تغير كوني تحت تأثير نجم يطرق النظام هو أمر مُحتمل علمياً.

ان بقاء الأرض بهذا الواقع الراهن من غير اصطدام بمذنب من المذنبات المعروفة هو بحد ذاته أمر عجيب. فمن شأن ملايين السنين من الدوران - ووجود أربعة مذنبات في الأقل مكتشفة وبدورات قريبة مثل (تومسون 4860 سنة وهالي 76 سنة ولكياسكي 880 سنة وإنك 3.3سنة) - من شأن ذلك ان يزيد من احتمالات التصادم زيادة هائلة. لقد شوهد (إنك) للآن اكثر من 60 مرة يقطع مدار الأرض ولا يعبر مدار المشتري، والأرض تدور حول الشمس بزمن مقداره سنة واحدة، ومن شأن هذا الاختلاف ان يزيد من احتمالات التصادم - فكيف لو تم حسابه على عمر المجموعة كلها؟

لقد أرادت النصوص المأثورة ان نفهم هذهِ الحقيقة وان تؤمن بأن الله تعالى القادر على كل شيء = قد أخرج الأرض سالمةً ملايين السنين من هذا الدمار المحتمل وقوعه كل حين - وان ذلك لا يحدث الاّ بأمره ومشيئته وتقديره.

لقد أكدت آيات (الحفظ) على حفظ السماء الدنيا - وهي سماء الأرض بالخصوص - كما سنبرهن عليه في مبحث آخر - من مختلف أوجه الفساد والتدمير / أمر مقصود ومدّبر. "يدبّر الامّر من السماء إلى الأرض".

"فسواهن سبع سماوات واوحى في كل سماء أمرها وزيناّ السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً".

لكن المسلمين لم يبحثوا علمياً في أوجه الحفظ وكيفيته بل ولا لغوياً بالمقارنة بين الآيات تلك ولا سواها من المواضيع - فقد اتخذ القوم "هذا القرآن مهجوراً" واكتفوا بإفهامنا ما يمكننا ان نفهمه وهو ان الله تعالى تكفّل بحفظها.

ولا يمكننا الآن الخوض بالتفاصيل والعلاقة بين الحفظ والمصابيح مثلاً. ونحن بصدد الحديث عن موضوع آخر فنقول ان أخراج الأرض سالمة من احتمالات التصادم وإبقاءها لتحقيق الاحتمال العجيب البالغ الضالة وهو نقلها إلى واقع آخر أفضل من هذا الواقع بنجم مذنب ربما لم يّمر من هنا من قبل ابداً وعمر دورته هو عمر الكون كله هذا الحادث نفسه هو امرٌ مدبر لتحقيق وعدٌ الهي واثبات حق رباني مرتبط بأجل السموات والأرض "وما خلقنا السموات والأرض الاّ بالحق واجلٍ مسمى".

هل يمكننا معرفة أيهما أسبق تطاول الأيام أم قصرها، لنحدد بالتالي كيفية حصول التأثير الجذبي؟

نعم تستطيع ذلك: فهناك النصوص التي ذكرت تطاول الأيام والسنين كنظام جديد ثابت يأتي بديلاً للنظام الحالي. كما في هذا النص:

في كتاب إعلام الورى: ذكر الخشعمي ان الصادق (ع) اخبره بطول الأيام والليالي في دولة القائم (ع) قال قلت له جعلت فداك وكيف تطول السنون قال: بأمر الله الفلك باللبوث وقّلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون"(1).

وعليه فأن الطول الحاصل في الأيام والسنين هو النظام الثابت وبالتالي يكون قصر الأيام والليالي أسبق وهو حال طارئ متعلق بفترة مرور المذنب إذن سيكون التحليل العلمي لذلك على هذا النحو، ننقل المقطع الخاص بالأرض من الرسم السابق ونكبرهّ للتوضيح:

أولاً: من الموقع A إلى 1 يحدث تجاذب بين الأقطاب يؤدي إلى سرعة دوران الأرض حول محورها.

ثانياً: من الموقع 1 إلى 2 يحدث انخفاض في شدة التجاذب يؤدي إلى عودة السرعة إلى ما سبق - (سرعتها الاعتيادية) - واستمراراً في الانخفاض، بسبب اختلاف الزوايا والاتجاهات حتى تبلغ الصفر في النقطة 2.

ثالثا: في الموقع (2) ستتوقف الأرض تماماً عن الحركة للتقابل بين الأقطاب وصيرورة المذنب في وسط المسافة عمودياً على الخط الواصل من المذنب إلى خط الاستواء.

وستكون تلك اقرب نقطة يصلها المذنب بالنسبة للأرض توقف الأرض يؤدي إلى توقف الشمس بطبيعة الحال وهو المذكور باسم "ركود الشمس من الظهر إلى العصر".

هذهِ الفترة كافية - وهي عدة ساعات - لتتجاوز الكتلة الرأسية للمذنب فيها الموقع العمودي.

وإذا تحرك من النقطة 2 إلى 3 ماذا يحدث؟ هل ستعود الأرض إلى حركتها السابقة؟ هذا محال حسب قواعد كبلر. هل ستبقى متوقفة؟ هذا يصح إذا فقد المذنب جاذبيته فجأة وهو أمر غير معقول إطلاقاً. هل تدور بالعكس: هذا هو الصحيح! فبعد ان أسرعت ثم تباطأت ثم توقفت فالمرحلة الرابعة تستدعي الدوران المعكوس لانعكاس الأقطاب.

إذن سيتبع توقف الشمس رجوعها إلى المشرق - نهاراً - واما الذين هم في الجزء المظلم من الأرض فلن تطلع عليهم الشمس من المشرق - بل ستظهر من المغرب بعد ليلة طويلة مرعبة وخانقة.

هذهِ الليلة الفاصلة هي أعظم ليلة في التاريخ البشري وسوف تجد لها ذكراً وتفصيلاً في القرآن يأتيك في موضعه من البحث القرآني.

ج‍. خسوف القمر وكسوف الشمس خلاف العادة:

قد ذكرنا التفسير العلمي لذلك. فالقمر يمكن ان يخسف في أول ليلة وهو شيء لم يحدث قط في تاريخ الأرض، وذلك عند اقتراب المذنب في المرحلة الأولى.

يتبع ذلك كسوفات للشمس متعددة وجزئية ومن الواضح جداً خلال الرسم التوضيحي ان الكسوف التام يمكن ان يكون بل لابد ان يكون في وسط الشهر.

وحينما يقطع المذنب المنطقة (من 2 إلى 3) فان القمر يكون قد دار إلى الجهة الثانية وسيلقى بظله عليه وعندها ينكسف القمر كسوفاً غريباً في آخر الشهر وتحديداً ليلة الخامس والعشرين، والذي يسمى (خسوف القمر).



هناك سؤال آخر بالغ الأهمية: متى يحدث توقف الأرض عن الحركة؟

قد يبدو لأول وهلة ان ذلك يحدث في وسط الشهر مادام المذنب يقطع هذهِ المنطقة كلها بحدود الشهر. هذا صحيح لو كانت الأرض بمحور عمودي لا مائل أما في هذا الوضع فأنك تلاحظ أن الخط العمودي على الاستواء يمر بمنطقة قريبة من كسوف القمر آخر الشهر أي قبل يوم 25 بمدّة يسيرة يومين أو ثلاثة.

هل يتم ركود الشمس في يوم 23 ومن شهر رمضان مثلاً؟

لقد أكد المأثور الشيعي بالخصوص على هذا اليوم واعتبر هذهِ الليلة هي ليلة القدر وفي فجرها ينادي باسم المهدي الموعود (ع) ومعلوم انه في فجر هذهِ الليلة المرعبة ستطلع الشمس من مغربها. ومرة أخرى نرى التوائم بين التكوين والتشريع - بين الإمام والشمس بين ظهوره وطلوعها من مغربها.

ان ملاحقة مفردة (الشمس) و (افولها) في القرآن لا يعني سوى ذلك الأمر بيد اننا لا نستطيع اعلان كل ما نعرفه مع امّة تتدبّر كتاب الله.

د. الصوت أو الهدّة:

كيف يمكننا ان نفسر حدوث الصوت أو الهدةّ؟

علينا أولاً معرفة طبيعة الصوت: انه ترددات موجية تنتقل بالهواء فقط وبغير هذا الوسط أو ما يشبهه فانها لا تنتقل بالفراغ مطلقاً.

ان المذنب بعيد رغم ذلك، إذ لا يعقل ان يمر بالغلاف الغازي. وهل في الذنب صوت؟ الحق ان في المذنب نافورات نارية نافثة للغازات المحترقة والدوي الذي فيه لو قدّر وصوله لهدّ اركان العالم، لكنه لا ينتقل بالفراغ. ان الدوّي مستمر من الرأس إلى الذنب والذنب طويل جداً ربما يصل إلى 200 مليون كم. والذنب متجه باتجاه عكس الشمس، أنه متجه نحو الأرض (انظر الرسم).

من المؤكد انه يخبط حافة الغلاف الغازي للأرض في الأقل ان لم نقل يدخل الغلاف نفسه وتسقط بعض صخوره على الأرض وفي ذلك تجد المأثور يؤيدنا تأييداً تاماً.

إذ بامكاننا ان تضيف "قذف ومسخ" من أنَّ القذف هو قذف بالحجارة. لانّ مكونات الذنب من صخور وغازات اغلبها الامونيا الخانقة، فمن الممكن دخول جزء من الذنب جو الأرض. اما بشأن الدخان "يوم تأتي السماء بدخان مبين" فقد حدد في المأثور الأمامي انه من علامات المهدي (ع) لا القيامة. قبل الظهور يغشى الناس دخان وعندها يؤمنون بألسنتهم دون قلوبهم "يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب اليم. ربنا اكشف عنا العذاب انا مؤمنون انا كاشفوا العذاب قليلاً انكم عائدون. يوم نبطش البطشة الكبرى انا منتقمون"(1).

وسوف تلاحظ في البحث القرآني علاقة سورة الدخان بالمهدي (ع) بجميع الفاظها المستخدمة. لقد أكد المأثور على ضرورة تلاوة السورة في ليلة الجمعة (حيث يوم الظهور المتوقع)، وعدا ذلك نجد الصوت أو الهدّة نفسها في مأثور السنة تحدث يوم الجمعة وفي شهر رمضان. والسؤال هو في أي يوم تحدث الهدّة من ايام الشهر؟

من الواضح اننا بحسب الفرض السابق فأن الذنب لا ينتظر إلى يوم 25 ليخبط الأرض. انه يصل إلى حافة الغلاف الغازي قبل ذلك. ولما كان الغلاف الغازي له شكل مفلطح كشكل الأرض فأنه يضرب الهواء ويخرج من بعد حين وبسرعة. وفي لحظة اتصال الذنب بالهواء الأرضي ينتقل الصوت الذي يعتقد (كل قوم انه وقع في ناحيتهم) حسب تعبير الحديث الشريف.

عن نعيم في الفتن عن أبي هريرة قال "في رمضان هدّةٌ توقظ النائم وتخرج العواتك من خدورها"(1).

وعن شهر بن حوشب قال بلغني ان رسول الله (ص) قال: يكون في رمضان صوت وفي شوال مهَمهةٌ"(2).

وفي نص آخر سمي هذا الصوت (بالصيحة). وحُددّ يومه وهو يوم الخامس عشر من رمضان:

"..قلنا وما الصيحة يا رسول الله قال هذهِ في النصف من رمضان يوم الجمعة ضحىً وذلك إذ وافق شهر رمضان ليلة الجمعة فتكون هذهِ توقظ النائم وتخرج العواتك من خدورهن"(3).

ولكننا نلاحظ ان هناك توافقاً تاماً للاحداث مع الجمعة فعندما يوافق يوم الجمعة شهر رمضان - أي اليوم الأول وفيه الخسوف الغريب للقمر يكون يوم الخامس عشر جمعة أيضاً وفيه الصيحة ويكون ليلة الثالث والعشرين ليلة جمعه ايضاً وهي ليلة طلوع الشمس من مغربها.

فالتوافق لا يحدث بين الآيات والعلامات نفسها بل بين الأحاديث المختلفة ايضاً كما رأيت.

وفي نص آخر سميت الهدّة باسم آخر هو (الرجفة) وحددت على أنها في شهر رمضان ايضاً - وذكر انهم رأوا شيئاً شبيهاً بذلك على اثر مذنب فقال: "كانت رجفة أصابت أهل دمشق في أيام مضين من شهر رمضان فهلك اناس كثير ... إلى ان قال:

فذكرت ذلك لشيخ قديم عندنا فقال: ليس هذا النجم المنتظر. لقد أكدت الأحاديث على وقوع الصوت - ولا تعثر على تفسير لهذا الصوت يطابق الآيات والعلامات المتتابعة الاّ هذا التفسير حيث لم تذكر اية صفة أخرى لهذا الحدث.

نعم ربما التبس الأمر على بعض الباحثين فلم يميزوا بينه وبين الصوت السماوي في فجر الثالث العشرين من رمضان.

حيث سُمي هذا الصوت على الأغلب بـ (النداء) - ولكن في بعض النصوص ورد باسم الصوت لكنه ميزّ بالإضافة إلى المنادي فكان واضحاً وضوحاً كافياً.

وما زاد الالتباس على بعض الباحثين ورود النداء باسم (الصيحّة) وكانت العوامل النفسية والمذهبية ذات اثر بالغ في اختيار الألفاظ اهتم أهل السنة على الأغلب بإخراج احاديث الصوت الذي هو الهدّة، لتجنب ذكر المهدي (ع) ولتجنب ذكر النداء في الليلة الثالثة والعشرين باسم المهدي من قبل جبرائيل (ع).

بينما اهتم المأثور الشيعي بالتركيز على ليلة القدر والنداء باسم المهدي فحدث تبادل بالتسميات وإذا أردنا تحكيم القرآن - فانّا نلاحظ ان (الصيحة) دوماً هي نداء جبرائيل (ع) في الأمم - انذاراً بالهلاك أو اهلاكاً.

وامّا هذا النداء المنتظر فورد في القرآن بهذين الاسمين "الصيحة" والنداء: "يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج" وفي القرآن ثلاث صيحات مرتقبة لم يميزوا بينها بل فسرت جميعاً على أنها في يوم القيامة.

في هذهِ الآية ورد نص عن الائمة انه يوم الخروج - خروج المهدي (ع) تحديدأً وهناك موضع آخر للالتباس عند ملاحظة اللفظ القرآني.

فالنداء ذكر ايضاً في القرآن كأمر مرتقب، لكن يقُصد به النداء بين مكة المكرمة والمدينة والذي يأتيك في حوادث الظهور عند وقوع الخسف في اكمال الدين عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال "الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان"(1).

لقد اعتبرت الصيحة (بمعنى نداء جبرائيل (ع)) في المأثور الإمامي احدى خمس علامات محتومة:

ابن حنظلة عن ابي عبد الله (ع)

"خمس علامات محتومات اليماني والسفياني والصيحة وقتل نفس زكية والخسف بالبيداء"(2).

هذا الحديث يحمل نفس التسلسل التاريخي لحوادث الظهور لكنه لا يتضمن اية علامة كونية - لأن الخسف يحدث بأمر جبرائيل (ع). والصيحة في هذا الحديث هي النداء باسم المهدي لا الصوت.

وقد تسأل فأين ذكر الصوت في المأثور الإمامي ليمكن التمييز؟ لقد ذكر اكثر من مرة في اكثر من حديث - باستخدام الألفاظ الدالة على ذلك مثل توقظ النائم وتقعد القائم...الخ.

ويراد بهذهِ التعابير كل المعاني لا المعاني الظاهرة وحسب.

"قال .. وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان وتخرج الفتاة من خدرها"(3).

ويراد بالنائم هنا عدا النائم الحقيقي - وهو الأهم - الرجل المؤمن: " ستكون فتن لا ينجو منها الاّ النوّمة".

حيث يتهيأ للمشاركة في هذا الطور. اما اليقظان فهو ابن الدنيا وكذلك القائم (الذي يقعد) كما في نص آخر فهو كل قائم بالأمر من ملك ورئيس وأمير وكل جبار حيث يسقط هؤلاء إذ لا قائم مع القائم بالحق، وحيث لن يتمكن أحد من فعل شيء حيال الاحداث الكونية التي لا طاقة لهم بها.

لقد عرفنا ان (الصوت) استخدم في المأثور الإمامي لا للتعبير عن الهدّه بل عن نداء جبرائيل (ع) - هذا حديث آخر يثبت ذلك:

عن ابي عبد الله (ع) قال لأبن ابي يعقوب: "امسك بيدك - هلاك الفلاني وخروج السفياني وقتل النفس وجيش الخسف والصوت قلت وما الصوت أهو المنادي قال نعم وبه يعرف صاحب هذا الأمر"(1).

إذن فالصوت عند أهل السنة تقابله (الفزعة) في المأثور الامامي. اما المنادي فذكر بشكل محدود عند أهل السنة كما في هذا اللفظ: فرائد السمطين عن ابن عمر قال رسول الله (ص) "يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه" وذكر ابن نعيم طرقاً للحديث وقال هذا حديث حسن روته الحفاظ كالطبراني وغيره. رواه صاحب نور الابصار ايضاً بلفظ: "وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا خليفة الله فاتبعوه". وقال في البرهان وعقد الدرر "والنداء يعم الأرض يسمع أهل كلِ لغة بلغتهم. كما روي في اسعاف الراغبين في (137). وذكره الديلمي في الفردوس(2). في هذهِ الأحاديث حاولوا تجنب التصريح بأسم الملك (جبرائيل) عليه السلام, ويظهر من احاديث أخرى ان نداء جبرائيل (ع) هو الآخر مفزع وليس الصوت أو الهدّة وحدها. إذ استخدمت نفس الالفاظ المستخدمة في الهدّة لوصف النداء.

الطوسي في الغيبة عن محمد بن مسلم البشارة بألفاظ متقاربة عن الحسين بن علي عليهما السلام:

"إذا رأيتم ناراً من المشرق ثلاثة ايام أو سبعة فتوقعوا فرج آل محمد ان شاء الله ثم قال ينادي منادي من السماء باسم المهدي فيسمع من بالمشرق والمغرب حتى لا يبقى راقد الاّ استيقظ ولا قائم الا قعد ولا قاعد الا قام على رجليه فزعاً فرحم الله (عبداً) سمع ذلك الصوت فأجاب فان الصوت الأول صوت جبرائيل روح الأمين"(3).

ذكر الحديث كما ترى ان نداء جبريل (ع) هو الآخر مفزع يوقظ الراقد ويقعد القائم وسماّه بالصوت ايضاً.

ان الفزعة التي في وسط الشهر كما يبدو هي للتمهيد لهذا النداء والذي هو مفزع ايضاً، ولكن الفارق بين الصوتين هو ان الهدّة مفزعة ومؤثرة تأثيراً مادياً في المباني والمنشآت وتراكيب الأذن امّا صوت الروح الأمين فهو مفزع للقلوب والنفوس.

وعلى ذلك دلّ أحد النصوص على ضرورة الاحتياط من الصوت بالتدثر وسدّ الأذنين واغلاق المنافذ، ولما كان هذا النص قد روُى عن طرق السنة فقد يتطرق اليه الاحتمال في الوضع لغاية هامّة هي التوصية بعدم سماع الروح الأمين، لكن هذا الشك ليس في محله اولاً لأنه من أحاديث أبي نعيم الذي أخرج أحاديث المهدي (ع) صريحة بارتياح تام وثانياً لأنه يحدد يوم الرجفة على انه الخامس عشر من شهر رمضان بينما النداء في الثالث والعشرين ولو كان النص قد وضع لهذهِ الغاية لأمر بفعل ذلك في فجر الثالث والعشرين هذا هو النص:

"قال: قلنا وما الصيحة يا رسول الله (ص)؟ قال: هذه في النصف من رمضان يوم الجمعة ضحيً وذلك إذا وافق شهر رمضان ليلة الجمعة فتكون هذهِ توقظ النائم وتقعد القائم، وتخرج العواتك من خدورهن في ليلة جمعة فإذا صليتم الفجر من يوم الجمعة فأدخلوا بيوتكم وأغلقوا أبوابكم وسدوا كواكم ودثروا أنفسكم وسدوا آذانكم فإذا أحسستم بالصيحة فخروا لله سجداً وقولوا سبحان القدوس ربنا القدوس فأنه من فعل ذلك نجا ومن لم يفعل ذلك هلك"(1).

ويحتاج النص عدا ذلك إلى دراسة أوسع. تكرار عبارة (في ليلة جمعة) بعد خدورهن وقبل فإذا صليتم يحدث التباساً ما لم نعتقد انه في حال كونه الصوت يحدث (ضحىً) بالنسبة للمنطقة الإسلامية حيث المتكلم والسامع فأنه يكون ليلاً في مكان آخر. وعليه فأنه يوجد في كل الأرض الكروية الشكل نائم وقاعد معاً في زمن واحد.

ومنه يمكن تحديد ان الوقت عند الصيحة في (الحجاز) قصراً سيكون ضحىً وعليه يمكن معرفة وقته في جميع أنحاء العالم.

ويظهر من النص هلاك اكثر الماس - إذ لا يُحتمل ان يعمل بهذهِ التوصية الاّ الاقلية. ولكن هذا الاعتقاد يتضاءل عند تذكر ان الصوت له هذا الأثر في المنطقة المواجهة فقط وهي التي تكون مقابلة للذنب - وهي بالطبع نفس منطقة الذين قدّم لهم النص هذهِ التعليمات - حيث امرهم ان يفعلوا ذلك بعد ان يصلوا الفجر وحدّد لهم زمن الصوت انه (ضحىً) وعليه فان الوقت الاضافي للاحتياط ليشمل المنطقة المواجهة كلها وهو بحدود أربع ساعات أو اكثر كمعدل لمعنى الضحى بين الصيف والشتاء.

ومنه نعلم ان النص - متناسق في داخله تناسقاً علمياً - لا يحتمل صدوره ممنّ هو دون المعصوم (ع).

وعدا ذلك فهناك سؤال آخر حول المعنى اللغوي أو القرآني للصيحة - غير المعنى العلمي. من الواضح ان الصوت يحمل على ايّ صوت صادر من مصدر ما - فإذا كان مفهوماً فهو كلام. وإذا كان الصوت شديداً فهو (صيحة) وإذا كان مفهوماً فهَو (نداء) - ومن هنا نستطيع التحديد الدقيق وإزالة الالتباس.

فحينما يريد المعصوم التأكيد على ضرورة إطاعة المنادي يسميه (الصوت) (رحم الله عبداً سمع ذلك الصوت فاجاب".

لذا أجاب حينما سئل وما الصوت أهو المنادي قال نعم.

إذن فالصيحة هي صوت شديد غير مفهوم - وبهذا المعنى وردت في النصوص الأمامية. والخلاصة: ان الصيحة التي توقظ النائم وتقعد القائم وتخرج الفتاة من خدرها هي في الواقع صيحتان إحداهما الصوت المدوي الذي يفترض انه بسبب تماس ذنب الكوكب المذنب مع الغلاف الغازي ووقوعه في النصف من شهر رمضان والثاني هو نداء جبرائيل (ع) وزمنه في فجر الثالث والعشرين من شهر رمضان.

السؤال الهام الأخير هنا هل وقوع الصوتين في شهر رمضان واحد أم في شهرين مختلفين في الأعوام؟

هذا ما سنوضحه في العلامات الاجتماعية.

ه‍. خسوف القمر في الخامس والعشرين من الشهر العربي.

في نص آخر ان هذا الخسوف تحديداً هو في شهر رمضان ايضاً، مما يدل على تأييد الأحاديث بعضها بعضاً - كونها ظواهر كونية متتابعة من مُسبب واحد. ذلك النص هو ما ذكره النعماني في الغيبة عن أخ الكميت (الشاعر كما يبدو) عن الباقر (ع) قوله "ان بين يدي هذا الأمر انكساف القمر لخمس بقين والشمس لخمس عشرة وذلك في شهر رمضان.."(1).

وهذا التحديد مفرح جداً لكل باحث - إذ يستحيل تفسير حدوث خسوف للقمر قبل النصف بل والى ما بعد الثالث والعشرين ولو مع وجود المذنب.

وذلك لكي تتمكن من السير في الفرض قدماً علينا ان نعتقد ان ظلّ المذنب لا يمكن ان يسقط على القمر الاّ في الأيام الأخيرة من الشهر.

وعند وضعه على الرسم التوضيحي - بالترتيب المعروف علمياً فأنه لا يكون هذا الخسوف محتملاً الاّ في يوم 25 وما حوله، لو قسمت مدار القمر بدقة على الأيام وحددت المراحل الأولى فلن تقع هذهِ الظاهرة الاّ في هذا اليوم تحديداً - لتقع الظواهر الأولى مطابقة مع هذا الحدث ومطابقة لتقسيم المدار فأنتبه لهذهِ المسألة البالغة الأهمية والتي تركنا الخوض في تفصيلها تجنباً لمللكم.

إن المذنب هو نجم شمسي يسير باتجاهه وهو يؤثر في الأرض ولا يتأثر بها كثيراً لأن قوة جذب الشموس اكبر بكثير من قوة الكواكب الباردة.

و. استدارة الفلك والنجوم والقمر

ان ملاحظة هذهِ العبارات بدقة تبين بشكل لا لبس فيه انها عين الظاهرة التي تقول بطلوع الشمس من مغربها‍!

فإذا طلعت الشمس من مغربها فقد استدار الفلك واستدارت حركتها والتي هي في الواقع استدارة حركة الأرض المحورية وبها يستدير جميع ما يُرى في السماء لقد رأينا ان حركة الأرض بعد (ركود الشمس) أي بعد توقفها عن حركتها المحورية لا يكون الاّ معكوساً بحسب القوانين الفلكية.

إذ نص القانون على [بقاء أي جرم في حركته المعتادة ما لم يؤثر عليه مؤثر خارجي].

وحينما مرّ المذنب - بحسب الفرض - وابطأ الحركة المحورية ثم اوقفها تماماً عندما تعامد خطه على خط الاستواء فأنه يستحيل عودة الأرض إلى حركتها السابقة أو بقاءها متوقفة - فسير المذنب بنفس الوجهة سيؤدي إلى دورانها بشكل معكوس.

هذه تجربة من خيالنا لتوضيح الأمر:

لتكن لديك كرة معدنية خفيفة ممغنطة أو قابلة للتمغنط طافية في حوض ماء بخفة كبيرة مرَّر مغناطيسي شديد الجذب قريباً من الكرة. حاول تدويرها على نفسها باتجاه معين وبعكس ذلك الاتجاه بتغيير حركة يدك الماسكة للمغناطيس. ستراها تدور بالاتجاه الذي تريد.

لو كانت ممغنطة أصلاً فأن تغيير الأقطاب في يدك سيعوضك عن كثير من الحركة والقرب. تتمكن أيضاً من جرَّها إلى الجهة التي تريد وهذهِ العملية بالغة الأهمية .. لأنها جزء مما يفعله المذنب الموعود في الأرض إذا دورت الكرة في التجربة أعلاه بيدك فيمكنك تسريع أو توقيف الحركة بتغيير الأقطاب والاتجاه للمغناطيس الذي بيدك.

ان قانون الفلك أكد على (استمرارية) النظام على ما هو عليه قبل المؤثر وبعده فلا توجد قوة بمقدورها (هدمّ) النظام الكوني أو (تحطيم) أو تخريب بل كل ما يفعله المؤثر الخارجي هُوَ إخراج كوكب من مدار إلى مدار آخر أو تدوير بحركة معكوسة أو تصادم تكون نتيجته في النهاية إستقرار المتصادمين في وضع جديد.

وإذن فلا يحدث خلل أو فساد في النظام الشمسي عند حدوث تغيير في طبيعة النظام بل ما يحدث هو التحول من نظام إلى نظام آخر (يحيي الأرض بعد موتها) وهو عين ما ذكره الحديث في المحاورة التالية بين أبي بصير والإمام أبو بصير عن أبي جعفر الباقر (ع) قال:

"...ولا يترك بدعة الاّ ازالها ولا سنة الا اقامها وبفتح قسطنطنية والصين وجبال الديلم ويمكث على ذلك سبع سنين كل سنة عشرة سنين من سنيكم هذهِ ثم يفعل الله ما يشاء قال قلت له جعلت فداك وكيف تطول السنون؟ قال بآمر الله الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الأيام والسنون. قال قلت انهم يقولون ان الفلك ان تغير فسد.

قال: ذلك قول الزنادقة فامّا المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك وقد شق الله لنبيه القمر وردت الشمس ليوتع بن نون واخبر بطول يوم القيامة وان كألف سنة مما تعدون"(1).

ز. سقوط حساب السنين وبدء حساب الشهور والأيام

ان النصوص التي دلت على ذلك هي بالغة الأهمية لأنها تؤكد مرّة أخرى على التغير في النظام الأرضي.

هذهِ الظاهرة هي الأخرى التبست على البعض كما يبدو إذ لم يميزوا بينها وبين ظاهرة أخرى مشابهة في الألفاظ هي في النص "ويذهب ملك السنين ويكون ملك الشهور والأيام" ان الظاهرة الأخيرة جاءت في معرض الحديث عن الظواهر الاجتماعية والسياسية وليست التغيرات الكونية. وتضمنت عبارة (ملك) بدل (حساب).

ان الملك هنا يعني السيطرة على السلطة. ففي المشرق وتحديداً في العراق يحكم شخص يمهدّ لظهور السفياني ويكون عقدة الرباط لأنظمة الطغيان في كل العالم وهو ما يأتيك بيانه المفصل في العلامات السياسية.

وجاءت تلك العبارة عن زوال ملك السنين للدلالة على عدم استقرار الوضع السياسي بعد هلاك تلك الشخصية والتغيرات السريعة التي تحصل في النظام الحاكم وهو ما نسميه باللغة المعاصرة (كثرة الانقلابات).

هذا النص هو ما ذكره الطوسي في الغيبة نأخذ منه الحاجة:

"إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد ولم تنساه هذا الأمر دون صاحبكم ان شاء الله ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيام فقلت يطول ذلك قال كلا"(1).

ان هذهِ الظاهرة مختلفة اختلافا كلياً عن ظاهرة سقوط حساب السنين وبدء حساب الشهور - لأن المقصود هنا الحساب باعتباره حساب الزمن بالتقويم المرتبط بالنظام الشمسي ودوران الأرض. يكون سقوط الحساب الحالي طبيعياً إذا كانت كل سنة من النظام الجديد تساوي عشر سنين من النظام الحالي فأن الشهر - كنسبة يصبح مقارباً للسنة الحالية أي بحدود عشرة أشهر. وإذن فالحساب لأبد أن يتغير ليكون بالشهور والأيام.

إن إعطاء تصوّر محدد لذلك النظام هو في غاية الصعوبة لا لقلة المعطيات المذكورة في المرويات بل لقلة معلوماتنا الخاصة عن النظام الشمسي.

أن التعبير عن هذا الحدث بمختلف التعابير إنما هو لأنه ظاهرة واحدة فأن حركة الأرض المحورية إذا انقلبت - وهي الآن اصطلاحاً عكس اتجاه عقارب الساعة - فطبيعة الحال سيستدير القمر والنجوم والشمس وكل ما نراه في السماء فيشرق من المغرب ويغيب في المشرق.

إن هذا الأمر سيحقق وجود مشرق ومغرب جديد للأرض في فلك آخر - وسيكون في تاريخ الأرض مشرقين ومغربين ان اشهر النصوص بشأن استدارة الفلك والنجوم هو ما ذكره أمير المؤمنين علي (ع) في الخطبة في العبارة الشهيرة:

"فإذا استدار الفلك قلتم مات أو هلك في ايّ واد سلك.." (1).

وجاءت نفس العبارة تقريباً في نص آخر إذ سأل ابو الجارود الإمام الباقر عليه السلام عن المهدي الموعود (ع) فقال:

"يا أبا الجارود إذا دار الفلك وقالوا مات أو هلك وبأي وادٍ سلك وقال الطالب له انيّ يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فارتجوه"(2) ان النص يدل دلالة واضحة على قوة الهلع الذي يصاب به الناس جراء استدارة الفلك وتغير الأحوال بحيث ان المنتظر للظهور (الطالب له) يفقد يقينه ويرى انه مات أو هلك أو بليت عظامه.

ان استدارة الفلك والنجوم وطلوع الشمس من مغربها هو ظاهرة واحدة وحدث واحدة ولكن الذي أحدث الالتباس هو تصنيف طلوع الشمس كحدث من أحداث قيام الساعة.

ان المنهج اللفظي للقرآن والسنة الموضحة خصائصه في كتاب النظام القرآني يحل هذا الاتكال بالتمييز بين تلك الألفاظ - الساعة قيام الساعة يوم القيامة يوم الدين ...الخ من التسميّات القرآنية.

وسترى قريباً ان هذا التصنيف صحيح لفظاً وإن كانت المفاهيم التي توحي بها تلك الألفاظ في أذهان العامة مخالفة لمفاهيمها الحقيقية.

فالعبارة (قيام الساعة) تعني في المفاهيم العامة (نهاية العالم) بينما هي في المفهوم القرآني بداية المعنى الحقيقي للزمن.

وبمعنى آخر ان الساعة في المفهوم القرآني - بحسب المنهج اللفظي - هي بداية العالم لا نهايته - لأنها بداية نهاية الشرور وبداية الحساب الصحيح للزمان.

لكننا لا نعدم النصوص الدالة على ان طلوع الشمس من مغربها مرافق لظهور المهدوية وطور الاستخلاف نجاحه في المأثور الأمامي.

ومن هنا يمكن تصحيح جملة الأخطاء للفريقين معاً. فهناك خط في الأمامية حاول تفسير طلوع الشمس من مغربها تاويلاً انه كناية عن طلوع شمس الإمامة بينما هو طلوع حقيقي كوني متناغم مع طلوع دولة الحق وبداية العد الحقيقي لعنصر لزمان.

وكذلك يمكن تصحيح المفهوم العامّي عن قيام الساعة أو مرسى الساعة من انه ليس سبع سنين أو اربعين سنة بعد ظهور المهدي (ع) فينتهي العالم ... بل هو باق ببقاء السموات والأرض الاّ ما شاء ربك وذلك بإيضاح المعاني الحقيقية لتلك المفردات القرآنية والذي سيأتيك في البحوث اللاحقة.

ويبقى في هذا الملخص سؤال آخر ذي طبيعة علمية هو: هل يمكن ان يحدث كل ذلك ولا يحدث خلل في النظام الشمسي أو الكوني؟

لقد ذكر هذا السؤال نفسه قبل أكثر من ألف ومئتي سنة على ما ورد في المأثور الإمامي, وكانت الإجابة هي نفس الإجابة العلمية المعاصرة بحسب قوانين كبلر ونيوتن والمخالفة بالطبع لعلم الفلك القديم بزعامة بطليموس.

ان مثل ذلك مثل القطع المعدنية المنتظمة في وضع معين على ورقة وتمرر تحتها قطباً مغناطيسياً منتظم بوضع جديد ... على أن النجم الموعود في الحقيقة لا يغير سوى نظام الأرض وحده. أو هذا في الأقل ما نفهمه من المأثور وما نراه فعلاً في المجموعة الشمسية المتباعدة في المسافات بعداً سحيقاً يستحيل معه تغيير كامل النظام بكوكب مذنب واحد.

هناك اكثر من وضع مفترض واكثر من احتمال. منها مثلاً احتمالان رئيسيان يجريان في مجرى الغرض الأساسي ويتحرك مع المرويات:

الأول: ان تبقى الأرض في نفس المدار والنجم المقترب سيغير حركتها المحورية لتكون معكوسة بنفس السرعة ويبطئ حركتها في المدار إلى عشرة اضعاف.

هذا الفرض سيؤدي إلى ان تصبح السنة بعشر سنين والأيام نفسها والفلك يكون قد استدار.

لكن النص السابق أشار إلى تغير الأيام أيضاً (فتطول الأيام لذلك والسنون".

إذن في داخل هذا الاحتمال يمكن ان نضع لفرضاً بشكل آخر هو إبطاء الحركة المحورية أيضاً فتطول الأيام. وهنا تواجهه مشكلة علمية وهي ارتفاع درجة الحرارة كثيراً في الجزء النهاري وانخفاضها كثيراً في الجزء الليلي.

هذهِ المشكلة يمكن حلها بالاعتقاد ان زاوية الميل تتغير هي الأخرى بحيث يؤدي ذلك إلى توازن خلاّق يُخرج بركات الأرض والسماء كما ذكرت النصوص.

ويبرز هنا اعتراض محتمل عن عدم الانسجام بين معدل البعد عن الشمس وزمن الدوران مما يؤدي إلى خرق قانون أساسي في النظام الشمسي إذ توجد علاقة رياضية ثابتة بين المتغيرين من الممكن إعطاء إجابة عن ذلك مفادها: ان هذهِ العلاقة الرياضية هي كشف للوضع الذي عليه المجموعة الشمسية - الذي يمثل القوى المتوازنة التي انبثق عنها النظام الشمسي - وليس هو قانون حتمي. ولو كان حتمياً لما أخذ قانون الاستمرارية بعده التام بما في ذلك قاعدة استمرار أي نظام في وضعه الجديد بعد زوال المؤثر.

الثاني: ان يقوم النجم الموعود بسحب الأرض وراءه من مدارها كما تسحب الكرة المعدنية الخفيفة وهي على الماء بقطب مغناطيسي وتتركها في موضع آخر .. فكذلك يتركها المذنب ويذهب في طريقه حيث تستقر في مدار جديد. وبذلك يتغير نظامها كليةً زاوية الميل والبعد عن الشمس وزمن الدوران والدوران المحوري.

ان هذا الفرض هو في الحقيقة الفرض المعوّل عليه. إذ سنجد بعض الإشارات والرموز القرآنية والإنجيلية والأحاديث كما لو كانت تنوّه عنه. وعلاوة على ذلك لا يبرز إزاء هذا الفرض ايَّ اعتراض علمي أو أشكال فلكي يذكر.


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:35 PM   #16
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



الفصل السادس
العلامات الكونية للطّور المهدوي في القرآن


1. طرائق المنهج في البحث
يكشف المنهج اللفظي (الذي اعتمدناه للنظام القرآني) عن العلامات الكونية للطور المهدوي في القرآن لأول مرة في التاريخ الإسلامي.
فلم يذكر أحدٌ من قبل ان العلامات الأثنتي عشرة المارة آنفاً لها صلة بالقرآن أو أن القرآن قد أشار لها. بل ذكروا نزول آيات في هذا الوعد الإلهي المنتظر وحسب، وهي لا زالت موضع جدال بينهم.
ويستطيع المنهج اكتشاف هذهِ العلامات بطرائقه وقواعده المذكورة في (مقدمة المنهج اللفظي) بملاحظته للاقتران اللفظي.
وهُوَ يستخدم لذلك عدة وسائل:
أ. منها ان إلغاء الترادف يستلزم البحث عن الفوارق بين خصائص الأيام المذكورة في القرآن مثل يوم الدين - يوم القيامة. يوم تقوم الساعة ... الخ إذ يعتبر المنهج هذا التغيّر في التسميّات قصديّاً ويتضمّن وجود أكثر من طور في مستقبل العالم. ويجري الأمر نفسه على الجناتّ والعذاب وبقية الألفاظ.
ب. إنه يلاحظ الاقتران اللفظي بين الموارد.
فمثلاً إذ كان ثمة اقتران مستمر بين خصائص معينة بألفاظ معينة مع يوم ما مختلفة عن خصائص أخرى مقترنة باستمرار مع يوم آخر أمكنه التفريق بين الأيام والأطوار وإظهار الخلط المتعمدّ أو غير المتعمد بينها.
ج‍. ومنها إنه يقوم بإجراء تحليل للوقائع التي تأتي في سياق قرآني واحد. فمثلاً ان المنهج إذ ينكر التكرار ويؤمن بوحدة الموضوع في السياق فانه يٌنكر إن تعاد الوقائع نفسها بأسماء مختلفة جديدة لأن هذا من عمل المخلوق الضعيف وليس من صفة كلام الخالق تعالى.
مثال ذلك: ان الوقائع في سورة الانشقاق تبدأ بالسماء "إذا السماء انشقت" والأرض "وإذا الأرض مُدّت".. ثم في آخر السورة يأتي نفي القسم مع وقائع أخرى "فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا انسق لتركبّن طبقاً عن طبق" .. فالمنهج يعتبر الوقائع الجديدة مختلفة زمنياً عن الوقائع السابقة وتحدث في طور آخر. وتمكنه ملاحظة الاقتران اللفظي من الربط بين خصائص الوقائع في السوَّر حيث يتأكد من النتائج بصورة حاسمة.
ومثال ذلك ان سورة التكوير تبدأ أيضا بذكر وقائع بأداة الشرط "إذا الشمس كورّت... وإذا ..الخ" وتنتهي بنفي القسم مع وقائع جديدة "فلا اقسم بالخّنس الجوارِ الكنسّ والليل إذا عَسعس. والصّبح إذا تنفسّ..".
فيربط المنهج بين الوقائع المبدوءة بالشرط (إذا) في جميع السور ويربط كذلك بين الوقائع المبدوءة بنفي القسم في جميع السور ويفرق بين النوعين.
د. يستخدم المنهج طرائقه في التقديم والتأخير المذكورة في كتاب (الحل القصدي) لملاحظة تقديم الوقائع على غيرها خلافاً للاعتباط الذي يؤمن (بالرتبة).
فإنكاره المنهج للرتبة وتركها مفتوحة ومرتبطة بمراد المتكلمّ يجعّل الاقتران فعالاً في كشف مراد المتكلمّ من النص ما دام التقديم والتأخير خاضعاً لغاياته الآنية ومرتبطاً بترتيبه المقصود في كل عبارة وكل نص مستقلاً عن الآخر وهذهِ المسألة بالغة الخطورة أتمنى ان تلتفت لها المدارس النقدية للانتفاع بها في فهم النصوص بدلاً من التخبط الذي هم فيه.
ه‍. تعد ذلك يمكن فهم المأثور والتحقق من صحة النتائج فالمأثور أي (الحديث) يعمل في المنهج على مستويين: الأول إثارة منابع الاقتران وأخذ عناوين بحثية عن النص. الثاني وهُوَ (الارتداد) يقوم الباحث برّد ما حصل عليه من نتائج من النص الإلهي لتعديل رؤيته للحديث!
إن مثل هذا العمل أقول عنه بكل فخرّ انه عملٌ خلاق لم يستطيع الاعتباط اللغوي التوصل اليه بالرغم من مرور ألف وأربعمائة سنة من عمره المديد - قطع الله عمره.
2. تسلسل العلامات في القرآن
رأينا في الفصل السابق تسلسل العلامات الكونية وارتباطها بالمذنب. لقد تضمن التسلسل المذكور فكرة (التتابع) أو ما سمّاه النبي (ص) (بنظام الخرز).
وهذا النظام يشتمل على تتابع عليِّ أي ارتباط الظاهرة الكونية بما يسبقها فإذا وصَلَ المذنّب إلى مقربة من الأرض حَصلَ خسوف للقمر. في أول الشهر العربي ثم تغير في الليل والنهار بسبب التجاذب مع الأرض وتغير سرعة دورانها. وعند وصوله إلى منطقة التعامد مع خط الاستواء تحدث ظاهرة ركود الشمس، والصيحة بمعنى الدوّي أو (الصوت) الذي يُسقط الأبنية العالية ويخرج العواتك من خدورهن. ثم تدور الأرض بعد ليلة الثالثة والعشرين بصورة معكوسة لأنها واقعة تحت زاوية ميل معينة ينقلب فيها التجاذب مع المذنّب في تلك الليلة وتخرج من المغرب فيتغيرّ نظام الفلك الذي سُمّي (باستدارة النجوم أو استدارة القمر).
سيحصل يوم الخامس والعشرين أكبر تأثير على القمر لاقتراب المذنب منه ودورانه حول الأرض خلال هذهِ المدة ووصوله إلى مقربة من خط المذنّب .. ثم تنتهي الأحداث التي ابتدأت بظهور الحمرة في السماء أو النار عند هذا الحدّ وتكون الأرض قد تحولت إلى وضع جديد بمدار جديد وزاوية ميل أخرى.
إذن فالتسلسل هُوَ على نحو ما كالترتيب الآتي:

أننا نفترض ان السياق القرآني لا يذكر العلامات بهذا النحو فهناك ظاهرتان في القرآن يجب علينا الانتباه لهما:

الأولى: ان السياق القرآني سيأخذ ما يلائم الحديث في الموضع المقررّ من العلامات محافظاَ على الترتيب وهو مثل ما يحدث حينما يأخذ فقرات متباعدة من قصص ووقائع الأمم السالفة محافظاً على الترتيب الزمني من خلال الترابط الكلي العام للنظام القرآني.

الثانية: انه ربّما يتحدث عن الظواهر (من فوق) لا من تحت. بمعنى انه يتحدث عنها كونياً وعالمياً لا بالنسبة لأهل المشرق أو المغرب أو غيرهم وهذا يعني انه قد يُعبرّ عن الظاهرة بطريقته الخاصة ولعلّه يجمع أكثر من حادثة وواقعة بلفظٍ معّين محافظاً على الترتيب ضمن النظام العام. إذا أخذنا هذهِ الظواهر في أسلوب القرآن بعين الاعتبار مع طرائق المنهج الآنفة فيمكننا إذن اكتشاف علامات الطور المهدوي في القرآن.

وسأذكر الآن جملة من هذهِ العلامات في قصار السور القرآنية علماً أن ما أذكره هُوَ جزء يسير من تلك الشبكة المحكمة من العلاقات اللفظية.

3. العلامات الكونية في سورة الطارق

بسم الله الرحمن الرحيم:

" والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب. إن كل نفس لمّا عليها حافظ. فلينظر الإنسان ممَّ خلق. خلق من ماء دافق يخرج من بين الصُلب والترائب. انه على رجعة لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر. والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصَدْع. انه لقول فصل. وما هُوَ بالهزل. أنهم يكيدون كيداً. وأكيد كيداً فمهلّ الكافرين. أمهلهم رويدا".

أجواء السورة وغاياتها

سوف نتحدث عن أجواء السورة وحَسب، فلا نتعرض لتطبيق لفظي للمنهج على جميع الألفاظ لأن هذا أمر يطول بيانه كما تعلم.

عن أي شيء تتحدث السورة؟ ما هو محورها الذي تدور عليه؟

إنها تتحدث عن خلق الإنسان من أي شيء وتلفت النظر إليه.. (فلينظر)، ثم تؤكد على رجوعه كما بدأ. عندئذٍ تنكشف السرائر وتبتلى فلا يجد ناصراً.

جاء ذلك بعد حِلفٍ أو يمين بالواو (والسماء والطارق) وحدث إلفات هام على صيغة السؤال هو:

"وما أدراك ما الطارق؟" ثم أجاب: " النجم الثاقب". فلما انتهى هذا المقطع، عاد إلى الحلف مرة أخرى بالسماء والأرض مؤكداً أن هذا القول هو فصل لا هزل. وإنهم يكيدون كيداً والله يكيد كيداً أيضا فمهّل الكافرين..

إن وحدة موضوع السورة تدعونا للنظر في العلاقة بين السماء والطارق وبين رجوع الإنسان إلى الحياة. وتدعونا أيضا إلى التساؤل عن جميع الألفاظ والأفكار.. لماذا هنا يسمّي السماء ذات الرجع ... لماذا الأرض ذات الصدع .. لماذا لا قوة له ولا ناصر .. لماذا هذا اللفظ بالذات (تُبلى) وأين يقع ذلك ومتى؟

وللإجابة على ذلك تذكر الملاحظات الآتية:

أ. ان السورة كلها تقع بين لفظين هما السماء والإمهال (رُويداً) ثمة إذن زمان للإمهال معلق على قضية في السماء وتحديداً مع الطارق.

ب. ويؤكد لنا هذا الترابط بين المُهلة وبين الطارق السؤال المحرضّ على ان نبحث عن العلاقة من خلال توجهيه السؤال إلى النبي (ص): (وما أدراك ما الطارق) ومن خلاله إلى كل سامع.

ثم يُجيب على السؤال: (النجم الثاقب). وكأنما النجم الثاقب معلوم أصلاً للمتلقي الذي هُوَ هنا النبي (ص).

لكنهّ أعطى لهذا النجم الثاقب اسماً جديداً ... ومعنى ذلك انه أعطاه صفة جديدة. ففي الحل القصدي لاحظنا ان تعدد أسماء الشيء الواحد إنما هُي صفات لتعدّد مواصفات وخصائص ذلك الشيء. إنها ليست مترادفات متفقة في الدلالة كما زعَم الاعتباط.

ج‍. إذن فالعلاقة هي بين النجم الثاقب وبين خلق الإنسان وإرجاعه بعد الموت إلى الحياة. إن اقتران النجم أو الطارق بالسماء وبخلق الإنسان يؤكد على أمرَين: الأول: وحدة المنشأ والثاني: الترابط في المصير.

فكان هذا الإنسان إنما خُلَقَ لغاية وان السماء خلقت لنفس الغاية وكلاهما من منشأ واحد. لذلك نلاحظ ان الجنة عرضها السماء. إنها المساحة المؤهلة لاستغلالها من قبل الإنسان والكافر الذي يمهّله في آخر السورة يزعم انه لا ترابط بين الاثنين .. ولا غاية لهما:

"وما خلقنا السماءَ والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنّ الذين كفروا" ص/ 27.

أما المؤمنون فأنهم:

"يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك"آل عمران/191.

ولمّا كانت الغاية تظهر متأخرة في الزمان فاّن الكفرة يقولون نموت ولا نراها .. فحتى لو صحّتّ لا نراها فلنفعل ما يحلو لنا لا ما يُريد الذي يأمرنا.

ومن هنا أكّد على الرجوع "أنه على رجعةِ لقادر".

د. يقولون أيضا: حسناً لنفرض أننا نَرجع فإننا عندئذٍ سنفعل ما يفعل المؤمنون! سنقول ما يقولون ونعترف بما يعترفون به نقول "والله ربّنا ما كنا مشركين" ونطلب من الله الصفح ونعتذر ذلك لأننا لآن تدخل مع المؤمنين ونفعل مثل فعلهم .. فلا يّميزنا أحد. ها نحن الآن نأمر وننهي ونكون علماء في الدّين نفسهِ. فلا أحد يكذبّنا بل الجميع يقدسوننا وينظرون لنا على أننا ورثة الأنبياء وأننا أهل المعرفة!

وتجيب السورة على ذلك: ان كل نفس عليها حافظ يحفظ عليها ما فعلت! وفوق ذلك حينما يتحقق الوعد فالسرائر تُبلى لأن الطبيعة ستعمل على مفاتيح خارجة من السرائر!

بحيث ان المؤمنين يأمرون الأشياء فتذعن لهم: هم يتقدمّون في النعيم وانتم تتخلفوّن إلى العذاب والجحيم هُم يأمرون الأشياء والموجودات وانتم ستكونون جزءً من تلك الموجودات جلودكم تنطق بأمرهم .. وحينما تقولون لجلودكم

"لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء"، قوتكم تضعف ونصر بعضكم يزول فلا (قوة ولا ناصر) لأنكم ستكونون جزءً من الأشياء المستعبدة.

وإذا قالوا: إذن نموت ونرتاح من العناء يقال لهم كلاّ لن تموتوا لأنكم ستكونون مثل الأشياء ... أحياء بعمر الجماد!

ه‍. إذن فنحن نلاحظ ان السورة اعتمدت اسماءً معرفّة بال التعريف (السماء) - (الطارق) - (النجم الثاقب). فهذا التعريف يّدل على أنها معهودة أو معلومة عند المخاطب. النجم الثاقب نجمٌ معلوم له علاقة بهذا الوعد وله علاقة بالقول الفصل وله علاقة بيوم ابتلاء السرائر وله علاقة بأحياء الموتى وإرجاعهم .. لأن السور قد افتتحت به وأكدت عليه وتساءلت عنه!

"وما أدراك ما الطارق! النجم الثاقب"

و. نلاحظ ان هذهِ الوقائع لمجموعها تتحدث عن طور سابق على حوادث القيامة! فحينما يُلغى النظام الكوني (تطوي السماء كطيّ السجل للكتب)أو (ترك الأرض) دكاً دكاً وتسجّر البحار لا يبقى موضوع أو موضع للحديث عن:

السماء - الطارق - النجم الثاقب - الأرض ذات الصدع - السماء ذات الرجع .. يكيدون كيداً ... أكيد كيداً .. قوة .. ناصر! إذ ليسَ في القيامة موضع لهذهِ الألفاظ .. ليسَ هناك كيدُ يكاد ضدهم ولا حديث عن ناصر لهم ولا قوة لهم لأن كل ذلك تحصيل حاصل.

فإذا استعرضت الآيات التي تتحدث عن القيامة ودخول جهنم والتي يأتيك بعضها في المقارنات علمت ان هذهِ السورة بعيدة عن هذا الموضوع .. بيد أنها تتحدث عن نفس الفكرة!

لأن الأطوار كلها إنما هي على فكرة واحدة هي توحيد الله! فالفكرة واحدة والأطوار مختلفة والمراحل متباينة. فلنلاحظ الآن أين تكمن العلامة الكونية للطور المهدوي؟

المذنّب علامة العلامات في سورة الطارق

لقد ذكرت السورة علامة واحدة فقط من علامات هذا الطور وهذا هُوَ النظام القرآني العجيب في اختياره العلامة المناسبة. لأننا سنلاحظ عدداً اكبر من العلامات في سور أخرى. أما هنا فلان السورة على قصرها تضمنت الحديث عن رجوع الإنسان وابتلاء سريرته وكيد الكافرين - ولأنها ربطت السماء بالأرض في الغاية ولأنها ربطت المنشأ والمصير بين الإنسان وعالمهِ الكوني فقد اكتفت بذكر علامة واحدة فقط.

ولكن أيّ علامة اختيرت في السورة؟ أنها علامة العلامات اختيرت المذنب الموعود.

فلقد رأيت في الفصل السابق ان النجم المذنب سماّه المأثور (نجم الآيات) وعرفنا علاقته بالآيات وكونه المسبب لها والعلة في ظهور تتابعها بنظام محدّد (كنظام الخرز).

ويبقى ان تتأكد لغوياً وحديثاً من كون (النجم الثاقب) هُوَ المذنب الموعود:

اللغة:

النجم: هذا التعاقب الصوتي المؤلف من النون والجيم والميم مرتبط عند أهل اللغة ومن خلال الاستعمال بالظهور وتحديداً الظهور المباغت. هذا المعنى العام الأصلي الذي وقعت عليه المعاني المستعملة عندهم. وبالطبع فالمعاجم تستخدم الترادف اعتباطاً لأنها لا تفرق بين الألفاظ: قال:

نجمَ: ظهرَ وطلعَ. والنجم: الكوكب: وهذا ترادف خاطئ لأن لكل منهما استعماله الخاص في القرآن. والمنجمان: عظمان ناتئان من ناحيتي القدم. لاحظ دلالة الظهور والطلوع في هذا الأستعمال. ويقال:

(نزل القرآن نجوماً) - وادىّ المال تنجماً أو أنجمه اداه نجوماً أي دفعةً بعد دفعة. أقول تحديداً بدون سابق ميعاد. كما تنزل السورة أو الآية من غير ان يعلم النبي (ص) بالوقت.

لذلك أطلقوه على ما يطلع من النبات من غير زراعة فحسبَ المعجم انّه (ما نجم على غير ساق) بينما الساق لا علاقة لها بالموضوع إنما هُوَ النبات الذي يظهر بغتة ومن غير ان ينتبه له أحد. وفي القاموس المحيط:

والمنجَم: قال المعدن. ويستعمل الآن لموضع المعَدن لأنه غائر واستخراجه يتم على دفعات حيث ما وجدوا الخامات. إذن فالنجم في الأصل مرتبط (بالظهور المباغت) وهُوَ ما يوافق جميع الاستعمالات.

الثاقب:

نحن في الحل القصدي نقوم بجمع الاستعمالات على أصل واحد كما علمت وفي هذا اللفظ أكثر من مفهوم عند المعاجم:

الثقبُ: الحزق النافذ.

ثقبت النار: ثقوباً اتقدت.

ثقب الكوكب: أضاء.

والثقيب مثل أمير: الشديد الحُمرة.

أما زعَمه: (النجم الثاقب) هُوَ زحُلَ فمردود عليه لأنه موضوع بحثنا. وقال آخرون: النجم الثاقب المرتفع على النجوم (كما في المحيط) نلاحظ في هذا الاستعمال احتمالين: إما ان يكون الثاقب هُوَ المتقدّ ذاتياً والشديد (الاحمرار) بحيث يمكنه اختراق الأشياء فجاء منه الخرق النافذ. وإما ان يكون العكس ان الأصل هُوَ الخرق النافذ وأطلق على النار لقدرتها على النفاذ والخرق ومجازاً على الحُمرة.

على اننا نشكّ في دقة نقل المعاجم للاستعمالات. بل نتهمّهم أيضا باللامبالاة و و و....

لأنه إذا قال الثقيب: ( الشديد الحمرة ) ولم يدخلها في جملة مفيدة كما يفعل الأجانب في لغاتهم فقد تجنىّ على المفردة جناية عظيمة لأننيّ لا أعلم هل أسمي الوردة الحمراء (ثقيبة) لأنها شديدة الحمرة أم النسيج الحديدي المحُمي على النار لنفس السبب أم يجوز ذلك لكليهما!؟

الحمد لله الذي ألهمنا معاني الحُروف لنتخلص من هذا البلاء. تؤكد لنا معاني الحروف ان هذا التعاقب يفيد في أداء دلالة خاصة بالقدرة الذاتية على اختراق الحُجب الكثيفة.

ومعلوم ان اللون الأحمر لون صارخٌ يؤدي إلى هذهِ الفكرة. كذلك النار. أما النجم فهو علمياً كرة نارية بنواة. أنه في المفهوم العلمي شمس من الشموس وبهذا تجتمع الاستعمالات المادية والمعنوية. ان المذنب يختلف في كونه شمس ذات ذنب طويل من الغازات وكونه لا يطلع كبقية النجوم بموضع ثابت بل له مدارات خاصة يغيب ثم يظهر فيها.

إذن النجم الثاقب على المعنى اللغوي هُوَ: طلوع مباغت لكرة نارية ذاتية الاتقاد لها قدرة على اختراق الحجب هذا التعريف اللغوي يطابق خصائص المذنب بل هُوَ تعريف المذنب بالدقةِ المطلوبة على ما رأيته من صفات للمذنبات - وهُوَ بعد ذلك (نجم) ينجم بصورة مباغتة انه يظهر من غير توقع زمني. الطارق:

لقد ذكر القرآن الكريم (النجم الثاقب) كتعريف للطارق "وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب".

إذن فالطارق مفردة تعوض عن النجم الثاقب في الدلالة الا إنها دلالة أكثر غموضاً من حيث كونها اسم لشيء لم نسمع به من قبل!

فلنلاحظ اللغة، ففي المعاجم:

الطَرْقُ: الضرَبْ. ولكن هذا ترادفُ سيُّ فما معنى الضرَبْ؟ إذ الضرب هُوَ الآخر مفردة مجهولة بالنسبة لنا. لأن المعجم يجب ان يذكر الدلالة الفعلية لكل لفظ مستقلاً عن الآخر؟ أما هكذا فانه لا يقوم الاّ بمزيد الخلط والتمويه. يمكننا استخراج الدلالة من خلال ملاحظة جميع الاستعمالات وتعريفها بجملة طويلة. قال صاحب القاموس:

والطرق: نتف الصوف.

والطُرقة: الظُلمة والطمع والحجارة بعضها فوق بعض والعادة.

والطريق والطرائق: والطرق - المسلك. والطريق: شريف القوم. والمطاريق: المشاة. وأطرقَ سكتَ ولم يتكلمّ. والَطرقةُ: الصنعة. والَطْرقُ: الإتيان في الليل.

قال والطارق: كوكب الصُبح!!

وهذا صَحيح إذا لم يكن كلَّ صبح بل الصّبح المذكور في القرآن على ما يأتيك.

أقول يمكننا ان نجمع الاستعمالات الأساسية على معنى موحّد يمثل أصل اللفظ.

وهذا المعنى الأصلي للطرق هُوَ الذي ينطوي على طرف آخر إذ هُوَ اتخاذ مسلك معّين للظهور من خلال الطرف الآخر. فشريف القوم يظهر بقومهِ وفيهم. ولذلك كانت الطريقة هي المسلك الذي يتم فيه ظهور الحركة. والمُطرق (الساكت) كذلك يتخذ مسلكاً معيناً لظهور الإجابة هُوَ الصمت والسكوت فهو استخدام على الحركة من خلال التمثيل. والطارق إذن هُوَ فاعل الفعل الظاهر لذلك قالوا الطُرقة هي الصنعة وطارق الليل السالك فيه على هذهِ الطريقة. ويَصحّ بالطبع لإفادة المفاجئة والمباغتة لأن المسلك المخصوص من شؤون صاحبهِ إذن فالطارق على المعنى الأعم ذو الطريقة التي لا يحيد عنها والذي يعمل المفاجئات والذي يظهر على غير ميعاد سابق. وتلك صفة واضحة في المذنب.

أما المرويات:

ففي كتاب العلل وكتاب البرهان وكتاب الأنوار النعمانية بأسايندهم عن الإمام علي (ع) انه سئل عن الطارق الذي في القرآن فقال:

"هُوَ أحسن نجم في السماء وليسَ يعرفه الناس"(1) ومعلوم ان المذنب هُوَ أحسن النجوم وأكثرها جمالاً وما ولَعُ المئات من الهواة في رَصد المذنبات خصوصاً الاّ لحُسنها وجمالها.

وجاء في الحديث أيضا:

"وإنّما سمي الطارق لأنه يطرق نوره سماءً سماءً إلى سبع سموات ثم يطرق راجعاً حتى يرجع إلى مكانه".

وفي نسخة العلل:

"ثم يطرق سماءً سماءً راجعاً حتى يرجع إلى مكانه". ويظهر لنا من تتبع السموات السبع في القرآن ان المقصود بها في بعض الموارد (النظام الشمسي). فالغلاف الغازي أو المدار لكل واحد منها وفضاءه هُوَ سماء مستقلة. ويؤكد ذلك الحديث المار في الفصول الأولى، بالرغم من ان النظام السباعي قد يكون نظاماً كونياً عاّماً.

وإذن فان الطارق يخترق هذهِ المدارات ويعود إلى موضعه وهذهِ صفة المذنب حسب العلم الحديث - (راجع المجلات المتخصصة في مدارات المذنب).

النتيجة:

أن الطارق النجم الثاقب. هُوَ نجم متقدّ ذاتياً شديد الحمرة له مدار خاص به يظهر بغتة وفق مسلكه في الحركة وهُوَ المذنب.

لكنه بالطبع ليس كل مذنب. لأنه معّرف بمفرده (الطارق) وعرف ثانياً بالنجم المعرف بال التعريف وعرف ثالثا بالنعت (الثاقب) وعرف رابعاً بالعطف على معرف بنفسه وبال التعريف (السماء)، وعرف خامساً مكرراً بالسؤال (وما أدراك ما الطارق).

فهذا التعريف المستمر له يدل لغوياً على انه نجمٌ واحد محددّ ومعلوم. وقد لاحظنا ان الأحاديث التي ذكرت العلامات ذكرته بأسماء مشابهة "إذا رأيتم نجمكم" - "ليس هذا نجم الآيات.." "فإذا جاء النجم ذو الذنب" .. "فكأني بالنجم ذي الذنب .." .. الخ إنما تشير إلى النص القرآني وتأكيده على هذا النجم الموعود الذي يحوّل واقع الأرض إلى واقع آخر مختلفٍ جذرياً.

مناقشات سريعة مع التفسير الاعتباطي لما في سورة الطارق

1. الطوسي: "بينّا القول فيه فالطارق هُوَ الذي يجيء ليلاً وقد فسره الله تعالى بأنه النجم الثاقب فالنجم هُوَ الكوكب وقال الحسن المراد جميع النجوم.

أقول لم يبين لنا أيَّ شيء لأنه إذا كان هُوَ الذي يجيء ليلاً فآلآف وملايين النجوم تجيء ليلاً بالتتابع حسب دوران الفلك (عندهم) - أو الأرض كما نفهم الآن.

وأما قوله هُوَ الكوكب فهو اعتباط محض! لأن الكوكب مستعمل في القرآن مع نكرة معرفة بالإضافة (زينة الكواكب) على الجمع بينما النجم الثاقب معرف خمس مرات في السورة على انه مفرد. وقول الحسن البصري المراد الجميع فما أدراه! ان الله يريد الجميع وهُوَ يذكر المفرد المعّرف خمس مرات!؟ ولماذا لم يجمعه كما جمعه في الواقعة فقال (فلا اقسم بمواقع النجوم)؟ ام يرى ان المفرد والجمع سواء؟ وان الله يأتي بالمفرد حيث يريد الجمع وبالعكس؟ سبحان الله عما يصفون.

2. ابن زيد: قال "النجم الثاقب" هُوَ زُحل. أقول وما الذي يدعوني لتصديق ابن زيد هذا؟

ترى لو أعجبه ان يقول (المشتري) أو (عطارد) فهل أصّدقه؟

(قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين).

3. عكرمة ومجاهد: "انه على رجعة لقادر".

قالا: أي ردّ الماء في الصلب قادر.

أقول: قد ذكرت ان إنكار الإعادة أو رجوع الأموات إلى الحياة (بالبعث أو النشور) هو من قول الذين كفروا كما نص القرآن.

فالله يقول فلينظر الإنسان مم خلق ثم يقول انه على رجعة لقادر يوم تُبلى السرائر. فإذا كان الضمير يعود على الماء فما علاقة ذلك بالسرائر أليس (يوم) مبني على الضرفية؟ أي قادر على رجعهِ في هذا اليوم فهل يكون انكشاف السرائر للماء دون الإنسان انظر ثم انظر أخي القارئ إلى تعسف الاعتباط ومحاولاته اليائسة لصرف الأنظار عن دلالة الآيات. الله يقول على رجعة لقادر مخاطباً الإنسان (فلينظر) وهم يقولون رد الماء في الصلب!!

4. الضحاك: (أنه على رجعةِ لقادر) أي انه على ردّ الإنسان ماءً كما كان قادر. والرجع هُوَ الماء.

ليتَه إذ فسرّ الرجّع بالماء قال هُوَ (على رجعهِ) أي ماءهِ قادر بمعنى يُعيده من الماء كما خلقه من الماء لأنه قال (خلق من ماء دافق).

فإذا كان الرجع هُوَ الماء أصبح قوله تعالى " على رجعهِ لقادر " أي على ماءهِ فالضمير يعود قطعاً على الإنسان فكيف يزعم انه يردّ الإنسان إلى ماء كما كان لأنه يتحدث عنه في الضمير المتصل بالرجع.

كل ذلك وكأنه مصر على إنكار البعث بأية وسيلة - ولم يحدث ذلك مطلقاً في آيات البعث الكلي يوم القيامة وإنما حدث في آيات البعث في الطور المهدوي خصوصاً.

تقاسمها عكرمةُ والضحاك:

واحد يقول ردُّ الماء إلى الصلبِ والآخر يقول ردُّ الإنسان إلى ماء!

أما ردّ الماء إلى إنسان فلا! لأنه هُوَ المتعين من النشور كما سيأتيك مفصلاً في موضعه.

"زعَم الذين كفروا ان لن يبعثوا! قل بلى وربّي لتبعثن ثم تنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير" التغابن/ 7.

علاقات لفظية للسُورة مع الحديث الشريف

لمّا كان المذنب نجمٌ من النجوم وهُوَ شمس مستقلة بحركة ذات مدار خاص بها فقد ارتبط لفظ الشمس أو الكوكب أو المذنب في أحاديث كثيرة عن الطور المهدوي ارتبط بقائد هذا الطور كما في الأحاديث الآتية:

1. إكمال الدين بمسندهِ عن علي بن ابي طالب (ع) وبعد ان ذكر سلسلة من الوقائع قال:

"وذلك بعدَ طلوع الشمس مع مغربها". إكمال الدين نقلناه عن البشارة/ ب2 - 57.

ثم ان رجلاً اسمه النزالٍ ابن سبرة سأل صعصعة بن صَوحان عن هذهِ العبارة خصوصاً فقال صعصعة:

"يا بنَ سبرة ان الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم هُوَ الثاني عشر من عشرة رسول الله التاسع من ولد الحسن وهُوَ الشمس الطالعة من مغربها ...الخ".

ومن المحتمل ان صعصعة قد شرح الأمر كما يفهمه هُوَ وعلى طريقة (المجاز اللغوي) بينما طلوع الشمس من مغربها حدث كوني فعلي يقع في هذا الطور يتناغم لفظياً مع طلوع شمس المعرفة.

2. لاحظنا أيضا تشبيه النبي (ص) له بأنّ (وجَهه كالكوكب الدرّي) وفي مثل هذهِ النصوص نجد انتخاباً مقصوداً لألفاظ معينة تفيد في التنويه عن العلامات في ذات الوقت.

3. ونلاحظ ذلك أيضا في أحاديث عامة غير متعلقة بالعلامات، فحيث ما وجدت فرصة للتنويه عن علاقة قائد الطور بالفلك والنظام الطبيعي ذكر الحديث هذهِ العلاقة وخاصة مع الشمس.

ففي حديث طويل ذكر فيه الإمام الصادق (ع) الفتن فبكى السامعَ قال (فبكيت فقال لي ما يبكيك يا أبا عبد الله فقلت فكيف لا أبكي وأنت تقول اثنتي عشر راية مشبهة لا تدري أي من أي فكيف نصنع فقال (وقد) نظر إلى شمس داخله في الصفة فقال يا أبا عبد الله ترى هذهِ الشمس؟ قلت نعم. قال والله لأمرنا أبين من هذهِ الشمس.

4. في حديث آخر للإمام علي (ع) ورد فيه تفصيل للعلامات العامّة للطور المهدوي وهُوَ الحديث الوحيد الذي يجعل المذنب أولّ علامة في تسلسل العلامات.

هذا الحديث هُوَ جزء من خطبة للإمام (ع) تُسمى (اللؤلؤة) نأخذ منها موضع الاستشهاد:

".. وتعمل القبة الغبراء ذات القلادة الحمراء وفي عقبها قائم الحق يُسفر عن وجههِ بين الأقاليم كالقمر المضيء بين الكواكب الدرّية. ألا وانّ لخروجه علامات عشرة أولها طلوع الكوكب ذي الذنب.." البشارة /87.

ومن هنا ندرك جزءً من سبب تخصيص سورة لهذا النجم الموعود المتقد ذاتياً وتسميتها باسمه (سورة الطارق)، لأن هذا النجم هُوَ أول العلامات الكونية المحتومة وهُوَ المسبب لتتابع بقية العلامات في نظام كنظام الخرز حسب النص (النبوي). وهُوَ الذي يقوم بنقل واقع الأرض إلى واقع جديد يلائم هذا الطور والذي هُوَ الهدف الأساسي من الخلق.

4. العلامات الكونية في سورة التكوير

تبدأ السورة بذكر عدد من الوقائع المستقبلية بأداة الشرط إذا ولا يأتي جواب الشرط الاّ بعد اكتمال اثنتي عشرة واقعة وهذهِ الوقائع هي على الترتيب التالي:

1. إذا الشمس كورت.

2. وإذا النجوم انكدرت.

3. وإذا الجبال سيّرت.

4. وإذا العشار عطلت.

5. وإذا الوحوش حشرت.

6. وإذا البحار سجّرت.

7. وإذا النفوس زوجت.

8. وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت.

9. وإذا الصحف نشرت.

10. وإذا السماء كشطت.

11. وإذا الجحيم سُعرت.

12. وإذا الجنة أزلفت.

وحينما تنتهي الوقائع الاثنتي عشرة يأتي جواب الشروط كلها جواباً واحداً هُوَ "علمت نفس ما أحضرت". وحينما ينتهي ذلك يأتي نفي للقسم (فلا اقسم بالخنسّ...) حيث تعاد صيغ شرطية أخرى مع جواب جديد كما سنرى وموضوعنا يتعلق بهذهِ الصيغ الشرطية وجوابها ولكن قبل ذلك نذكر بعض الملاحظات عن الوقائع الآنفة:

الأولى: ان جواب الشرط متعلق بكل واقعة على انفراد ومعنى ذلك ان الشمس إذا كورت علمت نفس ما أحضرت وإذا النجوم انكدرت علمت نفس ما أحضرت وهكذا إلى قوله وإذا الجنة أزلفت.

لماذا؟ لأن هناك إعادة للشرط (إذا) فلو كان السياق مقتصراً على العطف فقط لكان الجواب لا يقع الاّ عند وقوع الحوادث كلها وهذا الفارق الهام أهملهَ الاعتباط اللغوي فلو قلت لابنّك: إذا درست وعملتّ معي في الحانوت وأطعتني بنيت لك داراً لك...".

يفهم السامع انك لا تبني الدار الاّ عند وقوع الثلاثة سوية الدراسة والعمل والطاعة. ولكن لو قلت له "إذا درست وإذا عملت معي وإذا أطعتني بنيت لك داراً".

فأنه يفهم انك تبني له الدار إذا عمل أية واحدة من الثلاثة. وهذا ما أتفق العوام عليه بالسليقة اللغوية يقول القائل "يا أخي إذا سلمتني المال وإذا أودعته عند أحد وإذا أعطيتني مكانه كذا فاني راضٍ فالمهم ان توفيني مالي".

يفهم السامع ان الرضا متعلق بتحقيق أي واحد من الشروط لا جميع الشروط.

الثانية: ان الترتيب هنا زماني. فالوقائع المستقبلية تترتب زمانياً ولكنه ليس كما نتصور أي ان الأول من الوقائع هُوَ الأخير بالنسبة لنا.

فالسامع إنما يُثيره اقتراب الوقائع لا ابتعادها. ألا ترى المحقق مع المتهم يبدأ بالسجن الذي هُوَ نهاية قصة المتهم ثم يفاجئه كل مرة بما يؤدي إلى السجن ويذكر له التفاصيل مقترباً من واقع الحدث وزمانه؟ هذا الترتيب هُوَ ما تؤكده الآيات التي مرت علينا في سورة هود.

فالجنة إذا أزلفت هُوَ أولّ الوقائع المنتظرة. وتستمر ما دامت السموات والأرض فإذا كورت الشمس بعد انكدار النجوم الغي هذا النظام الكوني وانتهت المراحل ومعلوم ان هذهِ الوقائع على هذا الترتيب واقعة زمانياً بين أول الطور المهدوي ويوم القيامة.

بمعنى أنها تمثل حقب ومراحل هذا الطور.

الثالثة: ان عدد هذهِ الوقائع مترابط مع النظام الكوني. لقد لاحظنا ان السبعة نظام بنائي: سبعة سموات - سبعة الوان ..الخ والثلاثة نظام زماني والاثنان نظام توليدي يمثل الزوجية العامة أو التقابل الضروري للوجود مثل شمالي جنوبي في المغناطيسية وسالب وموجب في البناء الذري.

ومجموع هذهِ الأنظمة هُوَ اثني عشر.

وأيضاً لاحظنا ان هذا العدد مساوٍ لعدد خلفاء الطور المهدوي في الحديث الشريف:

"كنّا جلوساً إلى ابن مسعود بعد المغرب وهُوَ يعلّم القرآن فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أسألت النبي (ص) كم تملك هذهِ الأمّة من خليفة فقال: ما سألني عنها أحد قبلك نعم خلفاؤكم اثنتي عشر عدة نقباء بني إسرائيل".

مصادر الحديث بألفاظه المختلفة وأسانيده المختلفة:

1. مسند احمد بن حنبل: أربعة وثلاثون طريقاً هي في الجزء الخامس بالصفحات من 86-108.

2. المستدرك / ج3/ 618-617.

3. الخلافة والأمارة ب1/ ف 1/ 34.

4. كنز العمال / ج 5 - 312 المطبوع في هامش مسند أحمد.

5. تاريخ بغداد / ج 14/ 353 ح 7673.

6. تاريخ الخلفاء/ 7.

7. الصواعق المحرقة / ف 3 ب 1/ 11.

8. صحيح البخاري/ ج 4/ كتاب الأحكام باب أخراج الخصوم.

9. الترمذي في الصحيح / ج 2 ص 45.

10. صحيح مسلم / باب الأمارة.

11. صحيح ابي داود م ج 2 / كتاب المهدي.

12. في كتب الشيعة المختلفة / 614 حديثاً عن الخلفاء الاثنى عشر. مجموع النصوص في الأثنتي عشر خليفة يربو على تسعمائة نص.

الرابعة: ان المقصود بلفظ (خليفة) أو (خُلفاء) في النص النبوي هُوَ عين المقصود به في النص القرآني، لأنه (ص) يحاكي القرآن في ألفاظه. فالخليفة والخلفاء في النص القرآني شخوص محددّين بأسمائهم قبل خلقهم على ما جاءت به البشائر المختلفة في القرآن. والخلافة في القرآن مركز إلهي.

أما هَؤلاء الذين يسميّهم الناس (خلفاء) فلا علاقة للنص القرآني والنبوي بهم. الخليفة تسجد له الملائكة كما سجدت للخليفة الأول آدم إذا اعتبرناه هُوَ المقصود بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض حليفة). وقد يقول البعض وخاصة تلامذة المستشرقين: ان هذا هُوَ نفسه (الحق الإلهي) الذي حكمت الكنيسة به الناس قرون طويلة.

والجواب نعم انه الحق الإلهي نفسه الذي حكت به الكنيسة قرون طويلة لكنه مسروق من أصحابه الفعليين. فالكنيسة لا تمتلك في الأصل هذا الحق، وهذا هُوَ الفارق بين المالك الفعلي والسارق. إنما هذا الحق هُوَ خاص بالمسيح (ع) وحَدة ومن هُوَ مثله عند الله. الا ترى النص النبوي يذكر المهدي (ع) باسم خليفة بطرائق كثيرة مثل "من خليفة الله فاتبعوّه" أو (لابّد من خليفة) وكذلك ورد في النبوي المجمع على صحتهِ ان المسيح (ع) يصلي خلفه.

إذن فقوله (ص) (الخلفاء من أمتي اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل) المراد به رجال من هذهِ المرتبة.

فهنا يتم ابتلاء الخلق كما ابتلى الملائكة بالسجود لآدم، وامّا الحرية في الاختيار فأنها تظهر هنا فقط. لأن العبودية للموجودات هي العبودية والعبودية لله هي التحرر من عبودّية الموجودات. ولكن العبودية الحقهّ لله يجب ان تفرز فرزاً صحيحاً ولا يتم هذا الفرز الاّ بالتحرر من الذاتية وعبادة (الأنا) فالتحرر يتم من خلال طاعة الله في طاعة من أمرّ بطاعتهِ من الخلق. فالأمر الإلهي واحد لا يمكن تجزئته وحينما يريد الله استخراج الصالح من الطالح أو الطائع من العصي فأنه يأمر بطاعة بعض الخلق دون البعض خلافاً للظواهر وبهذا الطريق وحده يتم الفرز.

واغرب ما قرأت لأحد كتاب مصر المتحذلقين زعمه ان تحديد اثنا عشر اماماً أو خليفة للنبي (ص) يتعارض مع الحرية.

فهذا الزعم لا يّدل إلاّ على جهل مُطبق بالحريّة. لأن تحديد هذا العدَد لا يُلغى الاختيار بل يُحددّه. وهُوَ مثل الأمر ان تكون صلاة الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاثة والفجر ركعتين.

إذ يتوجب على هذا الكاتب الغبي رغم شهرته ان يدعيّ ان التشريع مخالف للحرّية في كل واحدةِ من التفاصيل. وعلى ذلك فالتشريع الوضعي يؤدي إلى نفس النتيجة وعليه ان يقترح على (مجلس الأمة) المصري إلغاء كافة القوانين.

القانون موضوع للالتزام به لمن أراد سواء كان إلهياً أو وَضعياً والحرية باقية إذ لا أحد له قدرة على سلب حرية الاختيار منّ أي كائن. ولذلك تجد من يخالف القانون ويخرج عليه دوماً فإذا طاله القانون عاقبه وإذا لم يطله بقي خافياً فالقانون يطلب من الأفراد ان يختاروا كذا ولا يختاروا ما هو عكسه لكن هذا الرجل يبدو أنه يحمل ضغينة على الله خُصوصاً فظهرت في تحديد اثنا عشر خليفة لأنه لو قال ذلك بشأن الصلاة كفرّه

(الأزهر الشريف) وحدثت مشكلة.

ولكنه يستطيع قول ذلك مع (اثنا عشر خليفة) لأن الاعتباط يرتاح نفسياً لأبطال هذا الجزء من التشريع واختيار جزء آخر - مع ان النصوص التي تؤكد هذا العدد هي أضعاف النصوص الخاصة بعدد الركعات.

ان طاعة الله لا تتحقق ابداً الاّ عند طاعة أوامره كافة واعتبارها امراً واحداً.

قلنا ان الوقائع الاثنتي عشرة في السورة الكريمة مرتبة تنازلياً من الأبعد إلى الأقرب. وإذن فاؤّل الوقائع الزمنية المنتظرة هوَ (إذا الجنة أزلقت) إذ هو أول الوقائع المنتظره السابقة للقيامة.

هذا يعني انها آخر وقائع الطور المهدوي. فيتسعّر الجحيم وتزلف الجنة .. وبعكس الترتيب فتنتهي بتكوير الشمس وانتهاء النظام الطبيعي المعهود.

وهذا يعني ان الجنة ستكون بعيدة في الملكوت السماوي حيث نبرهن في فصول لاحقة ان الجنة تنطلق من الأرض وتغزو السماء فالكفرة الفجرة لا يستطيعون الارتقاء في الأسباب (وتتقطع بهم الأسباب)(1) ولا يقدرون على الفرار(2) من الأرض فتجري عليهم اهوال التغيرات الكونية لأنهم إذ عنوا للمادة وعصوا خالقها فتنغلق عليهم مفاتيح الوجود (ولا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجملُ في سم الخياط)(3)

لذلك قال النبي (ص) "لا تقوم الساعة إلاّ على شرار الخلق"(4). ونحن هنا نفرق لفظياً بين الساعة ومرساها وقيامها.

وعلى هذا الترتيب فعندما يتم جواب الشرط (علمت نفس ما أحضرت) ويعود إلى نفي القسم " فلا اقسم بالخنسّ الجوار الكنس..." فان هذا السياق مع شروطه الجديدة (والليل إذ عسعس والصبح إذا تنفس) وجواب هذهِ الشروط سيكون خاصاً بالطور المهدوي وعلاماته، بينما كان القسم الأول من السورة مختصاً بمرحلة ما بعَد المهدوية. لذلك سنحاول ملاحظة هذهِ الشروط والإجابة وارتباطها اللغوي بالعلامات الكونية:

المذنّب الموعود في سورة التكوير

" فلا أقُسمُ بالخنسّ. الجوار الكنسّ. والليل إذا عسعس والصُبح إذا تنفسّ. انه لقول رسول كريم. ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هُوَ على الغيب بضنين. وما هُوَ بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون. ان هُوَ الاّ ذكر للعالمين. لمن شاء منكم ان يستقيم وما تشاءون الاّ ان يشاء الله ربّ العالمين".

يبدأ النص القرآني في مرحلته الثانية بذكر الوقائع التي تسبق الطور المهدوي ويرتبها هذهِ المرة ترتيباً جديداً من الأقرب إلى الأبعد ذلك لأن هذا الطور هُوَ مفتاح ما يقع من الحوادث المذكورة في أول السورة.

ويبدأ ذلك بنفي القسم: "فلا اقسم بالخنسّ"، والذي يُسمّيه الاعتباط اللغوي بالقسم. ونحن سمّيناه نفي القسم لأن الله تعالى لا يجوز بحقه ان يقسم بشيء من خلقهِ لأن القسم (براءة) من الأشياء واعتماد على المقسم به بينما (الحلف) الذي يتحقق بالواو هُوَ ارتباط مع المحلوف به فيجوز بحقهِ تعالى.

أما المخلوق فيجوز الحلف ولا يجوز القسم بغير الله لأنه لا يمكن ان يعتمد على غيره تعالى، وهو تفريق نفيس ذكرناه في كتاب (اللغة الموحّدة) وكتاب (النظام القرآني).

وتسمّي الواو عند الاعتباط بواو القسم بينما هي واو الحلف لأنها تخلو من لفظ (اقسم).

لذلك لم يرد في القرآن إلاّ نفي القسم من قبلهِ تعالى وهو اثنا عشر مورداً نفي فيها القسم جميعاً.

واليوم ونحن نكتب هذهِ السطور وجدنا من المأثور ما يؤيد ذلك في حديث عن الإمام علي (ع) هذا نصّه:

"محمد بن العباس قال حدثنا عبد الله بن العلا عن محمد بن الحسن بن شمون عن عثمان بن ابي شيبه عن الحسن بن عبد الله الارجاني عن سعد بن ظريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال سأل ابن الكواء عن قوله عز وجل فلا أقسم بالخنسّ الجوار الكنسّ قال (ع): ان الله لا يُقسم بشيء من خلقه..."(1) أقول ذهل المؤلف لغلبة الاعتباط عليه فقال قبل الوصول إلى الحديث: (فلا أقسم أي أقسم) - تم ذكر الحديث بعد ذلك ولم يصحح ما ذكره آنفاً.

وقد تقول لماذا ينفي القسم؟ وما الغاية من ذلك؟

والجواب انه تعالى حينما يقول لا أقسم فأنه يريد منا أن نعلم انه لا يقسم بهذا الشيء ومعنى ذلك انه لو كان يجوز بحقه أن يقسم شيء لأقسَم به لعظمته عنده لذلك قال في الواقعة:

(فلا أقسم بمواقع النجوم. وانه لقسَمٌ لو تعلمون عظيم).

فإذا قلت: إذا كان القسم لا يجوز بحقه تعالى ولا يجوز للعبد أن يُقسم بغير الله فلمن هو قسَمٌ عظيم إذن؟

والجواب: ان تعظيم القسم لا علاقة له بوقوعه وجوازه أو عدمه؟

فهذا القسم لو كان يجوز فهو عظيم.. بيد انه لا يجوز. ألا ترى كيف تظهر هنا معادلة عجيبة غاية العجب فانه يعظم القسم بالشيء فمن جهة يظهر لك عظمة عند الله ومن جهة أخرى ان هذه العظمة لا قيمة لها أمام المطلق مهما بلغت! وإذن فتعظيمك للقسم والمقسم به على الفرض هو لتعظيم الله له فقط.

فانه بهذا النفي وبهذا الاستعمال اللغوي حافظ على تعظيم الشيء مع عدم المساس بعظمة المطلق. أو حافظ على التعظيم المطلق لله مع تعظيم الشيء.

فانظر اذن إلى عظمة (الخنسّ الجوار الكُنّس) عند الله.

فما هي الخنسّ الجوار الكُنّسّ؟

الخُنّس الجوار الكُنّس:

قال ابن مسعود (رض) وجماعة هي: الضُباء، جمع ضَبي وهو الغزال.

وقال سالطوسي: وقيل هي بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة.

وقال أهل اللغة: الخانس الغائب عن الطلوع.

وقال آخرون: روي عن أمير المؤمنين علي (ع) أنها النجوم - لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل.

ويظهر ان العبارة الأخيرة من شروحهم وإضافاتهم وليست من قول الإمام (ع) إذ من المحتمل انه قال (النجوم) على التعميم.

وخالف البيضاوي في كتابه أنوار التنزيل فقال بوجه واحد هو:

"الخنس الكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر وهي ما سوى النيرين من السيارات".

وهذا يعني ان الخنس عنده هي الكواكب السيارة. وقال "لانها تختفي في ضوء الشمس".

أقول ان تأخر الطلوع مساوٍ للطلوع لتساوي الليل والنهار في المعدل ولذلك فان الخنس يفقد دلالته مع السيارات لطلوع بعضها بصورة دائمة والمطابق لمعنى اللفظ هو المتأخر في الظهور تأخراً بيناً وواضحاً - بينما السيارات تتناوب الظهور والخفاء.

ما علاقة (الضباء) بالأمر في تفسير ابن مسعود (رض)؟

العلاقة هي إن الضبي يتخذ من جذع الشجرة بيتاً في أسفله ليسكن فيه.

وتسمى الضبية الوحشية في هذه الحالة بالكناس. وقيل ان البيت وحده هو الكناس - فربطوا بين لفظ خنس وكنس فقالوا الضباء. وفي القاموس:

الكناس بيت الوحشية تتخذه في جذع الشجرة.

قال: والجواري الكنس هي الخنس أو هي كل النجوم أو الملائكة أو بقى الوحش وضباؤه والكناسة هي القمامة.

أقول: لابد من معرفة الكنس لتحديد دلالة الخنس لأنه تعالى أوضح الخنس بها فقال: الخنس الجوار الكنس.

والجوار واضحة من الجري وهي الحركة السريعة.

وهذا يعني استبعاد جميع التفاسير أعلاه لانها مناقضة لها في الحركة فالوحشية إذا اختفت لم تتحرك والسيارات بطيئة الحركة جداً فالمشتري يكمل دورته حول الشمس بأكثر من أحد عشر عاما من سني الأرض وكلما ابتعد المدار ازداد البطء في الحركة المنظورة من الأرض.

قال في القاموس: الكناسة موضع بالكوفة وأشياء أخرى هي:

المرأة الحسناء.. والكنيسة السوداء! (لاحظ التناقض)، وسبعة مواضع بمصر وتكنَّس دخل الخيمة والمرأة دخلت الهودج. وهذه المعاني وضعت بصورة مستعجلة وبغير تمحيص.

فالكناسة ليست موضعا بالكوفة إنما هي مقبرة الكوفة.

والقبر هو كناس لأنه يخفي جسد صاحبه مثلما تخفي الخيمة والهودج والشجرة من يدخل فيها.

إذن الكنس هي ذوات حركة سريعة بيد إنها مختفية في بيت فهي من جهة تغيب غيبة طويلة ومن جهة أخرى فإنها تجري بسرعة ومن جهة ثالثة فإنها مختفية في بيت ورابعا إنها من النجوم قطعا لأنه الوجه الذي ذكره الجميع والملائم لسائر موارد نفي القسم والحلف في القرآن:

(فلا أقسم بمواقع النجوم)

(والنجم إذا هوى)

(والسماء والطارق)

(كلا والقمر....) ... إلى آخر الآيات.

فما هي الأجسام الكونية المتصفة بهذه الصفات الأربعة؟

إنها المذنبات وهي الوحيدة التي تتصف بهذه الخصائص مجتمعة، لأنها:

أولاً: من النجوم لانها شموس متقدة ذاتياً.

ثانياً: لها نواة محاطة بهالة من الغازات عند الرأس وصورتها مع الذنب هي صورة الوحشية مع شجرتها.

ثالثاً: إن سرعتها مهولة فهي أسرع النجوم حركة.

رابعاً: إن ظهورها يتم بعد اختفاء طويل الأمد وغيبة أطول من فترة الظهور يصل بعضها إلى آلاف السنين كما رأيت من قبل.

إن دقة التشبيه القرآني والتسمية هي إلى درجة ان التسمية وقعت على أحد الألفاظ القرآنية في العالم الصناعي حيث سميت أنواع من المذنبات (بالمكنسة) لأن لها ذيول تشبه المكنسة.

الواقع ان هذا جزء مما سميناه بالحماية الذاتية للتعاقب الصوتي.

إذن فالتفاسير المذكورة تحمل دلالة التشبيه والمطابق للنص القرآني هو الوجه الذي يقول إنها نجوم من غير تحديد.

- علاقات أخرى -

ان لهذه التسمية علاقات هامة بالمهدوية مثلاً:

أ. إن فيها إشارة إلى تأخر الوعد كما تتأخر المذنبات.

ب. إن فيها إشارة إلى غيبة (النجم) الموعود في علاقة مع غيبة طويلة (للنجم) الذي يهدي الخلق أي المهدي الموعود (ع).

ج. إن فيها إشارة إلى علاقة ذلك بنزول المسيح (ع) من السماء.

د. إن فيها دلالة إلى عنصر المفاجأة والمباغتة في الظهور.

هـ. إن فيها إشارة إلى وصول النور الذي يبدد الليل ويجعل الصبح متنفساً بعد طول اختناق وبعد ظلام طويل.

(والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس):

في هذين المقطعين عطف على نفي القسم أي لا اقسم بالخنس الجوار الكنس ولا اقسم بالليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس.

قال ابن عباس (رض) ومجاهد والضحاك وابن زيد عسعس: أدبَر بظلامه

وقال مجاهد والحسن: أقبل بظلامه.

وقال الطوسي: عسعس إذا أدبر.

وقال الفيروز آبادي: عسعس أقبل أو أدبر.

وقال البيضاوي: أقبل وأدبر لأنه من الأضداد.

أقول: لابد من الرجوع إلى (عس) لان اللفظ هو مكرر له.

عس: طاف بالليل. وعَسّ خبرُه: أبطأ. وعست الناقة: رعت وحدها. والعسعاس: السراب.

قال: وعسعس السحاب دنا من الأرض.

أقول: ان ما يجمع هذه المعاني هو حركة عس. إذ تنطوي الحركة على ثقل مع تردد. فالسراب مثلا يتردد في الحرمة. ولذلك قالوا أبطأ. والثقل والتردد يظهر في السحاب الثقيل إذ يرتفع وينخفض بحسب قوة الرياح.

ان الألفاظ المكررة هي ذات حركة ترددية دوما مثل: تعتع، عتعت، زحزح... الخ فهي تتصف بالتردد بين جهتين لذلك قالوا أدبر وأقبل وقال البعض أدبر وقال آخرون أقبل.

هل تحدث حركة مثل هذه في الليل؟

أبداً لم تحدث حركة كهذه في الليل فالليل يتحرك كما هو بهذا النظام المعهود وبالحركة الدورانية للأرض والتي هي حركة لطيفة لا يشعر بها أحد.

إذن فهذا الليل الذي لا يقسم به الله ويظهر عظمته هو ليل مخصوص لا كل ليل.

فقد ورد ذكر الليل في القرآن بنحو من (66) مرة.

وأكثر تلك الموارد ذكرت جريان الشمس والقمر وحركة الليل والنهار الطبيعية وتكويرهما على بعضهما وولوج أحدهما في الآخر.

هذه بعض الموارد:

"وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار" 33/14

"وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر" 12/16

"وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر" 33/21

"ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" 29/31

"يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل" 5/39

"يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" 44/24

يزعم الاعتباط أن (عسعس) هو ما يحدث في كل ليل من إقبال وإدبار. لكننا نلاحظ ان وحدة السورة تستلزم اعتبار هذه الوقائع المشروطة بأداة الشرط إذا مشابهة في وقوعها للحوادث المارة في أول السورة فهذا الثقل في الحركة والعسعسة لا تحدث في الليل الطبيعي فالقسم مشروط بأداة الشرط (إذا عسعس).

قالوا أيضا: امتلأ بظلامه ومنه عس اللبن إذا امتلأ.

هذا صحيح ولكن متى يملئ بظلامه فقد قال الحسن إذا أظلم ومعلوم أن الليل ينطوي على الظلمة فهو مثل قول القائل إذا السواد أسوّد.

إذا كان المقصود تكاثف الظلام فلابد أن هذا ليل مخصوص يتكاثف فيه الظلام لأسباب كونية متجددة على النظام الطبيعي وحجب للنجوم.

فإذا رجعت إلى العلامات الكونية فان (ركود الشمس) معناه توقف الحركة المحورية للأرض بسبب المذنب كما رأيناه من قبل.

وبعد ذلك التوقف تدور الأرض بصورة معكوسة حينما تزحزح من وضع السكون عند ابتعاد المذنب إلى الجهة الأخرى. \

وسوف يحجب الذنب النجوم وقد رأينا أيضا ان ذلك سوف يؤدي إلى حصول ليل طويل جدا لان الجزء المظلم من الأرض يتضاعف فيه الليل لحين اكتمال الدوران العكسي.

فإذا صادف وقوعه على الجزء المسكون أو النصف المسكون من الأرض فهو ليل كثيف الظلام وطويل وخانق وهو اكثر الليالي رعباً بالنسبة لسكان المعمورة.

وهنا تلاحظ حركة القلقلة من الوضع السابق إلى اللاحق مروراً بوضع السكون بصورة جلية. فالعسعسة حركة بطيئة وثقيلة غاية الثقل لامتلاء الأرض بالظلام الدامس ومعلوم أن ذلك تصاحبه زحزحة واهتزاز عنيف لإخراج الأرض من وضع الركود إلى الوضع الجديد الذي تطلع فيه الشمس من مغربها.

وعند طلوع الشمس يتنفس الصبح المختنق وتتنفس الخلائق بعد ليلة طويلة ومرعبة تعادل ثلاثة أيام في بعض المرويات.

"أنه لقول رسول كريم":

جواب الأقسام المنفية المذكورة:

قالوا: الضمير في أنه يعود إلى القرآن.

ولما كان معنى ذلك انه القرآن من قول الرسول وهو ما ادّعاه الذين كفروا فقد اضطروا إلى جعل الرسول الكريم هو جبريل (ع) لإبعاد فكرة التقول.

بينما لا فرق بين الأمرين لأنهم زعموا أيضا ان القرآن يملى عليه بكرة وأصيلاً وجبريل (ع) هو الآخر مخلوق. ويبدو ان المفسرين لهذا السبب وحده أضافوا عبارات تنوه عن هذا الالتباس لتخريجه بأية صورة.

قال البيضاوي: (أي جبريل (ع) فانه قاله عن الله).

يريد بهذه العبارة التأكيد على أن جبريل (ع) لا يمكن ان يتقوله بينما النبي (ص) يمكن أن يتقوله!

وهذا واضح البطلان لأن النبي (ص) عندهم أعلى مقاماً من جبريل (ع).

وقال الطوسي عبارة مماثلة: "معنى انه سمعه من جبرائيل ولم يقله من قبل نفسه".

وكأن جبريل (ع) عند الكفار لا يتقول بخلاف النبي (ص).

أقول وهنا مناقشتان غير ما مر:

الأولى: في قوله تعالى "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين" - الإجماع أن المقصود هو النبي (ص) ومعلوم أن الأقاويل لا علاقة لها بالقرآن إذ لا يمكن إثبات القرآن من خلال تأكيده على أنه من الله لا من النبي (ص) - فالمقصود أقاويل أخرى.

الثانية: فاتهم أن المعجز معجز بنفسه فالآية هي برهان لنفسها ولصاحبها ولا يمكن أن تعتمد على غيرها في البرهنة عندئذ لن تكون آية. لذلك لم يناقش القرآن من زعم أنه تقوله لأن هذا الكلام قائم بنفسه لا يمكن أن يتقوله مخلوق.

إذن لا يمكن ان يحتج القرآن لنفسه بهذه الطريقة فيقول:

(أنه لقول رسول كريم) - فالكافر قد يجيب قائلا: ومن أين أعلم أنه رسول كريم؟

إنما يعلم انه رسول كريم من خلال القرآن لكونه معجز وآيات بينات وكونه قائم بنفسه.

إذن فالضمير لا يمكن أن يعود على القرآن لان المحاججة تصبح لا منطقية وفيها مصادرة واضحة.

الضمير يعود على تفاصيل ما ذكره آنفا من الوعد الإلهي.

والمعنى ان ما يخبركم به من تفاصيل هذا الوعد المنتظر هو قول رسول كريم ثبتت رسالته وصدقه بالمعجز الذي هو هذا الكلام أي القرآن فالسورة جاءت لتصديق كلامه (ص) عن الوعد لا لتصدّق نفسها من خلال النبي (ص) أو جبريل فانظر إلى غفلة الاعتباط اللغوي وانظر إلى غاياته في إخفاء الوعد المنتظر.

لذلك قال: "ذي قوة عند ذي العرش مكين".

أي ان قيادته العامة لهذا الطور وظهور حفيده للقيادة المؤقتة ممكن عملياً لان لديه قوة عند ذي العرش مكّين من تحقيق ما وعد من ظهور رسالته وغزوه للسموات وفتحه لأبواب الجنة وأبواب النار وقدرته في إلقاء من شاء في أتون جهنم وإنقاذ من يشاء عند تحقق الوعد وانكشاف السرائر.

ثم قال "مطاع ثم أمين".

فهو مطاع من قبل القوى الكونية والملائكة والموجودات وأمين على مشيئة الله ورسالته وشرائعه.

فالسياق كله لا علاقة له بجبريل (ع) لأن جبريل هو أحد جنوده.

بل أن جبريل (ع) في المرويات هو منادي المهدي الموعود (ع) ووزيره الأيمن، هذه بعضها:

الأولى: في كشف الأستار وعقد الدرر عن حذيفة عن النبي (ص) في قصة ظهور المهدي (ع) قال:

".....ثم يخرج متوجهاً إلى الشام وجبريل على مقدمته وميكائيل على ساقته يفرح به أهل السماء وأهل الأرض والطير والوحوش والحيتان في البحر..."(1).

الثانية: في الارشاد قال:

"إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقه وان يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله فيبعث الله جل جلاله جبريل (ع) حتى يأتيه فينزل على الحطيم يقول: إلى أي شيء تدعو؟ فيخبره القائم فيقول جبريل: أنا أول من يبايعك أبسط يدك فيمسح على يده"(1)

الثالثة: أخرج ابو نعيم في مناقب المهدي (ع) عن ابن عمر قال "يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا خليفة الله فاتبعوّه"(2).

وقد فسر جميع الحفاظ (الملك) على انه جبريل (ع) اعتمادا على القرائن الأخرى.

الرابعة: "في كتاب البيان يسنده عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله (ص):

"يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها منادي ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"(3).

الخامسة: في عقد الدرر عن محمد بن علي (رض) قال:

"الصوت في شهر رمضان في ليلة الجمعة فأسمعوا وأطيعوا ثم قال فإذا سمعتم ذلك الصوت فلا تشكوا انه صوت جبريل (ع) وعلامة ذلك انه ينادي باسم المهدي واسم أبيه"(4).

السادسة: في كتاب الغيبة عن الباقر (ع) قال:

"الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان لأنه شهر الله وهي صيحة جبرائيل (ع) إلى هذا الخلق ثم قال ينادي مناد من السماء باسم القائم بالأمر فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب فأنه صوت جبريل الروح الأمين"(5).

السابعة: ابو نعيم في الفتن عن شهر بن حوشب قال: بلغني ان رسول الله (ص) قال:

"يكون في رمضان مهمهة وفي ذي القعدة تتحارب القبائل وفي ذي الحجة ينتهب الحاج وفي المحرم ينادي مناد من السماء: إلا ان صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا"(6).

نعود إلى السورة الكريمة:

قوله تعالى: "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين".

في هذه الآيات الثلاثة يختلف الحل القصدي للغة مع الحل الاعتباطي من وجوه عديدة.

أولاً: أن الاعتباط يعمم الأفكار فمثلا يقول: أي أن صاحبكم الذي يدعوكم إلى عبادة الله ليس بمجنون بل هو عاقل.

فمثل هذا التعميم لا فائدة منه للقارئ. إذ لم يوضح له الاعتباط لماذا جاء هنا بلفظ صاحبكم ولماذا جاء بلفظ مجنون وما علاقته بمجمل السورة؟ فهناك موارد قالوا فيها انه ساحر وأخرى شاعر فالاعتباط لا يربط الألفاظ المستعملة مع الموضوع وكلامهم هو إنشاء وتعميه على الدلالات القرآنية.

ثانياً: قالوا ولقد رآه بالأفق المبين أي رأى جبريل (ع).

ومرة أخرى يقع التفسير الاعتباطي في المصادرة.

لان جبريل (ع) ينقل كلام الله فلا يمكن الاحتجاج للنبي (ص) والبرهنة على صدقه من خلال هذا التخريج لان ما ينقله يفترض أن يكون هو الحجة على صدق الرسول أي أن السورة جزء من الحجة فلا تتضمن الاحتجاج برؤية النبي لجبريل (ع).

فالذي لا يريد أن يؤمن بالقرآن لن ينفعه القرآن ومن جملته قوله ان النبي (ص) يرى جبريل.

ان مصادرات المفسرين هي من اغرب المصادرات.

إذن فالضمير في (رآه) يعود على موضع السورة المبحوث فيه. ولما كان متعلقاً بالخنس الجوار الكنس وبالأفق المبين فالذي رآه النبي (ص) هو النجم الموعود الجاري في الأفق المبين والمرتبط بموضوع السورة والوعد الإلهي.

فالقرآن هنا يصدق النبي (ص) فيما ذكره من تفاصيل عن الوعد والتي أخفى الاعتباط أكثرها لأن القرآن هو دليله:

"قام فينا رسول الله (ص) مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام لساعة إلا حدّث به حفظه من حفظه (أو) وعاه من وعاه ونسيه من نسيه..."(1).

وهنا يأتي النص القرآني لإحباط محاولات التحريف وإخفاء خصائص الوعد المنتظر وعلاماته لقدرة النص القرآني الفائقة في استيعاب محاولات التحريف التي لا تنتبه إلى التناقضات ولا تدرك صرامة النظام القرآني - فتبقى المعلومات محفوظة في النص مهما بالغوا في صرف معانيها وإبعادها عن دلالاتها.

هل تصدق أخي القارئ أن الأمة تنسى تفاصيل الفتن التي يذكرها بإسهاب صاحب الرسالة وخاتم الأنبياء (ص) وهي من هي في حفظ الأيام والأساطير والأشعار؟

وهل تصدق أن خطبة تستمر بحدود عشر ساعات لم يرد لنا منها إلا ما تفيه خمس دقائق من القراءة؟ والخطبة تتحدث عن نبوءات آتية وفتن يحدد فهيا صاحب الرسالة الموقف من كل واحدة بالتفصيل؟ نعم إن إحدى خطبة استمرت بحدود عشر ساعات!! وهذا هو أقل تقدير:

عن عمر بن أخطب (رض) قال: صلى بنا رسول الله (ص) الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن.."(1)

إذن فالتفاصيل التي يذكرها النبي (ص) لهم عن الوقائع المستقبلية تتضمن تحقيق الوعد الإلهي المنتظر وتطبق شريعته على الأرض كلها وتحقيق الخلافة الإلهية وهي أمور غيبية لذلك ارتبطت بالعبارة القرآنية "وما هو على الغيب بضنين" - فالذي يخبر به هو من مشاهدة حقيقية لأنه رأى النجم الموعود في الأفق المبين، ولذلك أيضا قال "وما صاحبكم بمجنون".

وقد أشرنا باقتضاب في كتاب النظام القرآني إلى ان تهمة الجنون تختلف عن بقية الاتهامات الموجهة للنبي (ص). فأن لكل اتهام قضية وسبب مختلف وان هذه التهمة إنما يطلقونها في حالة معينة هي إخبارهم بأنه سيستولي على الملكوت ويقيم دولة الحق ويفتح أبواب السماء ويملك مفاتيح الجنة والنار وانهم يبعثون أو ينشرون أو يخرجون فيكونوا من جملة ذلك الخلق.

لنلاحظ مواضيع الاتهامات العديدة الموجهة للنبي (ص) فقد كانت الاتهامات هي: شاعر، كاهن، كذاب، ساحر، مجنون. وقد اتهم رسل (ع) سابقون ببعض تلكم الاتهامات:

الشاعر: كانوا يطلقون هذه التهمة عليه (ص) حينما يطالبون بتفسير أو يريدون إعطاء تفسير للنص القرآني.

لذلك ارتبطت لفظياً مع القرآن.

"بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر" 5/الأنبياء.

"وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو الا ذكر وقرآن مبين" 69/يس.

الساحر: وكانوا يقولون هو ساحر إذا رأوا منه آية مادية ظاهرة مثل انفلاق القمر أو تكليم الجبل أو انشقاق الشجرة أو تكليم الجمادات أو ما يحصل من تفاصيل يومية وخلال الغزوات والمعارك من شفاء للمرضى وتكليم للموتى.

فارتبطت التهمة بهذه المعاجز المادية ومع جميع من امتلك منها من الرسل السابقين:

"اقتربت الساعة وانشق القمر وأن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" 1/2-القمر.

"وقالوا مهما تأتنا بآية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين" 132/الأعراف.

قال ذلك آل فرعون عن الآيات المادية لموسى وهي تسع آيات.

وقالوا الشيء نفسه عن معجزات المسيح (ع):

"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمة والأبرص بأذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين" 110/المائدة.

وهكذا ترتبط تهمة السحر دوماً بالمعاجر المادية.

الكاهن: ويذكرون هذه التهمة لتفسير وقائع قريبة يخبرهم بها النبي (ص) وتتحقق فيقولون هو كاهن لأن ذلك من أعمال الكهان على رأيهم. ولما كانت (نعمة الله) ظاهرة وباطنة:

"وهو الذي أسبغ عليكم نعمة ظاهره وباطنه"

فحينما يخبرهم بما هو ظاهر يقولون كاهن وإذا أخبرهم بما هو باطن لم يصدقوا فيقولون مجنون!

لذلك ارتبط اللفظان (كاهن - ومجنون) سوية مع النعمة:

"فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهنٍ ولا مجنون" 29/الطور.

الكذاب: كانوا يطلقون هذه التهمة إذا اخبرهم بوقائع الماضي فهي تهمة مرتبطة بتاريخ الكون أو العالم.

فمثلا أنهم يزعمون أن الآلهة كثرة خلق بعضها من بعض وهذا تاريخ نشوء الكون والقوى الفاعلة فيه.

فإذا رد الدعوة بالإله الواحد وقال بانفعال جميع القوى له مستدلا على ذلك بآيات تنفعل فيها المادة له فقد اظهر حجة بالغة لأنه قادر على أن يفعل في الموجودات ما شاء خلافاً للآلهة المزعومة وهذا الفاعل يقر أنه وجميع ما فعل منفعل للإله الواحد فهذه حجة كاملة من الناحية المنطقية.

فكانوا يردون على الوحدانية باعتبارها تاريخاً بالتكذيب ويفسرون انفعال القوى له (ص) بالسحر:

"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب"

"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب" 3-4/صاد

وهكذا ترتبط تهمة الكذاب بالخبر الماضي:

"ألقيَ الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر" 25/القمر.

مجنون: وهي التهمة موضوع البحث. فهذه التهمة كانوا يذكرونها حينما يريدون تسفيه أخبار عن مستقبل العالم - فيما يخص نزول العذاب أو ظهور الدين في الطور المهدوي.

فهذا الظهور يستلزم نزول العذاب المرتبط بنزول الملائكة وظهور البركات لأن الاستخلاف هو عملية فرز للفريقين وتمكين للصالحين في الأرض يقابله عذاب للمنافقين والمعاندين فإذا اخبرهم بوقائع من هذا النوع قالوا هو مجنون.

كذلك ارتبط هذا اللفظ مع بشائر جميع الرسل (ع).

فمن ذلك قولهم لنوح (ع) انه مجنون عندما اخبرهم بنزول العذاب واستخلاف المؤمنين:

"كذبت قبلهم قوم نوحٍ"

"فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وأزدجر. فدعا ربه أنه مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً" 9-11/القمر.

وقد اتهم موسى (ع) بتهمة السحر باستمرار. ولكن في مرة واحدة فقط اتهمه فرعون بالجنون؛ وهذه التهمة الجديدة كانت قد حصلت خلال محاوره طويلة بينهما يتساءل فيها فرعون عن (رب العالمين) وهي مختلفة عن الواقعة التي سأل فيها موسى وهارون قائلاً:

"فمن ربكما يا موسى:.

ونلاحظ ان الجمع (رب العالمين) - مرتبط بالاستخلاف كما سيأتيك في موضعه.

كذلك اتهموا هوداً (ع) بنفس التهمة في واقعة معينة. ومع ان لفظ (مجنون) لم يرد مع هود إلا أن المفهوم هو الجنون وذلك في قولهم:

"إن نقولُ إلا إعتراك بعِضُ آلهتنا بسوء" 54/هود.

لان الروابط اللفظية تخبرنا عن سبب التهمة، ففي سورة الأعراف ذكرهم هود بأنهم مستخلفين من بعد نوح ودعاهم إلى تقوى الله فلم يقولوا مثل هذه التهمة.

لكن قالوها في مورد هود لماذا؟ لأنه هنا ذكرهم بما سيؤول إليه أمرهم وأشار إلى نزول العذاب واحتمال هلاكهم واستخلاف المؤمنين من غيرهم بعد ان يئس من طاعتهم:

"فان تولوا فقد أبلغتم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً".

وأما مع النبي (ص) فقد ذكروا هذه التهمة عند تذكيرهم بمستقبل العالم ونزول العذاب:

"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ.

التوافق العددي لموارد (الجنون) مع مراحل الطور المهدوي

رأينا أن النص النبوي حدد اثنا عشر خليفة للطور المهدوي. وقد لاحظنا ان هذا الرقم رقم كوني طبيعي متناغم مع النظام العام للكون ولعدد دورات القمر على الأرض.

لاحظناه أيضا بالجمع بين الأنظمة الثلاثة في سورة الكهف: السباعي وهو نظام بنائي عام والثلاثي وهو نظام الزمان وثنائي وهو نظام الاستمرارية.

فالجمع بين أعداد الأنظمة الثلاثة ينتج من اثنا عشر (7+3+2=12). ولاحظنا كذلك التوافق العددي هذا مع العلامات الكونية الاثنتي عشرة في مجموع المأثور الديني في الفصل السابق.

كما رأينا نفس العدد في الوقائع المتقدمة من سورة التكوير على (الخنس الجوار الكنس) التي هي علامة العلامات وأول الآيات. وإذا كان النبي (ص) يخبرهم عن كل مرحلة من المراحل الأثنتي عشرة للطور المهدوي بتفاصيل معينة ويجيبون في كل مرة أنه مجنون فلابد أن يتوافق عدد المرات التي ورد فيها الجنون مع عدد مراحل الطور المهدوي.

وهذا توقع مجردٌ توقعناه فأظهر الإحصاء صحة ما توقعناه: فقد وجدنا ان عدد موارد الجنون كتهمة موجهة للرسل (ع) هي سبعة عشر مورداً.

منها اثنان عن نوح (ع) هما 25/23 و 9/54.

وموردان عن موسى (ع) هما 27/26 و 39/51

ومورد واحد عام عن الرسل (ع) هو قوله تعالى:

"كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون" 52/الذاريات.

فهذه خمسة موارد والباقي من المجموع اثنا عشر مورداً وهي جميعاً في رسول الله (ص) وهذه نصوصها حسب ترتيب المصحف:

1. "أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة أن هو إلا نذير مبين" 184/الأعراف.

2. "أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون" 70/المؤمنون

3. "افترى على الله كذباً أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد" 8/سبأ

4. "ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ

5. "وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون" 158/الصافات

6. "وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر أنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين" 6/الحجر

7. "ويقولون أننا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون" 36/الصافات

8. "ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون" 14/الدخان

9. "فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون" 29/الطور

10. "ما أنت بنعمة ربك بمجنون وأن لك لأجراً غير ممنون وأنك لعلى خلق عظيم. فستبصر ويبصرون" 2-5/القلم

11. "ويقولون أنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين" 51-52/القلم

12. "وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين" 22-23/التكوير

وهي الآية موضوع البحث.

تلاحظ أن الآية الثانية عشرة حسب ترتيب المصحف خاصة بالخليفة الثاني عشر.

وهذا غريب جداً إذ كيف ترتبط بالعلامة الأولى التي يبدأ بها الطور؟ يفترض أن ترتبط العلامة بالمورد الأول لا المورد الأخير.

أن هذا يدل على أن خلفاء الطور المهدوي يوجدون أو يخلقون قبل تحقق الطور بأمد بعيد.

ويدل أيضا على انهم يبلغون العمر المؤجل لهم ويتوفاهم الله تعالى وأن الأخير منهم فقط هو الذي يبدأ هذا الطور به.

عندئذ سيكون بعثهم أو نشرهم هو الذي يعيدهم إلى التسلسل المذكور آنفاً.

ونجد في فصول آتية أن هذا النشر هو نشر مرحلي موزع على مراحل الطور المهدوي يتم فيه حشر المكذبين من الأمم فوجاً من بعد فوج لاحظ هذه الآية التي تتعلق بالحشر المهدوي:

"فتوكل على الله أنك على الحق المبين. أنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين. وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون. وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس بآياتنا لا يؤمنون.

ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون". 79-83/النمل

والملاحظات السريعة هنا:

الأولى: إن خروج الدابة (دابة الأرض) مقترن بنزول المسيح (ع) والمقارن لظهور المهدي (ع).

الثانية: إن قوله (يوزعون) يشير إلى توزيع هذا الحشر على مراحل ذلك اليوم.

بينما يكون حشر القيامة حشراً جماعياً.

"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً" 47/الكهف

و"يوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن" 128/الأنعام

الثالثة: أن هذا الحشر مرتبط بالمكذبين بالوعد وبالآيات في حين يرتبط الحشر الكلي بالإيمان والكفر.

وهو تفريق هام سترى تفصيله عند البحث في ألفاظ (يوم الدين).

نعود إلى السورة الكريمة:

قوله تعالى "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين".

قد تسأل لماذا قال تعالى (صاحبكم) ولماذا تكرر ذكر هذا اللفظ في موارد المخاطبة معهم وهي ثلاثة موارد مقترنة بلفظ (المجنون) واشتقاقاته؟

والجواب: أن هذا اللفظ هو الملائم لتحديد نوع العلاقة بينه (ص) وبين أعداءه من المكذّبين.

فإننا نجد القرآن الكريم يستعمل اللفظ على دلالته الأصلية ولا شأن له بالدلالة الاصطلاحية.

وهكذا ورد اللفظ في تسمية العلاقة بين المؤمن والكافر لأن المصاحبة (مرافقة) لا تستلزم طاعة ولا إتباعاً من قبل المرافق لرفيقه إن لم نقل إنها تستلزم المخالفة كما سنرى.

قال في الوسيط: صاحبه مصاحبة رافعة. اصطحب القوم - صحب بعضهم بعضاً. فاللفظ على أصله ينبئ عن مفارقة آجلة بين الصاحب وصاحبه أو عاجله.

وإذا كان في الاصطلاح يجوز اعتبار الصاحب متابعاً أو مخالفاً بحسب الأحوال ففي القرآن لا نجد مثل هذا الاستعمال العام. بل نجده لا يستعمله إلا في المخالفين والمشككين فهو مخصوص في العلاقة بين المختلفين في الرأي.

ولم يصف القرآن المتبعين للأنبياء بالصحبة مطلقاً بل وصفهم بألفاظ أخرى مثل (الذين أتبعوه):

"أن أولى الناس بإبراهيم لهذا النبي والذين اتبعوه" 68/آل عمران

فلم يقل وأصحابه لأن الأصحاب يختلفون ويخالفون في الرأي.

لذلك أمر بمصاحبة الوالدين إذا آثرا الشرك:

"فإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً" 15/لقمان.

وحينما ذكر موسى (ع) لم يذكر الفتى الذي معه باسم صاحبه بل قال (فتاه) للتنويه على تفانيه في طاعة موسى (ع):

"إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين" 60/الكهف

ولكنه حينما أراد وصف علاقته بالمشككين من بني إسرائيل والذين يرجفون بموسى ويخوفونه من عدوه - أي المنافقين منهم تحديداً سماهم (أصحاب موسى) فقال:

"قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين..." 161/الشعراء.

وحينما أراد وصف علاقة بين رجلين أحدهما مؤمن والآخر كافر للمثل المضروب في سورة الكهف سماهما صاحبين فقال:

"قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم سواك رجلاً" 37/الكهف

وكذلك فعل حينما نقل لنا محاورة موسى (ع) مع العبد الصالح فأنه إذا لم يقدر أن يكون تابعاً فانه يرفض أن يكون صاحباً

"فإن سألتك بعدها عن شيء فلا تصاحبني" 76/الكهف

كذلك فعل حينما أراد وصف علاقة بين رجل ضال وجماعة مهتدين حيث سّماهم أصحاباً:

"حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى أئتنا" 71/الأنعام

وذلك كله عدا الموارد الثلاثة التي سمّى فيها الذين يتهمون النبي (ص) بالجنون - سماهم أصحاباً.

وتظهر دلالة الصاحب في الاستعمالات العامة. فصاحب الشيء هو القائم عليه والمالك له.

قال المعجم: الصاحب القائم على الشيء. والصاحب مالك الشيء ولذلك تظهر العداوة بين الأشخاص لأن غاية الصاحب امتلاك صاحبه والقيام عليه بالأمر والنهي.

فالنبي (ص) يريد القيام عليهم بالأمر والنهى فإذا أطاعوه خرجوا من حد الصحبة إلى التابعية فصاروا أتباعاً. وإذا أرادوا القيام عليه بالأمر والنهي والتحكم في أفعاله كانوا أصحاباً وبقوا أصحابا. لذلك أمره الله بعدم طاعتهم ورفض الانصياع لأهواءهم:

"لا تطع منهم آثما أو كفوراً" 24/الإنسان

"فلا تطع المكذبين" 8/القلم

"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا وأتبع هواه" 28/الكهف

"ولا تطع كل حلاف مهين" 10/القلم

كما أمره سبحانه أن لا يتبع من هؤلاء أحداً لأنه جاء ليكون متبوعاً لا تابعاً:

"ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" 48/المائدة

"ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" 18/الجاثية

"ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا" 150/الأنعام

"ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك" 49/المائدة

ومعلوم ان هذه التأكيدات هي لوجود (الأصحاب) لأن الأعداء من عبدة الأصنام ظاهرين لا يعقل ولا يحتمل أنه يطيعهم أو يتبع أهواءهم.

إنما الحرج والأمر المشكل هو مع الأصحاب الذين هم ليسوا بأتباع وإنما يريدون منه أن يتابعهم فنقلب المعادلة وتتغير شرائع الله وقد ذكر القرآن أنهم يرفضون طاعته فقال:

"ويقولون آمنّا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين" 47/النور

"وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون" 48/النور

"أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون" 50/النور

"وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة أن الله خبير بما تعملون" 53/النور

"وذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم" 26/محمد

فإذا قلت أن الأمة أطلقوا لفظ (الصاحب) خلافاً لهذا المفهوم.

قلنا: إننا ذكرنا مراراً أن للقرآن الكريم نظامه اللغوي الخاص وإنما نكتب هذه المؤلفات خلافاً لاعتباطية الاستعمال اللغوي واعتماداً على الدلالة القرآنية. أما السلف فقد أطلقوا اللفظ على المجموع أي على الذين (اتبعوه) وعلى الذين آذوه.

فإن قلت فكيف استعمله النبي (ص) لهذا المعنى المخالف للدلالة القرآنية؟

قلت: وأين استعمله مخالفاً للدلالة القرآنية؟ بل العكس تماماً فقد استعمله مطابقاً للدلالة حينما أخرج البخاري في باب الحوض الحديث المشهور في (الأصحاب) بعشرة طرق هذا لفظ أحدها: قال (ص) "إنا فرطكم على الحوض من مرَّ عليَّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردن عليَّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيرَّ بعدي".

مصادر الحديث: البخاري - باب الحوض. مسلم. في باب: (وكنت عليهم شهيداً) أحمد بن حنبل في مسنده / ج1 ص233،235 - ج5/333-400 و ج2/300-408 و ج3/28-281-354 و ج6 297-317 التاج الجامع/ج5-379.

فإن قلت قوله (ص) (ناس من أصحابي أو زمرة من أصحابي) يدل على أن الصحبة عامة فهؤلاء أقلية منهم لأن (من) تفيد التبعيض قلت: نعم هي كذلك لكنها تفيد التبعيض في ذلك الموقف عند الحوض فليسوا جميعاً يصلون إلى الحوض ويطردون منه إلى النار وإنما بعضهم يبلغ هذا الموضع وذلك أن (الذائد) عن الحوض يذودهم عنه وكأنما أفلت جماعة فرآهم النبي (ص) فاللفظ الآخر للنص يدل عليه لاحظ هذا اللفظ:

".. فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت إلى أين؟ قال إلى النار والله قلت وما شأنهم قال إنهم إرتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعِّم"

التاج الجامع للأصول من حديث البخاري / ج5/كتاب القيامة والنار. هَمَل النعم: الواحدة من الإبل سارحة في المرعى بلا راع تخرج عن القطيع بعيداً.

التعبير النبوي في (همل النعم) مقصوداً إذ لما كانوا مثل القطيع التابع لصاحبه يسوقه حيث أراد فالناجون منهم في العدد هم كنسبة الخارج من القطيع بلا راع.

فإن قلت ورد عنه (ص) قوله: "أصحابي كالنجوم بمن اقتديتم فقد اهتديتم" - ومفهومة مخالف لما ذكرنا.

أقول: ورد مؤكداً ومتواتراً أنه (ص) أمر أن يعرض حديثه على كتاب الله فما وافقه أخذ به وما خالفه ضرب به عرض الحائط وهذه هي ألفاظه عينها بعد أن قال (ص) "أيها الناس لقد كثرت عليً الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فإذا عرضنا هذا النص المخالف لكل ما هو معقول وجدناه يخالف القرآن فنضرب به عرض الحائط. فنحن في هذا المنهج لا نؤمن بعلم الرجال ونعدّه بدعة من البدع التي وضعوها مخالفين بذلك جميع النصوص.

ألا ترى أننا لو اقتدينا بالزمرة المذكورة في الحديث السابق دخلنا النار؟

فهذا ما يفعله علم الرجال يجعل الرجال قيّمين على الشريعة ويجمع بين المتناقضات.


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:35 PM   #17
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



الفصل السادس
العلامات الكونية للطّور المهدوي في القرآن


1. طرائق المنهج في البحث
يكشف المنهج اللفظي (الذي اعتمدناه للنظام القرآني) عن العلامات الكونية للطور المهدوي في القرآن لأول مرة في التاريخ الإسلامي.
فلم يذكر أحدٌ من قبل ان العلامات الأثنتي عشرة المارة آنفاً لها صلة بالقرآن أو أن القرآن قد أشار لها. بل ذكروا نزول آيات في هذا الوعد الإلهي المنتظر وحسب، وهي لا زالت موضع جدال بينهم.
ويستطيع المنهج اكتشاف هذهِ العلامات بطرائقه وقواعده المذكورة في (مقدمة المنهج اللفظي) بملاحظته للاقتران اللفظي.
وهُوَ يستخدم لذلك عدة وسائل:
أ. منها ان إلغاء الترادف يستلزم البحث عن الفوارق بين خصائص الأيام المذكورة في القرآن مثل يوم الدين - يوم القيامة. يوم تقوم الساعة ... الخ إذ يعتبر المنهج هذا التغيّر في التسميّات قصديّاً ويتضمّن وجود أكثر من طور في مستقبل العالم. ويجري الأمر نفسه على الجناتّ والعذاب وبقية الألفاظ.
ب. إنه يلاحظ الاقتران اللفظي بين الموارد.
فمثلاً إذ كان ثمة اقتران مستمر بين خصائص معينة بألفاظ معينة مع يوم ما مختلفة عن خصائص أخرى مقترنة باستمرار مع يوم آخر أمكنه التفريق بين الأيام والأطوار وإظهار الخلط المتعمدّ أو غير المتعمد بينها.
ج‍. ومنها إنه يقوم بإجراء تحليل للوقائع التي تأتي في سياق قرآني واحد. فمثلاً ان المنهج إذ ينكر التكرار ويؤمن بوحدة الموضوع في السياق فانه يٌنكر إن تعاد الوقائع نفسها بأسماء مختلفة جديدة لأن هذا من عمل المخلوق الضعيف وليس من صفة كلام الخالق تعالى.
مثال ذلك: ان الوقائع في سورة الانشقاق تبدأ بالسماء "إذا السماء انشقت" والأرض "وإذا الأرض مُدّت".. ثم في آخر السورة يأتي نفي القسم مع وقائع أخرى "فلا أقسم بالشفق. والليل وما وسق. والقمر إذا انسق لتركبّن طبقاً عن طبق" .. فالمنهج يعتبر الوقائع الجديدة مختلفة زمنياً عن الوقائع السابقة وتحدث في طور آخر. وتمكنه ملاحظة الاقتران اللفظي من الربط بين خصائص الوقائع في السوَّر حيث يتأكد من النتائج بصورة حاسمة.
ومثال ذلك ان سورة التكوير تبدأ أيضا بذكر وقائع بأداة الشرط "إذا الشمس كورّت... وإذا ..الخ" وتنتهي بنفي القسم مع وقائع جديدة "فلا اقسم بالخّنس الجوارِ الكنسّ والليل إذا عَسعس. والصّبح إذا تنفسّ..".
فيربط المنهج بين الوقائع المبدوءة بالشرط (إذا) في جميع السور ويربط كذلك بين الوقائع المبدوءة بنفي القسم في جميع السور ويفرق بين النوعين.
د. يستخدم المنهج طرائقه في التقديم والتأخير المذكورة في كتاب (الحل القصدي) لملاحظة تقديم الوقائع على غيرها خلافاً للاعتباط الذي يؤمن (بالرتبة).
فإنكاره المنهج للرتبة وتركها مفتوحة ومرتبطة بمراد المتكلمّ يجعّل الاقتران فعالاً في كشف مراد المتكلمّ من النص ما دام التقديم والتأخير خاضعاً لغاياته الآنية ومرتبطاً بترتيبه المقصود في كل عبارة وكل نص مستقلاً عن الآخر وهذهِ المسألة بالغة الخطورة أتمنى ان تلتفت لها المدارس النقدية للانتفاع بها في فهم النصوص بدلاً من التخبط الذي هم فيه.
ه‍. تعد ذلك يمكن فهم المأثور والتحقق من صحة النتائج فالمأثور أي (الحديث) يعمل في المنهج على مستويين: الأول إثارة منابع الاقتران وأخذ عناوين بحثية عن النص. الثاني وهُوَ (الارتداد) يقوم الباحث برّد ما حصل عليه من نتائج من النص الإلهي لتعديل رؤيته للحديث!
إن مثل هذا العمل أقول عنه بكل فخرّ انه عملٌ خلاق لم يستطيع الاعتباط اللغوي التوصل اليه بالرغم من مرور ألف وأربعمائة سنة من عمره المديد - قطع الله عمره.
2. تسلسل العلامات في القرآن
رأينا في الفصل السابق تسلسل العلامات الكونية وارتباطها بالمذنب. لقد تضمن التسلسل المذكور فكرة (التتابع) أو ما سمّاه النبي (ص) (بنظام الخرز).
وهذا النظام يشتمل على تتابع عليِّ أي ارتباط الظاهرة الكونية بما يسبقها فإذا وصَلَ المذنّب إلى مقربة من الأرض حَصلَ خسوف للقمر. في أول الشهر العربي ثم تغير في الليل والنهار بسبب التجاذب مع الأرض وتغير سرعة دورانها. وعند وصوله إلى منطقة التعامد مع خط الاستواء تحدث ظاهرة ركود الشمس، والصيحة بمعنى الدوّي أو (الصوت) الذي يُسقط الأبنية العالية ويخرج العواتك من خدورهن. ثم تدور الأرض بعد ليلة الثالثة والعشرين بصورة معكوسة لأنها واقعة تحت زاوية ميل معينة ينقلب فيها التجاذب مع المذنّب في تلك الليلة وتخرج من المغرب فيتغيرّ نظام الفلك الذي سُمّي (باستدارة النجوم أو استدارة القمر).
سيحصل يوم الخامس والعشرين أكبر تأثير على القمر لاقتراب المذنب منه ودورانه حول الأرض خلال هذهِ المدة ووصوله إلى مقربة من خط المذنّب .. ثم تنتهي الأحداث التي ابتدأت بظهور الحمرة في السماء أو النار عند هذا الحدّ وتكون الأرض قد تحولت إلى وضع جديد بمدار جديد وزاوية ميل أخرى.
إذن فالتسلسل هُوَ على نحو ما كالترتيب الآتي:

أننا نفترض ان السياق القرآني لا يذكر العلامات بهذا النحو فهناك ظاهرتان في القرآن يجب علينا الانتباه لهما:

الأولى: ان السياق القرآني سيأخذ ما يلائم الحديث في الموضع المقررّ من العلامات محافظاَ على الترتيب وهو مثل ما يحدث حينما يأخذ فقرات متباعدة من قصص ووقائع الأمم السالفة محافظاً على الترتيب الزمني من خلال الترابط الكلي العام للنظام القرآني.

الثانية: انه ربّما يتحدث عن الظواهر (من فوق) لا من تحت. بمعنى انه يتحدث عنها كونياً وعالمياً لا بالنسبة لأهل المشرق أو المغرب أو غيرهم وهذا يعني انه قد يُعبرّ عن الظاهرة بطريقته الخاصة ولعلّه يجمع أكثر من حادثة وواقعة بلفظٍ معّين محافظاً على الترتيب ضمن النظام العام. إذا أخذنا هذهِ الظواهر في أسلوب القرآن بعين الاعتبار مع طرائق المنهج الآنفة فيمكننا إذن اكتشاف علامات الطور المهدوي في القرآن.

وسأذكر الآن جملة من هذهِ العلامات في قصار السور القرآنية علماً أن ما أذكره هُوَ جزء يسير من تلك الشبكة المحكمة من العلاقات اللفظية.

3. العلامات الكونية في سورة الطارق

بسم الله الرحمن الرحيم:

" والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب. إن كل نفس لمّا عليها حافظ. فلينظر الإنسان ممَّ خلق. خلق من ماء دافق يخرج من بين الصُلب والترائب. انه على رجعة لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر. والسماء ذات الرجع. والأرض ذات الصَدْع. انه لقول فصل. وما هُوَ بالهزل. أنهم يكيدون كيداً. وأكيد كيداً فمهلّ الكافرين. أمهلهم رويدا".

أجواء السورة وغاياتها

سوف نتحدث عن أجواء السورة وحَسب، فلا نتعرض لتطبيق لفظي للمنهج على جميع الألفاظ لأن هذا أمر يطول بيانه كما تعلم.

عن أي شيء تتحدث السورة؟ ما هو محورها الذي تدور عليه؟

إنها تتحدث عن خلق الإنسان من أي شيء وتلفت النظر إليه.. (فلينظر)، ثم تؤكد على رجوعه كما بدأ. عندئذٍ تنكشف السرائر وتبتلى فلا يجد ناصراً.

جاء ذلك بعد حِلفٍ أو يمين بالواو (والسماء والطارق) وحدث إلفات هام على صيغة السؤال هو:

"وما أدراك ما الطارق؟" ثم أجاب: " النجم الثاقب". فلما انتهى هذا المقطع، عاد إلى الحلف مرة أخرى بالسماء والأرض مؤكداً أن هذا القول هو فصل لا هزل. وإنهم يكيدون كيداً والله يكيد كيداً أيضا فمهّل الكافرين..

إن وحدة موضوع السورة تدعونا للنظر في العلاقة بين السماء والطارق وبين رجوع الإنسان إلى الحياة. وتدعونا أيضا إلى التساؤل عن جميع الألفاظ والأفكار.. لماذا هنا يسمّي السماء ذات الرجع ... لماذا الأرض ذات الصدع .. لماذا لا قوة له ولا ناصر .. لماذا هذا اللفظ بالذات (تُبلى) وأين يقع ذلك ومتى؟

وللإجابة على ذلك تذكر الملاحظات الآتية:

أ. ان السورة كلها تقع بين لفظين هما السماء والإمهال (رُويداً) ثمة إذن زمان للإمهال معلق على قضية في السماء وتحديداً مع الطارق.

ب. ويؤكد لنا هذا الترابط بين المُهلة وبين الطارق السؤال المحرضّ على ان نبحث عن العلاقة من خلال توجهيه السؤال إلى النبي (ص): (وما أدراك ما الطارق) ومن خلاله إلى كل سامع.

ثم يُجيب على السؤال: (النجم الثاقب). وكأنما النجم الثاقب معلوم أصلاً للمتلقي الذي هُوَ هنا النبي (ص).

لكنهّ أعطى لهذا النجم الثاقب اسماً جديداً ... ومعنى ذلك انه أعطاه صفة جديدة. ففي الحل القصدي لاحظنا ان تعدد أسماء الشيء الواحد إنما هُي صفات لتعدّد مواصفات وخصائص ذلك الشيء. إنها ليست مترادفات متفقة في الدلالة كما زعَم الاعتباط.

ج‍. إذن فالعلاقة هي بين النجم الثاقب وبين خلق الإنسان وإرجاعه بعد الموت إلى الحياة. إن اقتران النجم أو الطارق بالسماء وبخلق الإنسان يؤكد على أمرَين: الأول: وحدة المنشأ والثاني: الترابط في المصير.

فكان هذا الإنسان إنما خُلَقَ لغاية وان السماء خلقت لنفس الغاية وكلاهما من منشأ واحد. لذلك نلاحظ ان الجنة عرضها السماء. إنها المساحة المؤهلة لاستغلالها من قبل الإنسان والكافر الذي يمهّله في آخر السورة يزعم انه لا ترابط بين الاثنين .. ولا غاية لهما:

"وما خلقنا السماءَ والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنّ الذين كفروا" ص/ 27.

أما المؤمنون فأنهم:

"يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك"آل عمران/191.

ولمّا كانت الغاية تظهر متأخرة في الزمان فاّن الكفرة يقولون نموت ولا نراها .. فحتى لو صحّتّ لا نراها فلنفعل ما يحلو لنا لا ما يُريد الذي يأمرنا.

ومن هنا أكّد على الرجوع "أنه على رجعةِ لقادر".

د. يقولون أيضا: حسناً لنفرض أننا نَرجع فإننا عندئذٍ سنفعل ما يفعل المؤمنون! سنقول ما يقولون ونعترف بما يعترفون به نقول "والله ربّنا ما كنا مشركين" ونطلب من الله الصفح ونعتذر ذلك لأننا لآن تدخل مع المؤمنين ونفعل مثل فعلهم .. فلا يّميزنا أحد. ها نحن الآن نأمر وننهي ونكون علماء في الدّين نفسهِ. فلا أحد يكذبّنا بل الجميع يقدسوننا وينظرون لنا على أننا ورثة الأنبياء وأننا أهل المعرفة!

وتجيب السورة على ذلك: ان كل نفس عليها حافظ يحفظ عليها ما فعلت! وفوق ذلك حينما يتحقق الوعد فالسرائر تُبلى لأن الطبيعة ستعمل على مفاتيح خارجة من السرائر!

بحيث ان المؤمنين يأمرون الأشياء فتذعن لهم: هم يتقدمّون في النعيم وانتم تتخلفوّن إلى العذاب والجحيم هُم يأمرون الأشياء والموجودات وانتم ستكونون جزءً من تلك الموجودات جلودكم تنطق بأمرهم .. وحينما تقولون لجلودكم

"لم شهدتم علينا قالوا انطقنا الله الذي انطق كل شيء"، قوتكم تضعف ونصر بعضكم يزول فلا (قوة ولا ناصر) لأنكم ستكونون جزءً من الأشياء المستعبدة.

وإذا قالوا: إذن نموت ونرتاح من العناء يقال لهم كلاّ لن تموتوا لأنكم ستكونون مثل الأشياء ... أحياء بعمر الجماد!

ه‍. إذن فنحن نلاحظ ان السورة اعتمدت اسماءً معرفّة بال التعريف (السماء) - (الطارق) - (النجم الثاقب). فهذا التعريف يّدل على أنها معهودة أو معلومة عند المخاطب. النجم الثاقب نجمٌ معلوم له علاقة بهذا الوعد وله علاقة بالقول الفصل وله علاقة بيوم ابتلاء السرائر وله علاقة بأحياء الموتى وإرجاعهم .. لأن السور قد افتتحت به وأكدت عليه وتساءلت عنه!

"وما أدراك ما الطارق! النجم الثاقب"

و. نلاحظ ان هذهِ الوقائع لمجموعها تتحدث عن طور سابق على حوادث القيامة! فحينما يُلغى النظام الكوني (تطوي السماء كطيّ السجل للكتب)أو (ترك الأرض) دكاً دكاً وتسجّر البحار لا يبقى موضوع أو موضع للحديث عن:

السماء - الطارق - النجم الثاقب - الأرض ذات الصدع - السماء ذات الرجع .. يكيدون كيداً ... أكيد كيداً .. قوة .. ناصر! إذ ليسَ في القيامة موضع لهذهِ الألفاظ .. ليسَ هناك كيدُ يكاد ضدهم ولا حديث عن ناصر لهم ولا قوة لهم لأن كل ذلك تحصيل حاصل.

فإذا استعرضت الآيات التي تتحدث عن القيامة ودخول جهنم والتي يأتيك بعضها في المقارنات علمت ان هذهِ السورة بعيدة عن هذا الموضوع .. بيد أنها تتحدث عن نفس الفكرة!

لأن الأطوار كلها إنما هي على فكرة واحدة هي توحيد الله! فالفكرة واحدة والأطوار مختلفة والمراحل متباينة. فلنلاحظ الآن أين تكمن العلامة الكونية للطور المهدوي؟

المذنّب علامة العلامات في سورة الطارق

لقد ذكرت السورة علامة واحدة فقط من علامات هذا الطور وهذا هُوَ النظام القرآني العجيب في اختياره العلامة المناسبة. لأننا سنلاحظ عدداً اكبر من العلامات في سور أخرى. أما هنا فلان السورة على قصرها تضمنت الحديث عن رجوع الإنسان وابتلاء سريرته وكيد الكافرين - ولأنها ربطت السماء بالأرض في الغاية ولأنها ربطت المنشأ والمصير بين الإنسان وعالمهِ الكوني فقد اكتفت بذكر علامة واحدة فقط.

ولكن أيّ علامة اختيرت في السورة؟ أنها علامة العلامات اختيرت المذنب الموعود.

فلقد رأيت في الفصل السابق ان النجم المذنب سماّه المأثور (نجم الآيات) وعرفنا علاقته بالآيات وكونه المسبب لها والعلة في ظهور تتابعها بنظام محدّد (كنظام الخرز).

ويبقى ان تتأكد لغوياً وحديثاً من كون (النجم الثاقب) هُوَ المذنب الموعود:

اللغة:

النجم: هذا التعاقب الصوتي المؤلف من النون والجيم والميم مرتبط عند أهل اللغة ومن خلال الاستعمال بالظهور وتحديداً الظهور المباغت. هذا المعنى العام الأصلي الذي وقعت عليه المعاني المستعملة عندهم. وبالطبع فالمعاجم تستخدم الترادف اعتباطاً لأنها لا تفرق بين الألفاظ: قال:

نجمَ: ظهرَ وطلعَ. والنجم: الكوكب: وهذا ترادف خاطئ لأن لكل منهما استعماله الخاص في القرآن. والمنجمان: عظمان ناتئان من ناحيتي القدم. لاحظ دلالة الظهور والطلوع في هذا الأستعمال. ويقال:

(نزل القرآن نجوماً) - وادىّ المال تنجماً أو أنجمه اداه نجوماً أي دفعةً بعد دفعة. أقول تحديداً بدون سابق ميعاد. كما تنزل السورة أو الآية من غير ان يعلم النبي (ص) بالوقت.

لذلك أطلقوه على ما يطلع من النبات من غير زراعة فحسبَ المعجم انّه (ما نجم على غير ساق) بينما الساق لا علاقة لها بالموضوع إنما هُوَ النبات الذي يظهر بغتة ومن غير ان ينتبه له أحد. وفي القاموس المحيط:

والمنجَم: قال المعدن. ويستعمل الآن لموضع المعَدن لأنه غائر واستخراجه يتم على دفعات حيث ما وجدوا الخامات. إذن فالنجم في الأصل مرتبط (بالظهور المباغت) وهُوَ ما يوافق جميع الاستعمالات.

الثاقب:

نحن في الحل القصدي نقوم بجمع الاستعمالات على أصل واحد كما علمت وفي هذا اللفظ أكثر من مفهوم عند المعاجم:

الثقبُ: الحزق النافذ.

ثقبت النار: ثقوباً اتقدت.

ثقب الكوكب: أضاء.

والثقيب مثل أمير: الشديد الحُمرة.

أما زعَمه: (النجم الثاقب) هُوَ زحُلَ فمردود عليه لأنه موضوع بحثنا. وقال آخرون: النجم الثاقب المرتفع على النجوم (كما في المحيط) نلاحظ في هذا الاستعمال احتمالين: إما ان يكون الثاقب هُوَ المتقدّ ذاتياً والشديد (الاحمرار) بحيث يمكنه اختراق الأشياء فجاء منه الخرق النافذ. وإما ان يكون العكس ان الأصل هُوَ الخرق النافذ وأطلق على النار لقدرتها على النفاذ والخرق ومجازاً على الحُمرة.

على اننا نشكّ في دقة نقل المعاجم للاستعمالات. بل نتهمّهم أيضا باللامبالاة و و و....

لأنه إذا قال الثقيب: ( الشديد الحمرة ) ولم يدخلها في جملة مفيدة كما يفعل الأجانب في لغاتهم فقد تجنىّ على المفردة جناية عظيمة لأننيّ لا أعلم هل أسمي الوردة الحمراء (ثقيبة) لأنها شديدة الحمرة أم النسيج الحديدي المحُمي على النار لنفس السبب أم يجوز ذلك لكليهما!؟

الحمد لله الذي ألهمنا معاني الحُروف لنتخلص من هذا البلاء. تؤكد لنا معاني الحروف ان هذا التعاقب يفيد في أداء دلالة خاصة بالقدرة الذاتية على اختراق الحُجب الكثيفة.

ومعلوم ان اللون الأحمر لون صارخٌ يؤدي إلى هذهِ الفكرة. كذلك النار. أما النجم فهو علمياً كرة نارية بنواة. أنه في المفهوم العلمي شمس من الشموس وبهذا تجتمع الاستعمالات المادية والمعنوية. ان المذنب يختلف في كونه شمس ذات ذنب طويل من الغازات وكونه لا يطلع كبقية النجوم بموضع ثابت بل له مدارات خاصة يغيب ثم يظهر فيها.

إذن النجم الثاقب على المعنى اللغوي هُوَ: طلوع مباغت لكرة نارية ذاتية الاتقاد لها قدرة على اختراق الحجب هذا التعريف اللغوي يطابق خصائص المذنب بل هُوَ تعريف المذنب بالدقةِ المطلوبة على ما رأيته من صفات للمذنبات - وهُوَ بعد ذلك (نجم) ينجم بصورة مباغتة انه يظهر من غير توقع زمني. الطارق:

لقد ذكر القرآن الكريم (النجم الثاقب) كتعريف للطارق "وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب".

إذن فالطارق مفردة تعوض عن النجم الثاقب في الدلالة الا إنها دلالة أكثر غموضاً من حيث كونها اسم لشيء لم نسمع به من قبل!

فلنلاحظ اللغة، ففي المعاجم:

الطَرْقُ: الضرَبْ. ولكن هذا ترادفُ سيُّ فما معنى الضرَبْ؟ إذ الضرب هُوَ الآخر مفردة مجهولة بالنسبة لنا. لأن المعجم يجب ان يذكر الدلالة الفعلية لكل لفظ مستقلاً عن الآخر؟ أما هكذا فانه لا يقوم الاّ بمزيد الخلط والتمويه. يمكننا استخراج الدلالة من خلال ملاحظة جميع الاستعمالات وتعريفها بجملة طويلة. قال صاحب القاموس:

والطرق: نتف الصوف.

والطُرقة: الظُلمة والطمع والحجارة بعضها فوق بعض والعادة.

والطريق والطرائق: والطرق - المسلك. والطريق: شريف القوم. والمطاريق: المشاة. وأطرقَ سكتَ ولم يتكلمّ. والَطرقةُ: الصنعة. والَطْرقُ: الإتيان في الليل.

قال والطارق: كوكب الصُبح!!

وهذا صَحيح إذا لم يكن كلَّ صبح بل الصّبح المذكور في القرآن على ما يأتيك.

أقول يمكننا ان نجمع الاستعمالات الأساسية على معنى موحّد يمثل أصل اللفظ.

وهذا المعنى الأصلي للطرق هُوَ الذي ينطوي على طرف آخر إذ هُوَ اتخاذ مسلك معّين للظهور من خلال الطرف الآخر. فشريف القوم يظهر بقومهِ وفيهم. ولذلك كانت الطريقة هي المسلك الذي يتم فيه ظهور الحركة. والمُطرق (الساكت) كذلك يتخذ مسلكاً معيناً لظهور الإجابة هُوَ الصمت والسكوت فهو استخدام على الحركة من خلال التمثيل. والطارق إذن هُوَ فاعل الفعل الظاهر لذلك قالوا الطُرقة هي الصنعة وطارق الليل السالك فيه على هذهِ الطريقة. ويَصحّ بالطبع لإفادة المفاجئة والمباغتة لأن المسلك المخصوص من شؤون صاحبهِ إذن فالطارق على المعنى الأعم ذو الطريقة التي لا يحيد عنها والذي يعمل المفاجئات والذي يظهر على غير ميعاد سابق. وتلك صفة واضحة في المذنب.

أما المرويات:

ففي كتاب العلل وكتاب البرهان وكتاب الأنوار النعمانية بأسايندهم عن الإمام علي (ع) انه سئل عن الطارق الذي في القرآن فقال:

"هُوَ أحسن نجم في السماء وليسَ يعرفه الناس"(1) ومعلوم ان المذنب هُوَ أحسن النجوم وأكثرها جمالاً وما ولَعُ المئات من الهواة في رَصد المذنبات خصوصاً الاّ لحُسنها وجمالها.

وجاء في الحديث أيضا:

"وإنّما سمي الطارق لأنه يطرق نوره سماءً سماءً إلى سبع سموات ثم يطرق راجعاً حتى يرجع إلى مكانه".

وفي نسخة العلل:

"ثم يطرق سماءً سماءً راجعاً حتى يرجع إلى مكانه". ويظهر لنا من تتبع السموات السبع في القرآن ان المقصود بها في بعض الموارد (النظام الشمسي). فالغلاف الغازي أو المدار لكل واحد منها وفضاءه هُوَ سماء مستقلة. ويؤكد ذلك الحديث المار في الفصول الأولى، بالرغم من ان النظام السباعي قد يكون نظاماً كونياً عاّماً.

وإذن فان الطارق يخترق هذهِ المدارات ويعود إلى موضعه وهذهِ صفة المذنب حسب العلم الحديث - (راجع المجلات المتخصصة في مدارات المذنب).

النتيجة:

أن الطارق النجم الثاقب. هُوَ نجم متقدّ ذاتياً شديد الحمرة له مدار خاص به يظهر بغتة وفق مسلكه في الحركة وهُوَ المذنب.

لكنه بالطبع ليس كل مذنب. لأنه معّرف بمفرده (الطارق) وعرف ثانياً بالنجم المعرف بال التعريف وعرف ثالثا بالنعت (الثاقب) وعرف رابعاً بالعطف على معرف بنفسه وبال التعريف (السماء)، وعرف خامساً مكرراً بالسؤال (وما أدراك ما الطارق).

فهذا التعريف المستمر له يدل لغوياً على انه نجمٌ واحد محددّ ومعلوم. وقد لاحظنا ان الأحاديث التي ذكرت العلامات ذكرته بأسماء مشابهة "إذا رأيتم نجمكم" - "ليس هذا نجم الآيات.." "فإذا جاء النجم ذو الذنب" .. "فكأني بالنجم ذي الذنب .." .. الخ إنما تشير إلى النص القرآني وتأكيده على هذا النجم الموعود الذي يحوّل واقع الأرض إلى واقع آخر مختلفٍ جذرياً.

مناقشات سريعة مع التفسير الاعتباطي لما في سورة الطارق

1. الطوسي: "بينّا القول فيه فالطارق هُوَ الذي يجيء ليلاً وقد فسره الله تعالى بأنه النجم الثاقب فالنجم هُوَ الكوكب وقال الحسن المراد جميع النجوم.

أقول لم يبين لنا أيَّ شيء لأنه إذا كان هُوَ الذي يجيء ليلاً فآلآف وملايين النجوم تجيء ليلاً بالتتابع حسب دوران الفلك (عندهم) - أو الأرض كما نفهم الآن.

وأما قوله هُوَ الكوكب فهو اعتباط محض! لأن الكوكب مستعمل في القرآن مع نكرة معرفة بالإضافة (زينة الكواكب) على الجمع بينما النجم الثاقب معرف خمس مرات في السورة على انه مفرد. وقول الحسن البصري المراد الجميع فما أدراه! ان الله يريد الجميع وهُوَ يذكر المفرد المعّرف خمس مرات!؟ ولماذا لم يجمعه كما جمعه في الواقعة فقال (فلا اقسم بمواقع النجوم)؟ ام يرى ان المفرد والجمع سواء؟ وان الله يأتي بالمفرد حيث يريد الجمع وبالعكس؟ سبحان الله عما يصفون.

2. ابن زيد: قال "النجم الثاقب" هُوَ زُحل. أقول وما الذي يدعوني لتصديق ابن زيد هذا؟

ترى لو أعجبه ان يقول (المشتري) أو (عطارد) فهل أصّدقه؟

(قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين).

3. عكرمة ومجاهد: "انه على رجعة لقادر".

قالا: أي ردّ الماء في الصلب قادر.

أقول: قد ذكرت ان إنكار الإعادة أو رجوع الأموات إلى الحياة (بالبعث أو النشور) هو من قول الذين كفروا كما نص القرآن.

فالله يقول فلينظر الإنسان مم خلق ثم يقول انه على رجعة لقادر يوم تُبلى السرائر. فإذا كان الضمير يعود على الماء فما علاقة ذلك بالسرائر أليس (يوم) مبني على الضرفية؟ أي قادر على رجعهِ في هذا اليوم فهل يكون انكشاف السرائر للماء دون الإنسان انظر ثم انظر أخي القارئ إلى تعسف الاعتباط ومحاولاته اليائسة لصرف الأنظار عن دلالة الآيات. الله يقول على رجعة لقادر مخاطباً الإنسان (فلينظر) وهم يقولون رد الماء في الصلب!!

4. الضحاك: (أنه على رجعةِ لقادر) أي انه على ردّ الإنسان ماءً كما كان قادر. والرجع هُوَ الماء.

ليتَه إذ فسرّ الرجّع بالماء قال هُوَ (على رجعهِ) أي ماءهِ قادر بمعنى يُعيده من الماء كما خلقه من الماء لأنه قال (خلق من ماء دافق).

فإذا كان الرجع هُوَ الماء أصبح قوله تعالى " على رجعهِ لقادر " أي على ماءهِ فالضمير يعود قطعاً على الإنسان فكيف يزعم انه يردّ الإنسان إلى ماء كما كان لأنه يتحدث عنه في الضمير المتصل بالرجع.

كل ذلك وكأنه مصر على إنكار البعث بأية وسيلة - ولم يحدث ذلك مطلقاً في آيات البعث الكلي يوم القيامة وإنما حدث في آيات البعث في الطور المهدوي خصوصاً.

تقاسمها عكرمةُ والضحاك:

واحد يقول ردُّ الماء إلى الصلبِ والآخر يقول ردُّ الإنسان إلى ماء!

أما ردّ الماء إلى إنسان فلا! لأنه هُوَ المتعين من النشور كما سيأتيك مفصلاً في موضعه.

"زعَم الذين كفروا ان لن يبعثوا! قل بلى وربّي لتبعثن ثم تنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير" التغابن/ 7.

علاقات لفظية للسُورة مع الحديث الشريف

لمّا كان المذنب نجمٌ من النجوم وهُوَ شمس مستقلة بحركة ذات مدار خاص بها فقد ارتبط لفظ الشمس أو الكوكب أو المذنب في أحاديث كثيرة عن الطور المهدوي ارتبط بقائد هذا الطور كما في الأحاديث الآتية:

1. إكمال الدين بمسندهِ عن علي بن ابي طالب (ع) وبعد ان ذكر سلسلة من الوقائع قال:

"وذلك بعدَ طلوع الشمس مع مغربها". إكمال الدين نقلناه عن البشارة/ ب2 - 57.

ثم ان رجلاً اسمه النزالٍ ابن سبرة سأل صعصعة بن صَوحان عن هذهِ العبارة خصوصاً فقال صعصعة:

"يا بنَ سبرة ان الذي يصلي خلفه عيسى بن مريم هُوَ الثاني عشر من عشرة رسول الله التاسع من ولد الحسن وهُوَ الشمس الطالعة من مغربها ...الخ".

ومن المحتمل ان صعصعة قد شرح الأمر كما يفهمه هُوَ وعلى طريقة (المجاز اللغوي) بينما طلوع الشمس من مغربها حدث كوني فعلي يقع في هذا الطور يتناغم لفظياً مع طلوع شمس المعرفة.

2. لاحظنا أيضا تشبيه النبي (ص) له بأنّ (وجَهه كالكوكب الدرّي) وفي مثل هذهِ النصوص نجد انتخاباً مقصوداً لألفاظ معينة تفيد في التنويه عن العلامات في ذات الوقت.

3. ونلاحظ ذلك أيضا في أحاديث عامة غير متعلقة بالعلامات، فحيث ما وجدت فرصة للتنويه عن علاقة قائد الطور بالفلك والنظام الطبيعي ذكر الحديث هذهِ العلاقة وخاصة مع الشمس.

ففي حديث طويل ذكر فيه الإمام الصادق (ع) الفتن فبكى السامعَ قال (فبكيت فقال لي ما يبكيك يا أبا عبد الله فقلت فكيف لا أبكي وأنت تقول اثنتي عشر راية مشبهة لا تدري أي من أي فكيف نصنع فقال (وقد) نظر إلى شمس داخله في الصفة فقال يا أبا عبد الله ترى هذهِ الشمس؟ قلت نعم. قال والله لأمرنا أبين من هذهِ الشمس.

4. في حديث آخر للإمام علي (ع) ورد فيه تفصيل للعلامات العامّة للطور المهدوي وهُوَ الحديث الوحيد الذي يجعل المذنب أولّ علامة في تسلسل العلامات.

هذا الحديث هُوَ جزء من خطبة للإمام (ع) تُسمى (اللؤلؤة) نأخذ منها موضع الاستشهاد:

".. وتعمل القبة الغبراء ذات القلادة الحمراء وفي عقبها قائم الحق يُسفر عن وجههِ بين الأقاليم كالقمر المضيء بين الكواكب الدرّية. ألا وانّ لخروجه علامات عشرة أولها طلوع الكوكب ذي الذنب.." البشارة /87.

ومن هنا ندرك جزءً من سبب تخصيص سورة لهذا النجم الموعود المتقد ذاتياً وتسميتها باسمه (سورة الطارق)، لأن هذا النجم هُوَ أول العلامات الكونية المحتومة وهُوَ المسبب لتتابع بقية العلامات في نظام كنظام الخرز حسب النص (النبوي). وهُوَ الذي يقوم بنقل واقع الأرض إلى واقع جديد يلائم هذا الطور والذي هُوَ الهدف الأساسي من الخلق.

4. العلامات الكونية في سورة التكوير

تبدأ السورة بذكر عدد من الوقائع المستقبلية بأداة الشرط إذا ولا يأتي جواب الشرط الاّ بعد اكتمال اثنتي عشرة واقعة وهذهِ الوقائع هي على الترتيب التالي:

1. إذا الشمس كورت.

2. وإذا النجوم انكدرت.

3. وإذا الجبال سيّرت.

4. وإذا العشار عطلت.

5. وإذا الوحوش حشرت.

6. وإذا البحار سجّرت.

7. وإذا النفوس زوجت.

8. وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت.

9. وإذا الصحف نشرت.

10. وإذا السماء كشطت.

11. وإذا الجحيم سُعرت.

12. وإذا الجنة أزلفت.

وحينما تنتهي الوقائع الاثنتي عشرة يأتي جواب الشروط كلها جواباً واحداً هُوَ "علمت نفس ما أحضرت". وحينما ينتهي ذلك يأتي نفي للقسم (فلا اقسم بالخنسّ...) حيث تعاد صيغ شرطية أخرى مع جواب جديد كما سنرى وموضوعنا يتعلق بهذهِ الصيغ الشرطية وجوابها ولكن قبل ذلك نذكر بعض الملاحظات عن الوقائع الآنفة:

الأولى: ان جواب الشرط متعلق بكل واقعة على انفراد ومعنى ذلك ان الشمس إذا كورت علمت نفس ما أحضرت وإذا النجوم انكدرت علمت نفس ما أحضرت وهكذا إلى قوله وإذا الجنة أزلفت.

لماذا؟ لأن هناك إعادة للشرط (إذا) فلو كان السياق مقتصراً على العطف فقط لكان الجواب لا يقع الاّ عند وقوع الحوادث كلها وهذا الفارق الهام أهملهَ الاعتباط اللغوي فلو قلت لابنّك: إذا درست وعملتّ معي في الحانوت وأطعتني بنيت لك داراً لك...".

يفهم السامع انك لا تبني الدار الاّ عند وقوع الثلاثة سوية الدراسة والعمل والطاعة. ولكن لو قلت له "إذا درست وإذا عملت معي وإذا أطعتني بنيت لك داراً".

فأنه يفهم انك تبني له الدار إذا عمل أية واحدة من الثلاثة. وهذا ما أتفق العوام عليه بالسليقة اللغوية يقول القائل "يا أخي إذا سلمتني المال وإذا أودعته عند أحد وإذا أعطيتني مكانه كذا فاني راضٍ فالمهم ان توفيني مالي".

يفهم السامع ان الرضا متعلق بتحقيق أي واحد من الشروط لا جميع الشروط.

الثانية: ان الترتيب هنا زماني. فالوقائع المستقبلية تترتب زمانياً ولكنه ليس كما نتصور أي ان الأول من الوقائع هُوَ الأخير بالنسبة لنا.

فالسامع إنما يُثيره اقتراب الوقائع لا ابتعادها. ألا ترى المحقق مع المتهم يبدأ بالسجن الذي هُوَ نهاية قصة المتهم ثم يفاجئه كل مرة بما يؤدي إلى السجن ويذكر له التفاصيل مقترباً من واقع الحدث وزمانه؟ هذا الترتيب هُوَ ما تؤكده الآيات التي مرت علينا في سورة هود.

فالجنة إذا أزلفت هُوَ أولّ الوقائع المنتظرة. وتستمر ما دامت السموات والأرض فإذا كورت الشمس بعد انكدار النجوم الغي هذا النظام الكوني وانتهت المراحل ومعلوم ان هذهِ الوقائع على هذا الترتيب واقعة زمانياً بين أول الطور المهدوي ويوم القيامة.

بمعنى أنها تمثل حقب ومراحل هذا الطور.

الثالثة: ان عدد هذهِ الوقائع مترابط مع النظام الكوني. لقد لاحظنا ان السبعة نظام بنائي: سبعة سموات - سبعة الوان ..الخ والثلاثة نظام زماني والاثنان نظام توليدي يمثل الزوجية العامة أو التقابل الضروري للوجود مثل شمالي جنوبي في المغناطيسية وسالب وموجب في البناء الذري.

ومجموع هذهِ الأنظمة هُوَ اثني عشر.

وأيضاً لاحظنا ان هذا العدد مساوٍ لعدد خلفاء الطور المهدوي في الحديث الشريف:

"كنّا جلوساً إلى ابن مسعود بعد المغرب وهُوَ يعلّم القرآن فسأله رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أسألت النبي (ص) كم تملك هذهِ الأمّة من خليفة فقال: ما سألني عنها أحد قبلك نعم خلفاؤكم اثنتي عشر عدة نقباء بني إسرائيل".

مصادر الحديث بألفاظه المختلفة وأسانيده المختلفة:

1. مسند احمد بن حنبل: أربعة وثلاثون طريقاً هي في الجزء الخامس بالصفحات من 86-108.

2. المستدرك / ج3/ 618-617.

3. الخلافة والأمارة ب1/ ف 1/ 34.

4. كنز العمال / ج 5 - 312 المطبوع في هامش مسند أحمد.

5. تاريخ بغداد / ج 14/ 353 ح 7673.

6. تاريخ الخلفاء/ 7.

7. الصواعق المحرقة / ف 3 ب 1/ 11.

8. صحيح البخاري/ ج 4/ كتاب الأحكام باب أخراج الخصوم.

9. الترمذي في الصحيح / ج 2 ص 45.

10. صحيح مسلم / باب الأمارة.

11. صحيح ابي داود م ج 2 / كتاب المهدي.

12. في كتب الشيعة المختلفة / 614 حديثاً عن الخلفاء الاثنى عشر. مجموع النصوص في الأثنتي عشر خليفة يربو على تسعمائة نص.

الرابعة: ان المقصود بلفظ (خليفة) أو (خُلفاء) في النص النبوي هُوَ عين المقصود به في النص القرآني، لأنه (ص) يحاكي القرآن في ألفاظه. فالخليفة والخلفاء في النص القرآني شخوص محددّين بأسمائهم قبل خلقهم على ما جاءت به البشائر المختلفة في القرآن. والخلافة في القرآن مركز إلهي.

أما هَؤلاء الذين يسميّهم الناس (خلفاء) فلا علاقة للنص القرآني والنبوي بهم. الخليفة تسجد له الملائكة كما سجدت للخليفة الأول آدم إذا اعتبرناه هُوَ المقصود بقوله تعالى (إني جاعل في الأرض حليفة). وقد يقول البعض وخاصة تلامذة المستشرقين: ان هذا هُوَ نفسه (الحق الإلهي) الذي حكمت الكنيسة به الناس قرون طويلة.

والجواب نعم انه الحق الإلهي نفسه الذي حكت به الكنيسة قرون طويلة لكنه مسروق من أصحابه الفعليين. فالكنيسة لا تمتلك في الأصل هذا الحق، وهذا هُوَ الفارق بين المالك الفعلي والسارق. إنما هذا الحق هُوَ خاص بالمسيح (ع) وحَدة ومن هُوَ مثله عند الله. الا ترى النص النبوي يذكر المهدي (ع) باسم خليفة بطرائق كثيرة مثل "من خليفة الله فاتبعوّه" أو (لابّد من خليفة) وكذلك ورد في النبوي المجمع على صحتهِ ان المسيح (ع) يصلي خلفه.

إذن فقوله (ص) (الخلفاء من أمتي اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل) المراد به رجال من هذهِ المرتبة.

فهنا يتم ابتلاء الخلق كما ابتلى الملائكة بالسجود لآدم، وامّا الحرية في الاختيار فأنها تظهر هنا فقط. لأن العبودية للموجودات هي العبودية والعبودية لله هي التحرر من عبودّية الموجودات. ولكن العبودية الحقهّ لله يجب ان تفرز فرزاً صحيحاً ولا يتم هذا الفرز الاّ بالتحرر من الذاتية وعبادة (الأنا) فالتحرر يتم من خلال طاعة الله في طاعة من أمرّ بطاعتهِ من الخلق. فالأمر الإلهي واحد لا يمكن تجزئته وحينما يريد الله استخراج الصالح من الطالح أو الطائع من العصي فأنه يأمر بطاعة بعض الخلق دون البعض خلافاً للظواهر وبهذا الطريق وحده يتم الفرز.

واغرب ما قرأت لأحد كتاب مصر المتحذلقين زعمه ان تحديد اثنا عشر اماماً أو خليفة للنبي (ص) يتعارض مع الحرية.

فهذا الزعم لا يّدل إلاّ على جهل مُطبق بالحريّة. لأن تحديد هذا العدَد لا يُلغى الاختيار بل يُحددّه. وهُوَ مثل الأمر ان تكون صلاة الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاثة والفجر ركعتين.

إذ يتوجب على هذا الكاتب الغبي رغم شهرته ان يدعيّ ان التشريع مخالف للحرّية في كل واحدةِ من التفاصيل. وعلى ذلك فالتشريع الوضعي يؤدي إلى نفس النتيجة وعليه ان يقترح على (مجلس الأمة) المصري إلغاء كافة القوانين.

القانون موضوع للالتزام به لمن أراد سواء كان إلهياً أو وَضعياً والحرية باقية إذ لا أحد له قدرة على سلب حرية الاختيار منّ أي كائن. ولذلك تجد من يخالف القانون ويخرج عليه دوماً فإذا طاله القانون عاقبه وإذا لم يطله بقي خافياً فالقانون يطلب من الأفراد ان يختاروا كذا ولا يختاروا ما هو عكسه لكن هذا الرجل يبدو أنه يحمل ضغينة على الله خُصوصاً فظهرت في تحديد اثنا عشر خليفة لأنه لو قال ذلك بشأن الصلاة كفرّه

(الأزهر الشريف) وحدثت مشكلة.

ولكنه يستطيع قول ذلك مع (اثنا عشر خليفة) لأن الاعتباط يرتاح نفسياً لأبطال هذا الجزء من التشريع واختيار جزء آخر - مع ان النصوص التي تؤكد هذا العدد هي أضعاف النصوص الخاصة بعدد الركعات.

ان طاعة الله لا تتحقق ابداً الاّ عند طاعة أوامره كافة واعتبارها امراً واحداً.

قلنا ان الوقائع الاثنتي عشرة في السورة الكريمة مرتبة تنازلياً من الأبعد إلى الأقرب. وإذن فاؤّل الوقائع الزمنية المنتظرة هوَ (إذا الجنة أزلقت) إذ هو أول الوقائع المنتظره السابقة للقيامة.

هذا يعني انها آخر وقائع الطور المهدوي. فيتسعّر الجحيم وتزلف الجنة .. وبعكس الترتيب فتنتهي بتكوير الشمس وانتهاء النظام الطبيعي المعهود.

وهذا يعني ان الجنة ستكون بعيدة في الملكوت السماوي حيث نبرهن في فصول لاحقة ان الجنة تنطلق من الأرض وتغزو السماء فالكفرة الفجرة لا يستطيعون الارتقاء في الأسباب (وتتقطع بهم الأسباب)(1) ولا يقدرون على الفرار(2) من الأرض فتجري عليهم اهوال التغيرات الكونية لأنهم إذ عنوا للمادة وعصوا خالقها فتنغلق عليهم مفاتيح الوجود (ولا تفتح لهم أبواب السماء حتى يلج الجملُ في سم الخياط)(3)

لذلك قال النبي (ص) "لا تقوم الساعة إلاّ على شرار الخلق"(4). ونحن هنا نفرق لفظياً بين الساعة ومرساها وقيامها.

وعلى هذا الترتيب فعندما يتم جواب الشرط (علمت نفس ما أحضرت) ويعود إلى نفي القسم " فلا اقسم بالخنسّ الجوار الكنس..." فان هذا السياق مع شروطه الجديدة (والليل إذ عسعس والصبح إذا تنفس) وجواب هذهِ الشروط سيكون خاصاً بالطور المهدوي وعلاماته، بينما كان القسم الأول من السورة مختصاً بمرحلة ما بعَد المهدوية. لذلك سنحاول ملاحظة هذهِ الشروط والإجابة وارتباطها اللغوي بالعلامات الكونية:

المذنّب الموعود في سورة التكوير

" فلا أقُسمُ بالخنسّ. الجوار الكنسّ. والليل إذا عسعس والصُبح إذا تنفسّ. انه لقول رسول كريم. ذي قوةٍ عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين. وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين. وما هُوَ على الغيب بضنين. وما هُوَ بقول شيطان رجيم. فأين تذهبون. ان هُوَ الاّ ذكر للعالمين. لمن شاء منكم ان يستقيم وما تشاءون الاّ ان يشاء الله ربّ العالمين".

يبدأ النص القرآني في مرحلته الثانية بذكر الوقائع التي تسبق الطور المهدوي ويرتبها هذهِ المرة ترتيباً جديداً من الأقرب إلى الأبعد ذلك لأن هذا الطور هُوَ مفتاح ما يقع من الحوادث المذكورة في أول السورة.

ويبدأ ذلك بنفي القسم: "فلا اقسم بالخنسّ"، والذي يُسمّيه الاعتباط اللغوي بالقسم. ونحن سمّيناه نفي القسم لأن الله تعالى لا يجوز بحقه ان يقسم بشيء من خلقهِ لأن القسم (براءة) من الأشياء واعتماد على المقسم به بينما (الحلف) الذي يتحقق بالواو هُوَ ارتباط مع المحلوف به فيجوز بحقهِ تعالى.

أما المخلوق فيجوز الحلف ولا يجوز القسم بغير الله لأنه لا يمكن ان يعتمد على غيره تعالى، وهو تفريق نفيس ذكرناه في كتاب (اللغة الموحّدة) وكتاب (النظام القرآني).

وتسمّي الواو عند الاعتباط بواو القسم بينما هي واو الحلف لأنها تخلو من لفظ (اقسم).

لذلك لم يرد في القرآن إلاّ نفي القسم من قبلهِ تعالى وهو اثنا عشر مورداً نفي فيها القسم جميعاً.

واليوم ونحن نكتب هذهِ السطور وجدنا من المأثور ما يؤيد ذلك في حديث عن الإمام علي (ع) هذا نصّه:

"محمد بن العباس قال حدثنا عبد الله بن العلا عن محمد بن الحسن بن شمون عن عثمان بن ابي شيبه عن الحسن بن عبد الله الارجاني عن سعد بن ظريف عن الأصبغ بن نباتة عن علي عليه السلام قال سأل ابن الكواء عن قوله عز وجل فلا أقسم بالخنسّ الجوار الكنسّ قال (ع): ان الله لا يُقسم بشيء من خلقه..."(1) أقول ذهل المؤلف لغلبة الاعتباط عليه فقال قبل الوصول إلى الحديث: (فلا أقسم أي أقسم) - تم ذكر الحديث بعد ذلك ولم يصحح ما ذكره آنفاً.

وقد تقول لماذا ينفي القسم؟ وما الغاية من ذلك؟

والجواب انه تعالى حينما يقول لا أقسم فأنه يريد منا أن نعلم انه لا يقسم بهذا الشيء ومعنى ذلك انه لو كان يجوز بحقه أن يقسم شيء لأقسَم به لعظمته عنده لذلك قال في الواقعة:

(فلا أقسم بمواقع النجوم. وانه لقسَمٌ لو تعلمون عظيم).

فإذا قلت: إذا كان القسم لا يجوز بحقه تعالى ولا يجوز للعبد أن يُقسم بغير الله فلمن هو قسَمٌ عظيم إذن؟

والجواب: ان تعظيم القسم لا علاقة له بوقوعه وجوازه أو عدمه؟

فهذا القسم لو كان يجوز فهو عظيم.. بيد انه لا يجوز. ألا ترى كيف تظهر هنا معادلة عجيبة غاية العجب فانه يعظم القسم بالشيء فمن جهة يظهر لك عظمة عند الله ومن جهة أخرى ان هذه العظمة لا قيمة لها أمام المطلق مهما بلغت! وإذن فتعظيمك للقسم والمقسم به على الفرض هو لتعظيم الله له فقط.

فانه بهذا النفي وبهذا الاستعمال اللغوي حافظ على تعظيم الشيء مع عدم المساس بعظمة المطلق. أو حافظ على التعظيم المطلق لله مع تعظيم الشيء.

فانظر اذن إلى عظمة (الخنسّ الجوار الكُنّس) عند الله.

فما هي الخنسّ الجوار الكُنّسّ؟

الخُنّس الجوار الكُنّس:

قال ابن مسعود (رض) وجماعة هي: الضُباء، جمع ضَبي وهو الغزال.

وقال سالطوسي: وقيل هي بهرام وزحل والمشتري وعطارد والزهرة.

وقال أهل اللغة: الخانس الغائب عن الطلوع.

وقال آخرون: روي عن أمير المؤمنين علي (ع) أنها النجوم - لانها تخنس بالنهار وتبدو بالليل.

ويظهر ان العبارة الأخيرة من شروحهم وإضافاتهم وليست من قول الإمام (ع) إذ من المحتمل انه قال (النجوم) على التعميم.

وخالف البيضاوي في كتابه أنوار التنزيل فقال بوجه واحد هو:

"الخنس الكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر وهي ما سوى النيرين من السيارات".

وهذا يعني ان الخنس عنده هي الكواكب السيارة. وقال "لانها تختفي في ضوء الشمس".

أقول ان تأخر الطلوع مساوٍ للطلوع لتساوي الليل والنهار في المعدل ولذلك فان الخنس يفقد دلالته مع السيارات لطلوع بعضها بصورة دائمة والمطابق لمعنى اللفظ هو المتأخر في الظهور تأخراً بيناً وواضحاً - بينما السيارات تتناوب الظهور والخفاء.

ما علاقة (الضباء) بالأمر في تفسير ابن مسعود (رض)؟

العلاقة هي إن الضبي يتخذ من جذع الشجرة بيتاً في أسفله ليسكن فيه.

وتسمى الضبية الوحشية في هذه الحالة بالكناس. وقيل ان البيت وحده هو الكناس - فربطوا بين لفظ خنس وكنس فقالوا الضباء. وفي القاموس:

الكناس بيت الوحشية تتخذه في جذع الشجرة.

قال: والجواري الكنس هي الخنس أو هي كل النجوم أو الملائكة أو بقى الوحش وضباؤه والكناسة هي القمامة.

أقول: لابد من معرفة الكنس لتحديد دلالة الخنس لأنه تعالى أوضح الخنس بها فقال: الخنس الجوار الكنس.

والجوار واضحة من الجري وهي الحركة السريعة.

وهذا يعني استبعاد جميع التفاسير أعلاه لانها مناقضة لها في الحركة فالوحشية إذا اختفت لم تتحرك والسيارات بطيئة الحركة جداً فالمشتري يكمل دورته حول الشمس بأكثر من أحد عشر عاما من سني الأرض وكلما ابتعد المدار ازداد البطء في الحركة المنظورة من الأرض.

قال في القاموس: الكناسة موضع بالكوفة وأشياء أخرى هي:

المرأة الحسناء.. والكنيسة السوداء! (لاحظ التناقض)، وسبعة مواضع بمصر وتكنَّس دخل الخيمة والمرأة دخلت الهودج. وهذه المعاني وضعت بصورة مستعجلة وبغير تمحيص.

فالكناسة ليست موضعا بالكوفة إنما هي مقبرة الكوفة.

والقبر هو كناس لأنه يخفي جسد صاحبه مثلما تخفي الخيمة والهودج والشجرة من يدخل فيها.

إذن الكنس هي ذوات حركة سريعة بيد إنها مختفية في بيت فهي من جهة تغيب غيبة طويلة ومن جهة أخرى فإنها تجري بسرعة ومن جهة ثالثة فإنها مختفية في بيت ورابعا إنها من النجوم قطعا لأنه الوجه الذي ذكره الجميع والملائم لسائر موارد نفي القسم والحلف في القرآن:

(فلا أقسم بمواقع النجوم)

(والنجم إذا هوى)

(والسماء والطارق)

(كلا والقمر....) ... إلى آخر الآيات.

فما هي الأجسام الكونية المتصفة بهذه الصفات الأربعة؟

إنها المذنبات وهي الوحيدة التي تتصف بهذه الخصائص مجتمعة، لأنها:

أولاً: من النجوم لانها شموس متقدة ذاتياً.

ثانياً: لها نواة محاطة بهالة من الغازات عند الرأس وصورتها مع الذنب هي صورة الوحشية مع شجرتها.

ثالثاً: إن سرعتها مهولة فهي أسرع النجوم حركة.

رابعاً: إن ظهورها يتم بعد اختفاء طويل الأمد وغيبة أطول من فترة الظهور يصل بعضها إلى آلاف السنين كما رأيت من قبل.

إن دقة التشبيه القرآني والتسمية هي إلى درجة ان التسمية وقعت على أحد الألفاظ القرآنية في العالم الصناعي حيث سميت أنواع من المذنبات (بالمكنسة) لأن لها ذيول تشبه المكنسة.

الواقع ان هذا جزء مما سميناه بالحماية الذاتية للتعاقب الصوتي.

إذن فالتفاسير المذكورة تحمل دلالة التشبيه والمطابق للنص القرآني هو الوجه الذي يقول إنها نجوم من غير تحديد.

- علاقات أخرى -

ان لهذه التسمية علاقات هامة بالمهدوية مثلاً:

أ. إن فيها إشارة إلى تأخر الوعد كما تتأخر المذنبات.

ب. إن فيها إشارة إلى غيبة (النجم) الموعود في علاقة مع غيبة طويلة (للنجم) الذي يهدي الخلق أي المهدي الموعود (ع).

ج. إن فيها إشارة إلى علاقة ذلك بنزول المسيح (ع) من السماء.

د. إن فيها دلالة إلى عنصر المفاجأة والمباغتة في الظهور.

هـ. إن فيها إشارة إلى وصول النور الذي يبدد الليل ويجعل الصبح متنفساً بعد طول اختناق وبعد ظلام طويل.

(والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس):

في هذين المقطعين عطف على نفي القسم أي لا اقسم بالخنس الجوار الكنس ولا اقسم بالليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس.

قال ابن عباس (رض) ومجاهد والضحاك وابن زيد عسعس: أدبَر بظلامه

وقال مجاهد والحسن: أقبل بظلامه.

وقال الطوسي: عسعس إذا أدبر.

وقال الفيروز آبادي: عسعس أقبل أو أدبر.

وقال البيضاوي: أقبل وأدبر لأنه من الأضداد.

أقول: لابد من الرجوع إلى (عس) لان اللفظ هو مكرر له.

عس: طاف بالليل. وعَسّ خبرُه: أبطأ. وعست الناقة: رعت وحدها. والعسعاس: السراب.

قال: وعسعس السحاب دنا من الأرض.

أقول: ان ما يجمع هذه المعاني هو حركة عس. إذ تنطوي الحركة على ثقل مع تردد. فالسراب مثلا يتردد في الحرمة. ولذلك قالوا أبطأ. والثقل والتردد يظهر في السحاب الثقيل إذ يرتفع وينخفض بحسب قوة الرياح.

ان الألفاظ المكررة هي ذات حركة ترددية دوما مثل: تعتع، عتعت، زحزح... الخ فهي تتصف بالتردد بين جهتين لذلك قالوا أدبر وأقبل وقال البعض أدبر وقال آخرون أقبل.

هل تحدث حركة مثل هذه في الليل؟

أبداً لم تحدث حركة كهذه في الليل فالليل يتحرك كما هو بهذا النظام المعهود وبالحركة الدورانية للأرض والتي هي حركة لطيفة لا يشعر بها أحد.

إذن فهذا الليل الذي لا يقسم به الله ويظهر عظمته هو ليل مخصوص لا كل ليل.

فقد ورد ذكر الليل في القرآن بنحو من (66) مرة.

وأكثر تلك الموارد ذكرت جريان الشمس والقمر وحركة الليل والنهار الطبيعية وتكويرهما على بعضهما وولوج أحدهما في الآخر.

هذه بعض الموارد:

"وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار" 33/14

"وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر" 12/16

"وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر" 33/21

"ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل" 29/31

"يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل" 5/39

"يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" 44/24

يزعم الاعتباط أن (عسعس) هو ما يحدث في كل ليل من إقبال وإدبار. لكننا نلاحظ ان وحدة السورة تستلزم اعتبار هذه الوقائع المشروطة بأداة الشرط إذا مشابهة في وقوعها للحوادث المارة في أول السورة فهذا الثقل في الحركة والعسعسة لا تحدث في الليل الطبيعي فالقسم مشروط بأداة الشرط (إذا عسعس).

قالوا أيضا: امتلأ بظلامه ومنه عس اللبن إذا امتلأ.

هذا صحيح ولكن متى يملئ بظلامه فقد قال الحسن إذا أظلم ومعلوم أن الليل ينطوي على الظلمة فهو مثل قول القائل إذا السواد أسوّد.

إذا كان المقصود تكاثف الظلام فلابد أن هذا ليل مخصوص يتكاثف فيه الظلام لأسباب كونية متجددة على النظام الطبيعي وحجب للنجوم.

فإذا رجعت إلى العلامات الكونية فان (ركود الشمس) معناه توقف الحركة المحورية للأرض بسبب المذنب كما رأيناه من قبل.

وبعد ذلك التوقف تدور الأرض بصورة معكوسة حينما تزحزح من وضع السكون عند ابتعاد المذنب إلى الجهة الأخرى. \

وسوف يحجب الذنب النجوم وقد رأينا أيضا ان ذلك سوف يؤدي إلى حصول ليل طويل جدا لان الجزء المظلم من الأرض يتضاعف فيه الليل لحين اكتمال الدوران العكسي.

فإذا صادف وقوعه على الجزء المسكون أو النصف المسكون من الأرض فهو ليل كثيف الظلام وطويل وخانق وهو اكثر الليالي رعباً بالنسبة لسكان المعمورة.

وهنا تلاحظ حركة القلقلة من الوضع السابق إلى اللاحق مروراً بوضع السكون بصورة جلية. فالعسعسة حركة بطيئة وثقيلة غاية الثقل لامتلاء الأرض بالظلام الدامس ومعلوم أن ذلك تصاحبه زحزحة واهتزاز عنيف لإخراج الأرض من وضع الركود إلى الوضع الجديد الذي تطلع فيه الشمس من مغربها.

وعند طلوع الشمس يتنفس الصبح المختنق وتتنفس الخلائق بعد ليلة طويلة ومرعبة تعادل ثلاثة أيام في بعض المرويات.

"أنه لقول رسول كريم":

جواب الأقسام المنفية المذكورة:

قالوا: الضمير في أنه يعود إلى القرآن.

ولما كان معنى ذلك انه القرآن من قول الرسول وهو ما ادّعاه الذين كفروا فقد اضطروا إلى جعل الرسول الكريم هو جبريل (ع) لإبعاد فكرة التقول.

بينما لا فرق بين الأمرين لأنهم زعموا أيضا ان القرآن يملى عليه بكرة وأصيلاً وجبريل (ع) هو الآخر مخلوق. ويبدو ان المفسرين لهذا السبب وحده أضافوا عبارات تنوه عن هذا الالتباس لتخريجه بأية صورة.

قال البيضاوي: (أي جبريل (ع) فانه قاله عن الله).

يريد بهذه العبارة التأكيد على أن جبريل (ع) لا يمكن ان يتقوله بينما النبي (ص) يمكن أن يتقوله!

وهذا واضح البطلان لأن النبي (ص) عندهم أعلى مقاماً من جبريل (ع).

وقال الطوسي عبارة مماثلة: "معنى انه سمعه من جبرائيل ولم يقله من قبل نفسه".

وكأن جبريل (ع) عند الكفار لا يتقول بخلاف النبي (ص).

أقول وهنا مناقشتان غير ما مر:

الأولى: في قوله تعالى "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين" - الإجماع أن المقصود هو النبي (ص) ومعلوم أن الأقاويل لا علاقة لها بالقرآن إذ لا يمكن إثبات القرآن من خلال تأكيده على أنه من الله لا من النبي (ص) - فالمقصود أقاويل أخرى.

الثانية: فاتهم أن المعجز معجز بنفسه فالآية هي برهان لنفسها ولصاحبها ولا يمكن أن تعتمد على غيرها في البرهنة عندئذ لن تكون آية. لذلك لم يناقش القرآن من زعم أنه تقوله لأن هذا الكلام قائم بنفسه لا يمكن أن يتقوله مخلوق.

إذن لا يمكن ان يحتج القرآن لنفسه بهذه الطريقة فيقول:

(أنه لقول رسول كريم) - فالكافر قد يجيب قائلا: ومن أين أعلم أنه رسول كريم؟

إنما يعلم انه رسول كريم من خلال القرآن لكونه معجز وآيات بينات وكونه قائم بنفسه.

إذن فالضمير لا يمكن أن يعود على القرآن لان المحاججة تصبح لا منطقية وفيها مصادرة واضحة.

الضمير يعود على تفاصيل ما ذكره آنفا من الوعد الإلهي.

والمعنى ان ما يخبركم به من تفاصيل هذا الوعد المنتظر هو قول رسول كريم ثبتت رسالته وصدقه بالمعجز الذي هو هذا الكلام أي القرآن فالسورة جاءت لتصديق كلامه (ص) عن الوعد لا لتصدّق نفسها من خلال النبي (ص) أو جبريل فانظر إلى غفلة الاعتباط اللغوي وانظر إلى غاياته في إخفاء الوعد المنتظر.

لذلك قال: "ذي قوة عند ذي العرش مكين".

أي ان قيادته العامة لهذا الطور وظهور حفيده للقيادة المؤقتة ممكن عملياً لان لديه قوة عند ذي العرش مكّين من تحقيق ما وعد من ظهور رسالته وغزوه للسموات وفتحه لأبواب الجنة وأبواب النار وقدرته في إلقاء من شاء في أتون جهنم وإنقاذ من يشاء عند تحقق الوعد وانكشاف السرائر.

ثم قال "مطاع ثم أمين".

فهو مطاع من قبل القوى الكونية والملائكة والموجودات وأمين على مشيئة الله ورسالته وشرائعه.

فالسياق كله لا علاقة له بجبريل (ع) لأن جبريل هو أحد جنوده.

بل أن جبريل (ع) في المرويات هو منادي المهدي الموعود (ع) ووزيره الأيمن، هذه بعضها:

الأولى: في كشف الأستار وعقد الدرر عن حذيفة عن النبي (ص) في قصة ظهور المهدي (ع) قال:

".....ثم يخرج متوجهاً إلى الشام وجبريل على مقدمته وميكائيل على ساقته يفرح به أهل السماء وأهل الأرض والطير والوحوش والحيتان في البحر..."(1).

الثانية: في الارشاد قال:

"إذا أذن الله تعالى للقائم في الخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه وناشدهم بالله ودعاهم إلى حقه وان يسير فيهم بسنة رسول الله (ص) ويعمل فيهم بعمله فيبعث الله جل جلاله جبريل (ع) حتى يأتيه فينزل على الحطيم يقول: إلى أي شيء تدعو؟ فيخبره القائم فيقول جبريل: أنا أول من يبايعك أبسط يدك فيمسح على يده"(1)

الثالثة: أخرج ابو نعيم في مناقب المهدي (ع) عن ابن عمر قال "يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا خليفة الله فاتبعوّه"(2).

وقد فسر جميع الحفاظ (الملك) على انه جبريل (ع) اعتمادا على القرائن الأخرى.

الرابعة: "في كتاب البيان يسنده عن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله (ص):

"يخرج المهدي على رأسه غمامة فيها منادي ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه"(3).

الخامسة: في عقد الدرر عن محمد بن علي (رض) قال:

"الصوت في شهر رمضان في ليلة الجمعة فأسمعوا وأطيعوا ثم قال فإذا سمعتم ذلك الصوت فلا تشكوا انه صوت جبريل (ع) وعلامة ذلك انه ينادي باسم المهدي واسم أبيه"(4).

السادسة: في كتاب الغيبة عن الباقر (ع) قال:

"الصيحة لا تكون إلا في شهر رمضان لأنه شهر الله وهي صيحة جبرائيل (ع) إلى هذا الخلق ثم قال ينادي مناد من السماء باسم القائم بالأمر فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب لا يبقى راقد إلا استيقظ ولا قائم إلا قعد ولا قاعد إلا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت فرحم الله عبداً اعتبر بذلك الصوت فأجاب فأنه صوت جبريل الروح الأمين"(5).

السابعة: ابو نعيم في الفتن عن شهر بن حوشب قال: بلغني ان رسول الله (ص) قال:

"يكون في رمضان مهمهة وفي ذي القعدة تتحارب القبائل وفي ذي الحجة ينتهب الحاج وفي المحرم ينادي مناد من السماء: إلا ان صفوة الله من خلقه فلان فاسمعوا له وأطيعوا"(6).

نعود إلى السورة الكريمة:

قوله تعالى: "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين وما هو على الغيب بضنين".

في هذه الآيات الثلاثة يختلف الحل القصدي للغة مع الحل الاعتباطي من وجوه عديدة.

أولاً: أن الاعتباط يعمم الأفكار فمثلا يقول: أي أن صاحبكم الذي يدعوكم إلى عبادة الله ليس بمجنون بل هو عاقل.

فمثل هذا التعميم لا فائدة منه للقارئ. إذ لم يوضح له الاعتباط لماذا جاء هنا بلفظ صاحبكم ولماذا جاء بلفظ مجنون وما علاقته بمجمل السورة؟ فهناك موارد قالوا فيها انه ساحر وأخرى شاعر فالاعتباط لا يربط الألفاظ المستعملة مع الموضوع وكلامهم هو إنشاء وتعميه على الدلالات القرآنية.

ثانياً: قالوا ولقد رآه بالأفق المبين أي رأى جبريل (ع).

ومرة أخرى يقع التفسير الاعتباطي في المصادرة.

لان جبريل (ع) ينقل كلام الله فلا يمكن الاحتجاج للنبي (ص) والبرهنة على صدقه من خلال هذا التخريج لان ما ينقله يفترض أن يكون هو الحجة على صدق الرسول أي أن السورة جزء من الحجة فلا تتضمن الاحتجاج برؤية النبي لجبريل (ع).

فالذي لا يريد أن يؤمن بالقرآن لن ينفعه القرآن ومن جملته قوله ان النبي (ص) يرى جبريل.

ان مصادرات المفسرين هي من اغرب المصادرات.

إذن فالضمير في (رآه) يعود على موضع السورة المبحوث فيه. ولما كان متعلقاً بالخنس الجوار الكنس وبالأفق المبين فالذي رآه النبي (ص) هو النجم الموعود الجاري في الأفق المبين والمرتبط بموضوع السورة والوعد الإلهي.

فالقرآن هنا يصدق النبي (ص) فيما ذكره من تفاصيل عن الوعد والتي أخفى الاعتباط أكثرها لأن القرآن هو دليله:

"قام فينا رسول الله (ص) مقاماً ما ترك شيئاً يكون في مقامه ذلك إلى قيام لساعة إلا حدّث به حفظه من حفظه (أو) وعاه من وعاه ونسيه من نسيه..."(1).

وهنا يأتي النص القرآني لإحباط محاولات التحريف وإخفاء خصائص الوعد المنتظر وعلاماته لقدرة النص القرآني الفائقة في استيعاب محاولات التحريف التي لا تنتبه إلى التناقضات ولا تدرك صرامة النظام القرآني - فتبقى المعلومات محفوظة في النص مهما بالغوا في صرف معانيها وإبعادها عن دلالاتها.

هل تصدق أخي القارئ أن الأمة تنسى تفاصيل الفتن التي يذكرها بإسهاب صاحب الرسالة وخاتم الأنبياء (ص) وهي من هي في حفظ الأيام والأساطير والأشعار؟

وهل تصدق أن خطبة تستمر بحدود عشر ساعات لم يرد لنا منها إلا ما تفيه خمس دقائق من القراءة؟ والخطبة تتحدث عن نبوءات آتية وفتن يحدد فهيا صاحب الرسالة الموقف من كل واحدة بالتفصيل؟ نعم إن إحدى خطبة استمرت بحدود عشر ساعات!! وهذا هو أقل تقدير:

عن عمر بن أخطب (رض) قال: صلى بنا رسول الله (ص) الفجر وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس فأخبرنا بما كان وبما هو كائن.."(1)

إذن فالتفاصيل التي يذكرها النبي (ص) لهم عن الوقائع المستقبلية تتضمن تحقيق الوعد الإلهي المنتظر وتطبق شريعته على الأرض كلها وتحقيق الخلافة الإلهية وهي أمور غيبية لذلك ارتبطت بالعبارة القرآنية "وما هو على الغيب بضنين" - فالذي يخبر به هو من مشاهدة حقيقية لأنه رأى النجم الموعود في الأفق المبين، ولذلك أيضا قال "وما صاحبكم بمجنون".

وقد أشرنا باقتضاب في كتاب النظام القرآني إلى ان تهمة الجنون تختلف عن بقية الاتهامات الموجهة للنبي (ص). فأن لكل اتهام قضية وسبب مختلف وان هذه التهمة إنما يطلقونها في حالة معينة هي إخبارهم بأنه سيستولي على الملكوت ويقيم دولة الحق ويفتح أبواب السماء ويملك مفاتيح الجنة والنار وانهم يبعثون أو ينشرون أو يخرجون فيكونوا من جملة ذلك الخلق.

لنلاحظ مواضيع الاتهامات العديدة الموجهة للنبي (ص) فقد كانت الاتهامات هي: شاعر، كاهن، كذاب، ساحر، مجنون. وقد اتهم رسل (ع) سابقون ببعض تلكم الاتهامات:

الشاعر: كانوا يطلقون هذه التهمة عليه (ص) حينما يطالبون بتفسير أو يريدون إعطاء تفسير للنص القرآني.

لذلك ارتبطت لفظياً مع القرآن.

"بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر" 5/الأنبياء.

"وما علمناه الشعر وما ينبغي له أن هو الا ذكر وقرآن مبين" 69/يس.

الساحر: وكانوا يقولون هو ساحر إذا رأوا منه آية مادية ظاهرة مثل انفلاق القمر أو تكليم الجبل أو انشقاق الشجرة أو تكليم الجمادات أو ما يحصل من تفاصيل يومية وخلال الغزوات والمعارك من شفاء للمرضى وتكليم للموتى.

فارتبطت التهمة بهذه المعاجز المادية ومع جميع من امتلك منها من الرسل السابقين:

"اقتربت الساعة وانشق القمر وأن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر" 1/2-القمر.

"وقالوا مهما تأتنا بآية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين" 132/الأعراف.

قال ذلك آل فرعون عن الآيات المادية لموسى وهي تسع آيات.

وقالوا الشيء نفسه عن معجزات المسيح (ع):

"وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمة والأبرص بأذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين" 110/المائدة.

وهكذا ترتبط تهمة السحر دوماً بالمعاجر المادية.

الكاهن: ويذكرون هذه التهمة لتفسير وقائع قريبة يخبرهم بها النبي (ص) وتتحقق فيقولون هو كاهن لأن ذلك من أعمال الكهان على رأيهم. ولما كانت (نعمة الله) ظاهرة وباطنة:

"وهو الذي أسبغ عليكم نعمة ظاهره وباطنه"

فحينما يخبرهم بما هو ظاهر يقولون كاهن وإذا أخبرهم بما هو باطن لم يصدقوا فيقولون مجنون!

لذلك ارتبط اللفظان (كاهن - ومجنون) سوية مع النعمة:

"فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهنٍ ولا مجنون" 29/الطور.

الكذاب: كانوا يطلقون هذه التهمة إذا اخبرهم بوقائع الماضي فهي تهمة مرتبطة بتاريخ الكون أو العالم.

فمثلا أنهم يزعمون أن الآلهة كثرة خلق بعضها من بعض وهذا تاريخ نشوء الكون والقوى الفاعلة فيه.

فإذا رد الدعوة بالإله الواحد وقال بانفعال جميع القوى له مستدلا على ذلك بآيات تنفعل فيها المادة له فقد اظهر حجة بالغة لأنه قادر على أن يفعل في الموجودات ما شاء خلافاً للآلهة المزعومة وهذا الفاعل يقر أنه وجميع ما فعل منفعل للإله الواحد فهذه حجة كاملة من الناحية المنطقية.

فكانوا يردون على الوحدانية باعتبارها تاريخاً بالتكذيب ويفسرون انفعال القوى له (ص) بالسحر:

"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب"

"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب" 3-4/صاد

وهكذا ترتبط تهمة الكذاب بالخبر الماضي:

"ألقيَ الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر" 25/القمر.

مجنون: وهي التهمة موضوع البحث. فهذه التهمة كانوا يذكرونها حينما يريدون تسفيه أخبار عن مستقبل العالم - فيما يخص نزول العذاب أو ظهور الدين في الطور المهدوي.

فهذا الظهور يستلزم نزول العذاب المرتبط بنزول الملائكة وظهور البركات لأن الاستخلاف هو عملية فرز للفريقين وتمكين للصالحين في الأرض يقابله عذاب للمنافقين والمعاندين فإذا اخبرهم بوقائع من هذا النوع قالوا هو مجنون.

كذلك ارتبط هذا اللفظ مع بشائر جميع الرسل (ع).

فمن ذلك قولهم لنوح (ع) انه مجنون عندما اخبرهم بنزول العذاب واستخلاف المؤمنين:

"كذبت قبلهم قوم نوحٍ"

"فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وأزدجر. فدعا ربه أنه مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً" 9-11/القمر.

وقد اتهم موسى (ع) بتهمة السحر باستمرار. ولكن في مرة واحدة فقط اتهمه فرعون بالجنون؛ وهذه التهمة الجديدة كانت قد حصلت خلال محاوره طويلة بينهما يتساءل فيها فرعون عن (رب العالمين) وهي مختلفة عن الواقعة التي سأل فيها موسى وهارون قائلاً:

"فمن ربكما يا موسى:.

ونلاحظ ان الجمع (رب العالمين) - مرتبط بالاستخلاف كما سيأتيك في موضعه.

كذلك اتهموا هوداً (ع) بنفس التهمة في واقعة معينة. ومع ان لفظ (مجنون) لم يرد مع هود إلا أن المفهوم هو الجنون وذلك في قولهم:

"إن نقولُ إلا إعتراك بعِضُ آلهتنا بسوء" 54/هود.

لان الروابط اللفظية تخبرنا عن سبب التهمة، ففي سورة الأعراف ذكرهم هود بأنهم مستخلفين من بعد نوح ودعاهم إلى تقوى الله فلم يقولوا مثل هذه التهمة.

لكن قالوها في مورد هود لماذا؟ لأنه هنا ذكرهم بما سيؤول إليه أمرهم وأشار إلى نزول العذاب واحتمال هلاكهم واستخلاف المؤمنين من غيرهم بعد ان يئس من طاعتهم:

"فان تولوا فقد أبلغتم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً".

وأما مع النبي (ص) فقد ذكروا هذه التهمة عند تذكيرهم بمستقبل العالم ونزول العذاب:

"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ.

التوافق العددي لموارد (الجنون) مع مراحل الطور المهدوي

رأينا أن النص النبوي حدد اثنا عشر خليفة للطور المهدوي. وقد لاحظنا ان هذا الرقم رقم كوني طبيعي متناغم مع النظام العام للكون ولعدد دورات القمر على الأرض.

لاحظناه أيضا بالجمع بين الأنظمة الثلاثة في سورة الكهف: السباعي وهو نظام بنائي عام والثلاثي وهو نظام الزمان وثنائي وهو نظام الاستمرارية.

فالجمع بين أعداد الأنظمة الثلاثة ينتج من اثنا عشر (7+3+2=12). ولاحظنا كذلك التوافق العددي هذا مع العلامات الكونية الاثنتي عشرة في مجموع المأثور الديني في الفصل السابق.

كما رأينا نفس العدد في الوقائع المتقدمة من سورة التكوير على (الخنس الجوار الكنس) التي هي علامة العلامات وأول الآيات. وإذا كان النبي (ص) يخبرهم عن كل مرحلة من المراحل الأثنتي عشرة للطور المهدوي بتفاصيل معينة ويجيبون في كل مرة أنه مجنون فلابد أن يتوافق عدد المرات التي ورد فيها الجنون مع عدد مراحل الطور المهدوي.

وهذا توقع مجردٌ توقعناه فأظهر الإحصاء صحة ما توقعناه: فقد وجدنا ان عدد موارد الجنون كتهمة موجهة للرسل (ع) هي سبعة عشر مورداً.

منها اثنان عن نوح (ع) هما 25/23 و 9/54.

وموردان عن موسى (ع) هما 27/26 و 39/51

ومورد واحد عام عن الرسل (ع) هو قوله تعالى:

"كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون" 52/الذاريات.

فهذه خمسة موارد والباقي من المجموع اثنا عشر مورداً وهي جميعاً في رسول الله (ص) وهذه نصوصها حسب ترتيب المصحف:

1. "أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة أن هو إلا نذير مبين" 184/الأعراف.

2. "أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون" 70/المؤمنون

3. "افترى على الله كذباً أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد" 8/سبأ

4. "ما بصاحبكم من جنة أن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" 46/سبأ

5. "وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون" 158/الصافات

6. "وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر أنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين" 6/الحجر

7. "ويقولون أننا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون" 36/الصافات

8. "ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون" 14/الدخان

9. "فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون" 29/الطور

10. "ما أنت بنعمة ربك بمجنون وأن لك لأجراً غير ممنون وأنك لعلى خلق عظيم. فستبصر ويبصرون" 2-5/القلم

11. "ويقولون أنه لمجنون وما هو إلا ذكر للعالمين" 51-52/القلم

12. "وما صاحبكم بمجنون ولقد رآه بالأفق المبين" 22-23/التكوير

وهي الآية موضوع البحث.

تلاحظ أن الآية الثانية عشرة حسب ترتيب المصحف خاصة بالخليفة الثاني عشر.

وهذا غريب جداً إذ كيف ترتبط بالعلامة الأولى التي يبدأ بها الطور؟ يفترض أن ترتبط العلامة بالمورد الأول لا المورد الأخير.

أن هذا يدل على أن خلفاء الطور المهدوي يوجدون أو يخلقون قبل تحقق الطور بأمد بعيد.

ويدل أيضا على انهم يبلغون العمر المؤجل لهم ويتوفاهم الله تعالى وأن الأخير منهم فقط هو الذي يبدأ هذا الطور به.

عندئذ سيكون بعثهم أو نشرهم هو الذي يعيدهم إلى التسلسل المذكور آنفاً.

ونجد في فصول آتية أن هذا النشر هو نشر مرحلي موزع على مراحل الطور المهدوي يتم فيه حشر المكذبين من الأمم فوجاً من بعد فوج لاحظ هذه الآية التي تتعلق بالحشر المهدوي:

"فتوكل على الله أنك على الحق المبين. أنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين. وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم أن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون. وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس بآياتنا لا يؤمنون.

ويوم نحشر من كل أمة فوجاً ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون". 79-83/النمل

والملاحظات السريعة هنا:

الأولى: إن خروج الدابة (دابة الأرض) مقترن بنزول المسيح (ع) والمقارن لظهور المهدي (ع).

الثانية: إن قوله (يوزعون) يشير إلى توزيع هذا الحشر على مراحل ذلك اليوم.

بينما يكون حشر القيامة حشراً جماعياً.

"وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً" 47/الكهف

و"يوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن" 128/الأنعام

الثالثة: أن هذا الحشر مرتبط بالمكذبين بالوعد وبالآيات في حين يرتبط الحشر الكلي بالإيمان والكفر.

وهو تفريق هام سترى تفصيله عند البحث في ألفاظ (يوم الدين).

نعود إلى السورة الكريمة:

قوله تعالى "وما صاحبكم بمجنون. ولقد رآه بالأفق المبين".

قد تسأل لماذا قال تعالى (صاحبكم) ولماذا تكرر ذكر هذا اللفظ في موارد المخاطبة معهم وهي ثلاثة موارد مقترنة بلفظ (المجنون) واشتقاقاته؟

والجواب: أن هذا اللفظ هو الملائم لتحديد نوع العلاقة بينه (ص) وبين أعداءه من المكذّبين.

فإننا نجد القرآن الكريم يستعمل اللفظ على دلالته الأصلية ولا شأن له بالدلالة الاصطلاحية.

وهكذا ورد اللفظ في تسمية العلاقة بين المؤمن والكافر لأن المصاحبة (مرافقة) لا تستلزم طاعة ولا إتباعاً من قبل المرافق لرفيقه إن لم نقل إنها تستلزم المخالفة كما سنرى.

قال في الوسيط: صاحبه مصاحبة رافعة. اصطحب القوم - صحب بعضهم بعضاً. فاللفظ على أصله ينبئ عن مفارقة آجلة بين الصاحب وصاحبه أو عاجله.

وإذا كان في الاصطلاح يجوز اعتبار الصاحب متابعاً أو مخالفاً بحسب الأحوال ففي القرآن لا نجد مثل هذا الاستعمال العام. بل نجده لا يستعمله إلا في المخالفين والمشككين فهو مخصوص في العلاقة بين المختلفين في الرأي.

ولم يصف القرآن المتبعين للأنبياء بالصحبة مطلقاً بل وصفهم بألفاظ أخرى مثل (الذين أتبعوه):

"أن أولى الناس بإبراهيم لهذا النبي والذين اتبعوه" 68/آل عمران

فلم يقل وأصحابه لأن الأصحاب يختلفون ويخالفون في الرأي.

لذلك أمر بمصاحبة الوالدين إذا آثرا الشرك:

"فإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً" 15/لقمان.

وحينما ذكر موسى (ع) لم يذكر الفتى الذي معه باسم صاحبه بل قال (فتاه) للتنويه على تفانيه في طاعة موسى (ع):

"إذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين" 60/الكهف

ولكنه حينما أراد وصف علاقته بالمشككين من بني إسرائيل والذين يرجفون بموسى ويخوفونه من عدوه - أي المنافقين منهم تحديداً سماهم (أصحاب موسى) فقال:

"قال أصحاب موسى إنا لمدركون. قال كلا إن معي ربي سيهدين..." 161/الشعراء.

وحينما أراد وصف علاقة بين رجلين أحدهما مؤمن والآخر كافر للمثل المضروب في سورة الكهف سماهما صاحبين فقال:

"قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم سواك رجلاً" 37/الكهف

وكذلك فعل حينما نقل لنا محاورة موسى (ع) مع العبد الصالح فأنه إذا لم يقدر أن يكون تابعاً فانه يرفض أن يكون صاحباً

"فإن سألتك بعدها عن شيء فلا تصاحبني" 76/الكهف

كذلك فعل حينما أراد وصف علاقة بين رجل ضال وجماعة مهتدين حيث سّماهم أصحاباً:

"حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى أئتنا" 71/الأنعام

وذلك كله عدا الموارد الثلاثة التي سمّى فيها الذين يتهمون النبي (ص) بالجنون - سماهم أصحاباً.

وتظهر دلالة الصاحب في الاستعمالات العامة. فصاحب الشيء هو القائم عليه والمالك له.

قال المعجم: الصاحب القائم على الشيء. والصاحب مالك الشيء ولذلك تظهر العداوة بين الأشخاص لأن غاية الصاحب امتلاك صاحبه والقيام عليه بالأمر والنهي.

فالنبي (ص) يريد القيام عليهم بالأمر والنهى فإذا أطاعوه خرجوا من حد الصحبة إلى التابعية فصاروا أتباعاً. وإذا أرادوا القيام عليه بالأمر والنهي والتحكم في أفعاله كانوا أصحاباً وبقوا أصحابا. لذلك أمره الله بعدم طاعتهم ورفض الانصياع لأهواءهم:

"لا تطع منهم آثما أو كفوراً" 24/الإنسان

"فلا تطع المكذبين" 8/القلم

"ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا وأتبع هواه" 28/الكهف

"ولا تطع كل حلاف مهين" 10/القلم

كما أمره سبحانه أن لا يتبع من هؤلاء أحداً لأنه جاء ليكون متبوعاً لا تابعاً:

"ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق" 48/المائدة

"ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" 18/الجاثية

"ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا" 150/الأنعام

"ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك" 49/المائدة

ومعلوم ان هذه التأكيدات هي لوجود (الأصحاب) لأن الأعداء من عبدة الأصنام ظاهرين لا يعقل ولا يحتمل أنه يطيعهم أو يتبع أهواءهم.

إنما الحرج والأمر المشكل هو مع الأصحاب الذين هم ليسوا بأتباع وإنما يريدون منه أن يتابعهم فنقلب المعادلة وتتغير شرائع الله وقد ذكر القرآن أنهم يرفضون طاعته فقال:

"ويقولون آمنّا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين" 47/النور

"وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون" 48/النور

"أ في قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون" 50/النور

"وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة أن الله خبير بما تعملون" 53/النور

"وذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم" 26/محمد

فإذا قلت أن الأمة أطلقوا لفظ (الصاحب) خلافاً لهذا المفهوم.

قلنا: إننا ذكرنا مراراً أن للقرآن الكريم نظامه اللغوي الخاص وإنما نكتب هذه المؤلفات خلافاً لاعتباطية الاستعمال اللغوي واعتماداً على الدلالة القرآنية. أما السلف فقد أطلقوا اللفظ على المجموع أي على الذين (اتبعوه) وعلى الذين آذوه.

فإن قلت فكيف استعمله النبي (ص) لهذا المعنى المخالف للدلالة القرآنية؟

قلت: وأين استعمله مخالفاً للدلالة القرآنية؟ بل العكس تماماً فقد استعمله مطابقاً للدلالة حينما أخرج البخاري في باب الحوض الحديث المشهور في (الأصحاب) بعشرة طرق هذا لفظ أحدها: قال (ص) "إنا فرطكم على الحوض من مرَّ عليَّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً وليردن عليَّ ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقاً سحقاً لمن غيرَّ بعدي".

مصادر الحديث: البخاري - باب الحوض. مسلم. في باب: (وكنت عليهم شهيداً) أحمد بن حنبل في مسنده / ج1 ص233،235 - ج5/333-400 و ج2/300-408 و ج3/28-281-354 و ج6 297-317 التاج الجامع/ج5-379.

فإن قلت قوله (ص) (ناس من أصحابي أو زمرة من أصحابي) يدل على أن الصحبة عامة فهؤلاء أقلية منهم لأن (من) تفيد التبعيض قلت: نعم هي كذلك لكنها تفيد التبعيض في ذلك الموقف عند الحوض فليسوا جميعاً يصلون إلى الحوض ويطردون منه إلى النار وإنما بعضهم يبلغ هذا الموضع وذلك أن (الذائد) عن الحوض يذودهم عنه وكأنما أفلت جماعة فرآهم النبي (ص) فاللفظ الآخر للنص يدل عليه لاحظ هذا اللفظ:

".. فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم. فقلت إلى أين؟ قال إلى النار والله قلت وما شأنهم قال إنهم إرتدوا بعدك على أدبارهم القهقري فلا أراه يخلص منهم إلا مثل هَمَل النعِّم"

التاج الجامع للأصول من حديث البخاري / ج5/كتاب القيامة والنار. هَمَل النعم: الواحدة من الإبل سارحة في المرعى بلا راع تخرج عن القطيع بعيداً.

التعبير النبوي في (همل النعم) مقصوداً إذ لما كانوا مثل القطيع التابع لصاحبه يسوقه حيث أراد فالناجون منهم في العدد هم كنسبة الخارج من القطيع بلا راع.

فإن قلت ورد عنه (ص) قوله: "أصحابي كالنجوم بمن اقتديتم فقد اهتديتم" - ومفهومة مخالف لما ذكرنا.

أقول: ورد مؤكداً ومتواتراً أنه (ص) أمر أن يعرض حديثه على كتاب الله فما وافقه أخذ به وما خالفه ضرب به عرض الحائط وهذه هي ألفاظه عينها بعد أن قال (ص) "أيها الناس لقد كثرت عليً الكذابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" فإذا عرضنا هذا النص المخالف لكل ما هو معقول وجدناه يخالف القرآن فنضرب به عرض الحائط. فنحن في هذا المنهج لا نؤمن بعلم الرجال ونعدّه بدعة من البدع التي وضعوها مخالفين بذلك جميع النصوص.

ألا ترى أننا لو اقتدينا بالزمرة المذكورة في الحديث السابق دخلنا النار؟

فهذا ما يفعله علم الرجال يجعل الرجال قيّمين على الشريعة ويجمع بين المتناقضات.


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:36 PM   #18
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



تكملة الفصل السادس

عودة إلى سورة التكوير:

قوله تعالى: "ولقد رآه بالأفق المبين. وما هو على الغيب بضنين"

قال المفسرون: أي ليس النبي (ص) بمتهم على ما يطلع عليه من أمور الغيب. من (الظنة) وهي التهمة.

ومن قرأ بالضاء فهو من البخل أي ليس ببخيل في إخباره بالغيب.

أقول: ويكون من الظن أيضا لقوله تعالى "أن الظن لا يغني من الحق شيئاً" - أي إن هذا الإخبار عن المستقبل ليس ظناً.

إذ لما رأى النجم الموعود ظاهراً بالأفق المبين فإخباره عن وقائع المستقبل ليست من قبيل الظن بل لعلمه بتلك التفاصيل.

وورد عن أهل البيت (ع) في معنى الغيب أنه (المهدي المنتظر) أو (الوعد الحق).

"وما هو بقول شيطان رجيم فأين تذهبون".

هذا الاقتران مع الشيطان لأنه مرتبط بالسماء. قال تعالى (ورجوماً للشياطين) وقال "وكنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً". وقال "إلا من خطف الخطفة فاتبعه شهاب ثاقب".

أي أن هذا الخبر عن النجم الموعود ليس من أخبار شيطان مرجوم لا يقدر على معرفة ما في السماء حتى يمكن أن يكون صادقاً أو كاذباً (فأين تذهبون) عن الأرض إذا جاء الوعد وأين تذهبون عن الوعد المحتوم والبعث الذي لا بد منه فالإنسان لا يترك

"أ يحسب الإنسان أن يترك سدى" 36/القيامة

"أ فحسبتم إنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون" 115/المؤمنون

قوله تعالى:

"أن هو إلا ذكر للعالمين. لمن شاء منكم أن يستقيم. وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين".

إن الألفاظ في هذه الآيات مرتبطة جميعاً بالمهدوية.

فقد ذكر العالمين (جمع العالم) مرتين وهو مقترن دوما بشمول الطور المهدوي لمجموعة العوالم كما سيأتي في موضعه.

وكذلك تجد هذا اللفظ مرتبطاً بالرحمة وبالرسول (ص).

"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

فيتم تحقيق هذه الرحمة على المستوى العالمي في المهدوية.

وكذلك لفظ (المشيئة) ففي هذا الطور تتحقق مشيئة الله تعالى من الخلق وتظهر الحرية الكاملة للممارسة العملية في قوله تعالى "لمن شاء منكم أن يستقيم" لأنه طور الاستقامة والمرتبط (بالصراط المستقيم).

وفي ختام السورة حدد المشيئة الإنسانية بمشيئة الله تعالى فإذا شاء الخلق الوصول إلى هذا الطور فانه لن يتحقق إلا بمشيئة الله العالم بصدق النوايا وصحة الأعمال.

في بحث منفصل سنبرهن ان شاء الله أن (التكليف) لا يزول في الجنة كما ذكر بعض العلماء.

لأن التكليف جزء من العبودية أو هو العبودية على المعنى الأدق.

ولكن يحدث تحول تدريجي للتكاليف خلال أطوار الترقي في درجات الجنة.

أما المرحلة الأولى من المهدوية فإنها تتميز بظهور اكبر للتكليف الشرعي بل هو طور التكليف والتقوى ولذلك ارتبطت (العاقبة) بلفظ (المتقين) كما سنرى.

تنبيه

لا زال الشيطان الرجيم يذكر لنا أخباراً مختلفة عن مصير العالم ومستقبل الأرض. لا زال يوحي لنا وفي كل عام أن مذنباً من المذنبات قد تم كشفه في السماء سيرتطم بالأرض بعد كذا شهر أو في تاريخ كذا وسوف يدمر الأرض ومن عليها.

وغايته واضحة: فهو يوحي بأن هذا العالم مخلوق سدى لا رقيب عليه ولا حافظ له. ويوحي من خلال ذلك أن يأكل الناس بعضهم بعضاً ما داموا سيهلكون عن قريب. بينما المذنب الموعود يتخذ مساراً محدوداً ومحسوباً بحساب دقيق ليحول واقع الأرض إلى واقع جديد يستقبل به الطور المتقدم من حياة الإنسان طور الاستخلاف في الأرض لذلك قال سبحانه ان هذا (قول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين)

فهذه القدرات تمكنه من تحويل العالم إلى الوجهة المطابقة لمراد الله من الخلق وتحقيق الاستخلاف فما هو بقول (شيطان رجيم) يريد إحلال التشاؤم مكان التفاؤل بمستقبل أفضل للعالم ويبشر الخلق بالدمار؛ ليجعل تاريخ الأرض تاريخاً للشرور وتطور الشرور بدلاً من التطور المحتوم نحو الاستخلاف.

5.العلامات الكونية للمهدوية في سورة الانشقاق

رأينا في السورة الكريمة السابقة - سورة التكوير - نوعين من العلامات الكونية الأول مجموعة العلامات الواقعة في أواخر الطور المهدوي والتي تنتهي بتكوير الشمس وتبدأ بإزلاف الجنة.

والنوع الثاني مجموعة من العلامات الواقعة في أول الطور المهدوي وعلى رأسها المذنبات والتي تسمت في السورة (الخنس الجوار الكنس).

وعلى هذا النسق تأتي سورة الانشقاق: فهي تبدأ بأفعال شرطية على غرار سورة التكوير واقعة في القيامة الكبرى - ثم تذكر الوقائع التي يبدأ بها طور الحساب والذي يؤدي إلى انقسام الخلق إلى فئتين (من أوتي كتابه بيمينه) و (من أوتي كتابه بشماله).

وعلى نفس الأسلوب فان الوقائع التي يبدأ بها طور الاستخلاف تبدأ في السياق بنفي القسم:

"فلا أقسم بالشفق - والليل وما وسق - والقمر إذا اتسق".

ومثلما عطف على النفي هناك وقائع مبدوءة بالشرط عطف هنا على نفي القسم وقائع مبدوءة بالشرط.

وكما جاء هناك جواب جديد لتلك الوقائع جاء هنا جواب جديد آخر غير ما في أول السورة وهو:

"لتركبن طبقاً عن طبق".

وبإمكاننا هنا أن نستخرج قاعدة عامة عن ألفاظ القرآن في هذه المرحلة هي أن جميع الوقائع المبدوءة بنفي القسم أو الحلف متعلقة بخصائص وحوادث لطور الاستخلاف وذلك لاختلافها الشديد والواضح ضمن النظام القرآني عن وقائع يوم القيامة.

وكما رأيت يمكننا هنا ولأول مرة في التاريخ الإسلامي الربط بين أجزاء النص خلافاً للاعتباط اللغوي الذي لا يدري لماذا يأتي بالليل والقمر هنا مثلاً ويأتي بالخنس الجوار الكنس هناك أو الطارق في سورة الطارق والذي يعجز أيضا عن إدراك العلاقات التي ترتبط بها آيات كل سورة.

إذا رسمنا البعد الزمني على صورة مستطيل مثلاً فإننا نلاحظ إن سورة التكوير ذكرت لنا الوقائع في أول طور الاستخلاف بعد ذكرها أول وقائع القيامة.

بينما تتحدث سورة الانشقاق عن آخر مرحلة من العلامات الكونية لطور الاستخلاف في مقابل آخر مرحلة من القيامة.

إن هذا التناسق العجيب إنما يراد منه تغطية التاريخ القادم الكون والإنسان تغطية شاملة.

وبالتأكيد لا توجد أية ثغرة في الوقائع والأزمنة والأحقاب إذا نظرنا إلى النص القرآني كوحدة متكاملة إذ يمكن ملئ أي فراغ متوقع عن طريق آيات واقترانات لفظية في سور قرآنية متباعدة.

حركة الزمن في الرسم من اليمين إلى اليسار.

يظهر في هذا الرسم ما نريد قوله من فكرة توزيع الوقائع على الطورين في سورتي التكوير والانشقاق وفي الرسم تظهر فترة العلامات الكونية كجزء مظلل أو منقط.

بينما تكون سورة الطارق مثلاً بصدد الحديث عن استقبال هذا الطور من الجهتين. فهي تتحدث عن المذنب قبل وصوله وقبل إحداثه العلامات وتعرج على ذكر رجوع الإنسان بعد الموت في حوادث النشور لطور الاستخلاف فهي تستقبل الطور من جهتين. الأرقام تشير إلى القسم الأول والثاني من كل سورة فالنظام العام ان القسم الأول يعالج دوماً الطور الثاني وبالعكس. يعالج القسم الثاني من كل سورة الطور الأول أي طور الاستخلاف. بينما جاءت سورة الطارق بنفس الترتيب الزمني، فهي مختلفة عن السورتين في كل التفاصيل ومنها أنها تخلو من نفي القسم وتبدأ بالحلف وبصيغة (وما أدراك)، وسوف نلاحظ أن جميع السور المرتبطة بهذه الصيغة ذات علاقة بالطور المهدوي فقط.

أن الوقائع المذكورة في السور تبدأ بواقعة وتنتهي بآخر ما في السياق فهي خلال ذلك تتحرك على الزمان بترتيب معين ومن هنا أصبح السياق في التكوير مثلاً شارحاً لما في الانشقاق وبالعكس وذلك لمرور كل منهما بجانب الآخر.

مثال ذلك ما ينقله لك رجلان عما شاهداه خلال الطريق أحدهما يتحرك مبتعداً عنك والآخر جاء من بعد مقترباً منك فإذا أردت مطابقة كلام أحدهما مع الآخر لابد أن تنظر بعين الاعتبار لتسلسل ما روى كل واحد من وقائع أولاً وأين تقع كل واحدة من تلك الوقائع وفي أي موضع من الطريق ثانياً. السهام الصغيرة على الرسم تشير إلى حركة سياق الحوادث المذكورة في السور الثلاثة في علاقاتها الزمنية مع بعضها البعض. والمثال لإيضاح المقصود من ذلك أن سورة التكوير هي تمسح زمن الوقائع قد مرت بالليل فإذا هو قد (عسعس).

وحينما مرت به سورة الانشقاق وباتجاه مطابق وجدته مجتمعاً على حال الوسق فجاء النص "والليل وما وسق". السهام الكبيرة إذن تمثل في هذا الموضع آخر فقرة من السياق.

وهنا يمكن ملاحظة سرعة حركة السياق. فقد التقت الانشقاق بنفس الموضع الذي مرت به التكوير لكنها تجاوزنه بسرعة إلى وقائع أبعد فهذه السرعة في مسح محور الزمان جعلت وصف الليل مختلفاً - ففي الوقت الذي كان هذا الموضع هو نهاية الحركة بالنسبة للتكوير فهو نقطة مرور بالنسبة للانشقاق. هذه العلاقات الدقيقة في هذا المثال تصلح لإيضاح جميع نقاط الالتقاء في السياق القرآني بين موارده المختلفة.

والذي يهمنا هنا ما يتعلق بطور الاستخلاف أي الجزء المبدوء بنفي القسم، فلنلاحظ هذا الجزء على ضوء اللغة والتفاسير المختلفة وبعد ذلك تستخلص الدلالة اللغوية عن طريق النظام القرآني كما هو الحال في هذا المنهج:

"فلا أقسم بالشفق (16) والليل وما وسق (17) والقمر إذا اتسق (18) لتركبن طبقاً عن طبق (19) فمالهم لا يؤمنون (20) وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون (21) بل الذين كفروا يكذبون (22) والله أعلم بما يوعون (23) فبشرهم بعذاب أليم (24) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون".

يتضمن هذا الجزء إذن بعض الوقائع المختلفة لفظياً عن ما جاء أول السورة من وقائع. ويرى الاعتباط اللغوي إن هذه الحوادث بمجموعها تتحدث عن يوم القيامة بل يراها تتحدث في كل القرآن عن يوم القيامة! ومعلوم أن هذا التصور بعيد كل البعد عن البلاغة لأن المتكلم إذا ذكر وقائع معينة في معرض التهديد والوعيد فأعادتها مرة أخرى مع القسم هو من عادة المخلوقين وبخاصة الرعية منهم الذين هم دون مستوى الأمراء والحكام لأن لهؤلاء كلاماً واحداً وأمراً واحداً لا يعاد على السامع لأن الإعادة تتنافى مع منزلتهم، وبخاصة عند قدرتهم الفعلية على تحقيق ما يذكرونه من تهديد.

فلماذا تحول السياق إلى نفي القسم وذكر الوقائع الجديدة؟ لأنه تحدث قبل ذلك عمن أوتي كتابة بيمينه وعمن أوتي كتابة شماله. فعرض خلال ذلك خصائص للأخير على النحو الآتي:

"وأما من أوتي كتابه وراء ظهره (10) فسوف يدعو ثبوراًً (11) ويصلى سعيراً (12) أنه كان في أهله مسروراً (13) أنه ظن أن لن يحور (14) بلى أن ربه كان به بصيراً (15) فلا أقسم بالشفق..."

إذن فالتحول الجديد والوقائع الجديدة هي لأبطال ظنّ هذا الظانّ أنه لن يحور والذي كان في أهله مسروراً. وإذن فالسياق مرتبط بهذا الظن تحديداً.

فلماذا أوتي كتابه وراء ظهره بعد أن انشقت السماء ومدت الأرض؟

لأنه كان مسروراً في أهله وكان يظن أن لن يحور. فكأن الإجابة جاءت في الجزء الآخر وهو أنه لابد أن يحور لا في الوقائع المذكورة آنفاً بل في وقائع أسبق منها وهو إذ ذاك باق على ظنه ومستمر في طريقته وربه بصيرٌ به وبنواياه فلم يكن ظنه هذا بسبب التباس أو عدم معرفة أو جهل بل لأنه من الذين كفروا ولأنه من الذين يكذبون بهذا الوعد. (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فهذا الاستثناء يأتي هنا لإدراك فرز جماعات لم تتمكن من معرفة الحقيقة إلا في طور الاستخلاف وخلال رجوعها في هذا الطور.

(أنه كان في أهله مسروراً):

إن مثل هذا الشعور هو شعور مريض وقد رأينا سابقاً أن (الراضي) بالدنيا شخصية مريضة لا بمعنى المرض الخارج عن الإرادة.

إذ كيف يتسنى للمرء الشعور بالسرور مع وجود الموت؟ وكيف يتسنى له السرور وهو لا يعلم ساعة الموت؟ وكيف يمكنه أن يكون مسروراً وهو لا يدري متى يمرض ومتى يشفى ولا يعلم الوقائع التي تجري عليه؟

الشعور بالسرور في النظام الطبيعي الحالي منشأه الوحيد طغيان نفس المسرور فهو يتجاهل هذه العناصر لرغبته في الاستحواذ على الموجودات وعلى الآخرين فهو مسلوب الإرادة بصورة فعلية من خلال سلوكه الذي يتحرك فيه وفق نزعة مسيطرة عليه سيطرة مطلقة تجعله يرى النهاية المحتومة له بالموت أمراً حسناً.

والكفر إنما هو في تسليم الإرادة والاختيار للغير، فالمسرور هنا أشبه بآلة يتحرك وفق أوامر صارمة في طريق نهايته دمار تلك الآلة.

ويمكن تعميم لفظ (أهله) ليشتمل على من هو من أمثاله. لأن المقابل - أي الذي أوتي كتابه بيمينه (ينقلب إلى أهله مسروراً).

وهذه المعادلة الآن واضحة فمن حق الأخير أن يكون مسروراً مادام يحصل على حياة أبدية لا موت فيها ولا مرض ولا غم.

ومعنى ذلك: أن السرور شعور واحد في الأصل. فالذي يكون مسروراً مع وجود الموت كأنما هو غير راغب في أن يوجد أصلاً. لأنه لا يظن أنه راجع بعد الموت ويحاول خلال حياته القصيرة الخروج من قبضة الناموس الطبيعي فهو مسرور لأنه سيموت.

والذي يبحث عن حياة أبدية هو وحده المسرور فعلاً لأن الله قد أوجده فهو يريد من الله استمرار حياته ولا يريد التخلي عن الحياة ولذلك لا يكون مسروراً مع الموت.

وبمعنى ثالث أن المغموم في الحياة الدنيا مغموم لأنه سيموت وهو يتوسل إلى الله في البقاء.

والمسرور في الحياة الدنيا مسرور لأنه سيموت فهو رافض لفكرة الخلق أصلاً.

إذن فالموت يخلق في النفوس شعورين مختلفين ومتناقضين فالذي أحب وجوده وأحب الموجد شعر بالغم ولا يكون مسروراً حتى يعطيه الرب حياة لا موت فيها.

والذي كره وجود وكره الموجد يشعر بالسرور لأنه سيموت.

فجزاء الأول هو ما أراد - حياة أبدية لا موت فيها.

وجزاء الثاني هو ما أراد - موتاً أبدياً لا حياة فيه.

ولكن مشكلة الثاني أن الموت الأبدي لا يتحقق إلا من خلال وجود حياة أبدية. لأن الذي يموت لا يشعر بعد ذلك بما يجري عليه وهو ميت؟ فكيف يحقق له الله رغبته في الموت المستمر الذي عشقه وأراده؟

يحقق له ذلك بأن (يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) إبراهيم/17 فالاعتباط غرس في أذهاننا فكرة معكوسة عن علاقة المؤمن والكافر بالحياة والموت! إذ زعم أن المؤمن يكره الحياة والكافر يحب الحياة بينما الواقع هو العكس تماماً.

فالكفرة إذن هم أعداء الحياة وخصومها الألداء.

"أنه ظن أن لن يحور".

اعتقد الكافر أنه سيحصل على الموت وحده من غير حياة!

وأصبح مسروراً لهذا الغرض الذي افترضه وهو يناغم فيه اعتراضه على الخالق. فكأنه إذا لم يقدر أن يكون إلهاً في الحياة فيحاول أن يكون إلهاً في الموت.

الإله واحد وهنا تكمن مشكلة الكافر. فان الله هو الذي خلق قطبي الحياة والموت وجعلهما يدوران على بعضها.

فيزعم الكافر أنه يمتلك الموت فيمتلك الله الحياة وما درى أن الموت كائن من الكائنات الحية المخلوقة لا يملكه إلا الله:

"نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين" الواقعة/60

"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة" الملك/؟

وليس الكافر وحده لا يملك الموت بل لا يملك الموت إلا الله ولذلك فجميع من يستعين بهم للحصول على الموت لا ينفعونه شيئاً:

"واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشورا" الفرقان/3

فهنا إذن قطبان يدوران على بعضهما وهما الموت والحياة والاستقرار على أحدهما هو من شؤون الخالق فهذه الحلقة تدور من الموت إلى الحياة (ويحور) فيها الجميع:

القاموس: حار - يحور - حوراً إذا رجع.

وتحير الماء: إذا دار واجتمع.

والحوار: ولد الناقة إلى أن يفصل عن أمه. مأخوذ من تحيره أو رجوعه إليها.

ومنه المحاورة: الكلام بين اثنين أو اكثر فيه أخذ ورّد.

ومنه الحيران: المتردد يذهب في الأمر ويرجع إلى ما كان عليه.

وفي القاموس: الحائر: مشهد الحسين (ع).

أقول هو أما للرجوع إليه أو لرجوع الماء عنه عندما أرادوا إغراقه على قول الناس هناك:

ويقال سألته فما أحار أي لم يرجع جواباً.

ويقال المحور: أي البكرة أو قلب الدوار لأنه يرجع كل مرة إلى موضعه.

إذن فاللفظ متعلق بالإحياء والرجوع - فكل إحياء هو رجوع على نحو ما وكل رجوع أو إرجاع هو إحياء لحركة سلفت.

فإذا أخذت من اللفظين الحرفين الظاهرين الحاء من الإحياء والراء من الرجوع تكون تعاقب جديد يدخل وسطه أحرف العلة لإفادة مختلف الوجهات في هذه الحركة.

إذن فقوله تعالى (ظن أن لن يحور) أي ظن أنه الموت ولا شيء غيره فلا إحياء ولا رجوع إلى الدنيا.

(فلا أقسم بالشفق):

قال الحسن وقتاده: الشفق الحمرة بين المغرب والعشاء الآخرة.

وقال آخرون: الحمرة بين الفجر وطلوع الشمس.

قال في التبيان وقال قوم: هو البياض.

وقال الطوسي: الصحيح أن الشفق هو الحمرة الرقيقة في المغرب بعد مغيب الشمس.

وقال قوم: أصله الشفق في العمل وهو الرقة. وأشفق على كذا إذا رق عليه وخاف هلاكه.

أقول: كما رأيت في السرور فالشفق عام فالكفرة مشفقون والمؤمنون مشفقون ولكن كل منهما في موضع - الكفرة في الآخرة: "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه" الكهف/49 وأما أهل الإيمان فإنهم مشفقون في الدنيا:

"قالوا إنا كنا من قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا" الطور/56

واللحظة التاريخية الحاسمة اللحظة التي يشفق فيها الخلق كله مؤمنين وكافرين هي لحظة ظهور آية الآيات أو نجم الآيات.. فهي لحظة لا يطمأن فيها أي مخلوق وهو يرى عمود النار الأحمر بالغاً السماء والسماء محمرة بنار المذنب وإنما يظهر ذلك كما رأيت في الرسوم السابقة أول الليل وآخره.

إذن فارتباط الشفق في الأصل اللغوي بالخوف والاحمرار بسبب احتقان الوجوه استعمل لحمرة المساء أو الصباح على التمثيل ولكنه في السورة يأخذ بعده الدلالي كاملاً من حيث الرقة والخوف واحمرار الوجوه بسبب الترقب واحمرار السماء بالنجم الموعود. وقد رأيت بعض الأحاديث المتعلقة بالنار سابقاً فهذا حديث آخر:

"ابن طاووس في الملاحم قال الباب الثامن والستون فيما ذكره نعيم بن حماد في الفتن في العمود من نار من قبل المشرق وإعداد طعام سنه قال حدثنا عيسى بن يونس والوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: ستبدو آية عمود من نار تطلع من قبل المشرق يراها أهل الأرض فمن أدرك ذلك فليعد طعام سنة" الملاحم والفتن/36.

قال الوليد: "رأيت نجماً له ذنب في المحرم سنة خمس وأربعين ومائة مع الفجر ثم رأيناه بعد مغيب الشمس في الشفق.. إلى أن قال: فذكرت ذلك لشيخ قديم عندنا من السكاسك فقال: ليس هذا النجم المنتظر إنما النجم المنتظر نجم يتقلب في الآفاق يضيء كما يضيء القمر" نفس المصدر/34

حديث آخر: بنفس الطريق عن الوليد قال:

"بلغني عن كعب أنه قال قحط في المشرق وداهية في المغرب وحمرة في الجو أو في جو السماء وموت فاش في جهة القبلة" نفس المصدر/34

حديث آخر: أبو نعيم في الفتن قال: قال عبد الوهاب بلغني أن رسول الله (ص) قال:

"في رمضان آية في السماء كعمود ساطع...".

حديث آخر: السليلي في الفتن من حديث النار بسنده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة اخبرني رسول الله (ص) قال:

"أنها لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بأرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى" نفس المصدر/126.

أقول: أحاديث النار كثيرة وهذا الأخير لا صلة له بنار السماء إذ يبدو أنها نار أرضية كبيرة جداً ربما بسبب حرائق هائلة أو أسلحة مدمرة تسبق النجم المنتظر وقد ذكرنا الفوارق سابقاً.

قوله تعالى: "والليل وما وسق".

معطوف على نفي القسم في قوله تعالى (فلا أقسم بالشفق).

وبهذا يتم الانتقال إلى العلامة الثانية الواقعة خلال شهر الآيات المتتابعة وتحديداً إلى يوم الثالث والعشرين من الشهر.

ففي تلك الليلة الطويلة جداً والثقيلة على النفوس كما رأينا في سورة التكوير حيث تتوقف الحركة المحورية للأرض ويستمر الليل على الجزء المسكون من الأرض فيشتد الظلام لانحجاب ضوء النجوم بغازات المذنب الموعود. وحينما يحاول النجم تحريك الأرض بالاتجاه المعاكس يجتمع الظلام من الجهتين إذ بينما تكون الحركة باتجاه الفجر تنقلب فتكون باتجاه الغروب ثم تطلع الشمس من مغربها بعد ليلة مضاعفة ومرعبة.

هذه الصورة تبرزها دلالة اللفظ (وسق).

القاموس: طعام موسوق أي مجموع.

وسقت النخلة/ حملت حملاً ثقيلاً وكذا الناقة.

وسقت العين الماء: حملته.

وسق الإبل: طردها من الجهتين ليجمعها.

إذن فالمعاني تجتمع هنا لأن مثل هذه الليلة تكون مجموعة أو مدفوعة دفعاً من الجهتين ومحملة بل مثقلة بالظلام.

نلاحظ أن هذه الليلة قد أكد عليها القرآن أكثر من مرة كما في التكوير (والليل إذا عسعس) أي اشتد ظلامه وتثاقل وقد نائت به الحركة، كما ذكرت مرات أخرى خلافاً لليل المعتاد كما في قوله تعالى (والليل إذا أدبر والصبح إذا أسفر) والذي يأتي في موضعه.

وهل يرمز هذا الليل المتطاول في صورته الكلية إلى حقبة الظلام التي (تملأ بها الأرض ظلماً وجوراً) قبل طور الاستخلاف؟ نعم قطعاً فإذا كان الحديث عن قطعة بلفظ (ليلة) فالمقصود تلك الليلة تحديداً وإذا كان بلفظ (ليل) وهو اسم عام أفاد عموم الحقبة المظلمة ووقعت تلك الليلة المخصوصة في دلالته العامة، كما أثبتناه في (اللغة الموحدة) في الفرق بين (حب) و (حبة) و(نمل) و (نملة) فهو كذلك في ليل وليلة.

قوله تعالى: "والقمر إذا اتسق".

قال مجاهد: والقمر إذا اتسق أي إذا استوى.

وقال قتادة: إذا اتسق إذا استدار.

وقال الطوسي: إذا تم نوره واستمر في ضياءه.

وقال في المحيط: اتسق: انتظم.

وقال الزمخشري في الأساس: ومن المجاز اتسق القمر واتسق أمره واستوسق، وناقة واسق: حامل.

أقول: ما أعجلهم بذكر المجاز خصوصاً في القرآن.

ألا يرى أن العبارة وردت في نص يتحدث عن وقائع كونية معينة بعد وقائع تحدث يوم القيامة فما أدراه أن الاتساق لا يكون حقيقياً بعد حدوث خلل في نظام القمر؟

بلى لو جمعنا أقوالهم المبهمة نشعر أنها تنطوي على معلومات تسربت من رجال يحسنون قراءة النص القرآني.

لأن قول الأول إذا استوى يفيد أنه خرج عن حد الاستواء وهو أمر لا يحدث كل شهر في العادة.

وقول الثاني: إذا استدار إن كان يقصد اكتمال الدائرة فهو متسق دوماً إذ القمر يكمل دورته كل شهر وتكتمل دائرته وسط كل شهر ثم يتناقص علماً أن هذا مخالف للواقع لأن هذا ما نراه نحن ولا يمثل حقيقة في النقصان والزيادة.

وقول الثالث: استمر في ضياءه يوحي لنا أن هناك حادث حدث حجب ضياء القمر فإذا (اتسق) عاد إلى الانتظام ولذلك نجد هذه الدلالة ظاهرة جداً في قول الفيروز آبادي إذ قال إذا اتسق: إذا انتظم ومعنى ذلك حصول حادث يخرجه عن النظام.

وإذا فهمنا قول قتادة: إذا استدار على ضوء الأحاديث المذكورة سابقاً عن استدارة النجوم واستدارة الفلك: بمعنى انعكاس الحركة فتشرق من المغرب (الحالي) وتغرب في المشرق (الحالي) تم المطلوب في فهم كامل الدلالة.

فالاتساق صيغة افتعال أي طلب للانتظام أو اكتمال الحركة والإضاءة وهذا لا يصح عادة إلا عند حدوث خلل في النظام.

لقد علمت ما يحدث للقمر عند اقتراب النجم الموعود. فهناك خسوف غريب في أول الشهر العربي خلافاً للمعهود من الخسوفات. وهناك خسوف كلي آخر في آخر الشهر العربي خلافاً للمعهود أيضا كما مر عليك في العلامات الكونية.

وقد لوحظ انحراف في محور القمر وشكله العام عند ظهور مذنبات قريبة نوعاً ما. فكيف يصبح الحال عند وقوع آيات النجم الموعود؟

إذن يحصل توقف لحركة القمر كما حصل في ركود الشمس وبالطبع يتغير النظام القمري أسوة بأجزاء النظام الأخرى.

ومن هنا تأتي هذه الآية في سياق عام لاستعراض أهم العلامات الكونية لهذا الطور.

وقد رأيت تفسيرنا للحديث "ووجه يطلع في القمر" - أن للقمر وجهان ونحن لا نرى إلا وجهاً واحداً لأن سرعة دورانه المحوري هي بنفس سرعة دورانه حول الأرض فنرى كل شهر نفس الوجه.

فإذا حصل أي خلل أو توقف في إحدى الحركتين ظهر الوجه الآخر للقمر والذي هو خال تماماً من اثر المحو أو السواد والذي يسمى حسب العلم الجديد (البحيرات الجافة).

والوجه الآخر للقمر تم تصويره بواسطة السفن الفضائية في العصر الحديث.

قوله تعالى: "لتركبن طبقاً عن طبق":

جواب عام لنفي الأقسام الماضية المرتبطة بإذا الشرطية وهو في عين الوقت جواب للشرط (إذا اتسق).

والمعنى أنه إذا حصل الشفق ووسق الليل واتسق القمر لتركبن ولكنه أي الجواب يرتبط باتساق القمر من جهة ترتيب الوقوع زمنياً لأنه الوحيد المبدوء بإذا الشرطية بينما هو جواب عام لنفي القسم.

وفي هذا الشرح نحاول تخليص التركيب القرآني وأي نص آخر من القواعد الجامدة للبنى النحوية التي وضعها الاعتباط.

فالمتكلم يرتب كلامه بأية طريقة تفيد تشريك الجواب أو غير ذلك وقد فندنا قسماً من أبحاثهم حول البنى النحوية في مؤلفات أخرى. فلو قال القائل: "والله إذا زرتني أزورك" فإن الجملة أزورك هي جواب للقسم لأنك إذا أخرجت الشرط فقلت (والله...) احتاج القسم إلى جواب: "والله أزورك).

وإذا أخرجت القسم فقلت (إذا زرتني..) احتاج الشرط إلى جواب (إذا زرتني أزورك).

إذن فجملة أزورك تعمل عملاً مشتركاً فهي جواب للقسم وجواب للشرط. والمعلوم من الشرط ارتباط زمني - أي أن زيارتي لا تقع إلا بعد أن تزورني - بينما لا يظهر الترتيب الزمني في القسم بمفرده.

إذن فركوب الأطباق لا يقع إلا بعد اتساق القمر.

وقد مر علينا في العلامات أن آخر علامة منها هي ما يحدث للقمر حيث يعقبه استدارة الفك واتخاذ الأرض مداراً آخر يلائم طور الاستخلاف.

ويبقى فقط مطابقة دلالة الأطباق على مدارات الفلك فهل نجد مؤيداً لغوياً لذلك؟

إذا رجعنا إلى منهجنا اللفظي نجد لفظ (الطبق) أطلق في القرآن على أطباق السماء السبعة:

"الذي خلق سبع سموات طباقاً" الملك/3

"ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقاً" نوح/15

ولم يرد لفظ (طبق) في أي موضع آخر سوى هذه المواضع الثلاثة.

ونلاحظ هنا انسجاماً في وروده في السور أيضا.

فإن وروده في (الملك) إشارة إلى الملك الإلهي في طور الاستخلاف.

ووروده في سورة (نوح) للعلاقة الزمانية. فقد ورد في بعض المأثور أن النجم الموعود أطل فيما سبق على الأرض إطلالة كان نتيجتها إغراق قوم نوح واستخلاف الباقين من ذريته وممن معه من الأمم حاملي الذراري.

ذكر ذلك نعيم ابن حماد في كتاب الفتن قال:

"في علامة تطلع من المشرق كالقرن: حدثنا نعيم عن سعيد بن عثمان عن جابر عن ابي جعفر قال: إذا بلغ العباسي خراسان طلع من المشرق ذو الشفا وكان أول ما طلع أمر الله بهلاك قوم نوح..." الملاحم/الباب/62

ويقدم لنا هذا النص اسماً جديداً للمذنب هو (ذو الشفا).

إذن فدلالة (الطبق) قد انصرفت في القرآن إلى أطباق السماء في الموردين الواضحين في سورة نوح والملك.

فلنلاحظ ما يقوله أهل التفسير:

أبو عبيدة: لتركبن طبقاً عن طبق: أي لتركبن سنة الأولين ومن كان قبلكم.

الطوسي: منزله عن منزلة وطبقة عن طبقة.

ابن مسعود: إذا كان بالفتح فالمعنى لتركبن يا (محمد) أطباق السماء.

الزمخشري: منزلة بعد منزلة وحالاً بعد حال.

العكبري في الإعراب: الخطاب للجماعة على الضم. وإذا كان بالفتح فالخطاب للمفرد والمراد به النبي (ص). قال: وقيل يجوز أن يراد به غيره أي الإنسان المخاطب.

أقول: هذا لا يجوز إذا كان اللفظ بالفتح وذلك لان ارتقاء السماء ممنوع على الكفرة فلا يمكن ان يكون المخاطب به الإنسان على العموم.

ورد هذا المنع في قوله تعالى:

"لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط".

إذن فالاعتباط يتوهم إذ يجعل الارتقاء في السماء عاماً.

ويصح هذا إذا كان المفهوم هو تحول واحد لمرة واحدة من طبق إلى طبق إذ احتمال تغير مدار الأرض احتمال كبير. ولكن المفهوم من الآية أنه تحول مستمر.

إذن فالمخاطب سواء كان بالأفراد أو الجمع فانه لا يخرج عن جماعة المؤمنين.

وقيل: معناه شدة عن شدة.

وقيل: معناه طبقات السماء بعروج الأرواح.

وقيل: معناه لتصيرن إلى الآخرة من حال الدنيا.

وقيل: حالاً عن حال من إحياء وإماتة.

اللغة: الطبق: الداهية.

والطبق: الغطاء لأنه يطابق الإناء.

وطبق من الناس بعد طبق: عالم بعد عالم.

والدهر أطباق: حالات.

والناس طبقات: منازل ودرجات.

أقول: لا يمكننا استبعاد أي واحد من أقوال المفسرين وأهل اللغة فإنها تجتمع في الواقعة التي يسببها النجم الموعود فهو:

- يغير الأرض من حال إلى حال.

- يصيب الناس منه شدة وداهية.

- يحول الأرض من تاريخ الدنيا إلى تاريخ الآخرة إذ الآخرة مفهوم زماني كما رأينا.

- يفتح الباب لولوج أطباق السماء وتأهيل الملكوت السماوي.

- يموت خلال مجيئه خلق كثير ويحي خلق كثير.

- يذهب به عالم قديم ويأت عالم جديد.

- من المحتمل أن يغير مدار الأرض من طبق إلى طبق آخر.

- تجري الأمور فيه على وفق سنن الاستخلاف فيمن هو قبلنا. قال تعالى:

"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم..."

فإذا شئت أن تقول أن جميع الوجوه صحيحة على هذا المعنى صح القول وإذا شئت أن تقول أنها جميعاً خاطئة عند ابتعادها في المفهوم عن طور الاستخلاف صح الاستنتاج أيضا ولكن تعلم أن المفسرين مهما قالوا فإنهم لا يشيرون إلى طور الاستخلاف من قريب ولا من بعيد ولا يربطون بين الوقائع والآيات في السورة بينما تلاحظ الوحدة الموضوعية للسورة الكريمة على ما ذكرناه بجلاء تام.

اقترانات لفظية أخرى

1. قوله تعالى: فما لهم لا يؤمنون. وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. علاقة الطور المهدوي دائمة مع القرآن أو الرسول (ص) ومع السجود اذ تتحقق في هذا الطور ظهورات لعلم القرآن وللرسول (ص) وهو طور السجود لله وحده.

وهو مرتبط بأول الخلق أعني السجود لآدم كما رأيت من قبل.

في حين تغيب مثل هذه الألفاظ عند الحديث عن القيامة الكبرى.

2. قوله تعالى: بل الذين كفروا يكذبون.

وهنا اقتران مستمر بين التكذيب والطور المهدوي وستأتي موارد التكذيب وعلاقاتها اللفظية في بحث لاحق.

3. قوله تعالى: والله أعلم بما يوعون. فبشرهم بعذاب أليم.

وجدنا اقتراناً آخر لأنواع معينة من العذاب مع الطور المهدوي دون الأنواع الأخرى ومنها العذاب الأليم وسيأتي التفصيل في بحث أنواع العذاب المهدوي واختلافاتها عن عذاب القيامة في الفصل المخصص لذلك.

للمناقشة:

1. قد تقول: كيف قلنا ان الكافر كاره للحياة والمؤمن محب للحياة والله سبحانه يقول: "ان زعمتم أنكم أولياء لله فتمنوا الموت إن كنتم صادقين"؟

الجواب: أننا لم نخرج عن منطوق الآية فالمؤمن يحب الحياة بمعناها أي الحياة الدائمة والكافر عكس ذلك يحب الحياة لوجود الموت في آخرها فهنا معادلة غريبة بالنسبة للدنيا فالكافر لا يريد ان يموت ويؤجل الموت خشية الحياة الأبدية بخلاف المؤمن وهذا التناقض في السلوك يدل على أن الكافر لا يشك في الحياة الأبدية بل لأنه معاند متظاهر على الله فيختار الموت على الحياة الأبدية أي يختار الحياة الواطئة المرافقة للموت. من اجل ذلك يرضى الكافر بالحياة الواطئة المرافقة للموت بينما يرفض المؤمن هذه الحياة.

إذن يظهر سلوكهما المتناقض في الحياة الواطئة المرافقة للموت بسبب اختلافهما بشأن الحياة والموت بمعناهما المطلق فالكاره للحياة يتعلق بالواطئة من أنواع الحياة وهي الدنيا والمشتق من الدنو المحب للحياة يكره المتدنية من أنواع الحياة أي الدنيا ويرغب في الحياة الأبدية وهي الحياة الآخرة.

وقد ذكرنا أن الآخرة موضوع زمني أي أنها تبدأ من الطور المهدوي وفيه تفصيل آخر يأتي إن شاء الله.

والآية مع ذلك ليست عامة بل في الأولياء فتمني الموت هو مرحلة متقدمة من الإيمان تتصف باليقين في الحياة الآخرة لذلك يتمنى الولي الموت إذ لا يصل لهذه المرحلة كل مؤمن.

2. وقد تقول رأينا في سورة الانشقاق ومجموع العلامات تغيرات كثيرة ووقائع متنوعة أهمها: تغير النظام الأرضي وغزو الفضاء للسيطرة على الملكوت وظهور المعرفة العليا المختلفة عن طرائق العلم التجريبي وخروج الأموات أفواجاً - كل ذلك في الطور المهدوي. فهل هناك مرويات أو أحاديث تؤكد هذه النتائج القرآنية؟

الجواب نعم فهذا حديث واحد لكل واحدة من الظواهر المذكورة يؤكد القرآن صحتها:

الأول: في ظهور المعرفة العليا

عن موسى بن عمر عن ابن محبوب عن صالح بن حمزة عن أبان عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (رض) الصادق قال:

"العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أهل البيت أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في الناس وضم إليها الحرفين حتى يثبها سبعة وعشرين حرفاً. البشارة/319.

الثاني: في غزو السماء وتأهيل الملكوت

ابن سعيد الهاشمي مرفوعاً بسد متصل إلى النبي (ص) في حديث قدسي قال:

"لما عرج بي إلى السماء نوديت يا محمد فقلت لبيك ربي وسعديك تباركت وتعاليت فنوديت يا محمد أنت عبدي.. إلى قوله ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي ولأملكنه مشارق الأرض ومغاربها ولأسخرن له الرياح ولأذللن له السحاب الصعاب ولأرقينه في الأسباب..." البحار/ج23/السيرة.

الثالث: في خروج الأموات:

"عبد الكريم الخثعمي قال قلت لأبي عبد الله كم يملك القائم قال سبع سنين... إلى قوله: فإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخر وعشرة أيام من رجب مطراً لم ير الخلائق مثله فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم فكأني أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب" الارشاد/في علامات الظهور

الرابع: في تغير النظام الطبيعي:

أبو بصير رحمه الله تعالى قال في حديث طويل عن أبي عبد الله الصادق (ع) قال:

"... فيمكث على ذلك.. (أي المهدي) سبع سنين كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه ثم يفعل الله ما يشاء. قال: قلت جعلت فداك كيف تطول السنون؟ قال: يأمر الله الفلك باللبوث وقلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون قال قلت أنهم يقولون أن الفلك إذا تغير فسد قال ذاك قول الزنادقة فأما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك وقد شق الله القمر لنبيّه (ص) ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون وأخبر بطول يوم القيامة وأنه كألف سنة مما تعدون" إرشاد المفيد والبشارة/55


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:39 PM   #19
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



الفصل السابع - الجزء الأول
موقع الطور المهدوي من أيام الله في القرآن


1. إعادة ترتيب أيام الله

يعتقد الأكثرية من أهل (الأديان الثلاثة) أن هناك يوماً واحداً منتظراً في التاريخ المستقبلي للعالم هُوَ (يومُ القيامة) وان ساحة الحساب والحشر هي ساحة أخروية بالمعنى الجغرافي (مع أن لفظ آخرة زمني المفهوم بصورة ثابتة)، بمعنى أن هذا اليوم يقع في أعقاب زوال النظام الكوني عامة والأرض خاصة فتكون ساحة الحشر في موضع ما من السماء.
ويظهر هنا تناقض أولي على أشدّه إذا تذكرنا انهم يقولون في تفسير قوله تعالى: "يوم نطوي السماء كطيّ السجّل للكتب لما بدأنا أولّ خلقٍ نُعيدُه"- يقولون أن هذهِ الواقعة في يوم القيامة، حيث التناقض ظاهر من جهة انعدام وجود موضع مكاني للحساب والجنَةّ والنار...الخ.
ومثل هذا التناقض في الترتيب الخاص بالحوادث تجدُه واضحاً في جميع شروح الآيات المتعلقة بها. ومرجَعه الأول هُوَ انهمّ تصوروا وجُودَ يوم واحد فقط في التاريخ المستقبلي للعالم بينما النص القرآني صريحٌ في ذكر اكثر من يوم.
الأول: قوله تعالى:
"أخرجْ قومكَ من الظُلمات إلى النورِ وذكرهّم بأيام اللّه.." 4/إبراهيم
الثاني: قوله تعالى:
"قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله" 14/الجاثية
فإذا قال قائل أن أيام الله مِنها أيام ماضية عَليه أنْ يذكرّهم بها ويبقى يوم القيامة هُوَ اليومُ الوحيد المستقبلي الزمان، عارضة الآية الثانية لأنه قال (يرجون) ولا يمكن رجاء الماضي بل يمكن فقط رجاء ما في المستقبل.
وهذا بالطبع عدا الارتباطات اللفظية الأخرى وابتداء الآيتين بصيغة الأمر (أَخرِجْ-قلْ)- ووجود النور والظلمات المرتبط بالتغيّر الكوني المنشود والذي تتوضح لك معالمه بالتدريج.
والنص القرآني صريحٌ من جهة أخرى هيَ انه ذكر هذهِ الأيام المستقبلية بأسمائها مثل: يوم الحساب، يوم الدين، يوم القيامة، يوم الفصل، يوم الخروج يوم التغابن، يوم البعث...
كذلك ذكر الأيام وهي مرتبطة بصفات الأقوام أو خصائص ذاتية فيها أو أفعال معينة أو وقائع مثل:
يوم تأتي السماء بدخان مبين 10/الدخان
يوم يكون الناس كالفراش المبثوث 4/القارعة
يوم يستمعون الصيحة بالحق 42/ق.
وإذن فعندما نلاحظ الأسماء المذكورة للأيام-يوم الدين-يوم الحساب-ونأخذ بعين الاعتبار أن بعضها ربّما يكون يوماً واحداً بخصائص مختلفة ابرز القرآن كلاً منها بحسب الموضع والموضوع ويرجع بالتالي بعضُها إلى بعض وتنحصر بأيام معدودة حينما نفعل ذلك ونرغب بمعرفةِ أيام الله المذكورة إجمالاً في الآيتين-إبراهيم والجاثية فانه يتوجب أن يكون المرجع في تحديدها هُوَ (النظام القرآني). بمعنى أننا لا يمكن أن نقول أن (يوم يسمعون الصيحة بالحق) هُوَ يوم القيامة إذ قد يكون يوماً آخر من الأيام إجمالا.
نستطيع فقط من النظرة الأولى إلى النظام أن نقول أن يوم الصيحة هُوَ يوم الخروج، لماذا؟ لانّ لدينا اقتران بسيط في الطبقة السطحية الأولى يُحدد أن هذا اليوم هُوَ يوم الخروج:
"يوم يَسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخُروج" 42/ق.
ولا يمكن الاعتماد على الترادف الاعتباطي الصُور المحدّد سلفاً في أذهاننا عن الأيام فنزعم أن يوم الصيحة هُوَ يوم البعث مثلاً، أو يوم القيامة من خلال اعتقادنا أن كل هذهِ الأيام هي يوم واحد. أن مثل هذا التصوّر هُوَ الذي يُسبب الإرباك وضياع الحقيقة .. وبِسببهِ اصبَحَ القرآن كتاباً عادياً للغاية ما دام يسمّي الأشياء بأسماء مختلفة من غير ضابط واضح ومحدّد- وقد أشرت مراراً إلى أن غايات الاعتباط هيَ التوصل إلى مثل هذهِ النتائج المتناقضة.
مثال: ما هي العلاقة بين اليومَين: "ويَوم نحشر من كل أُمةٍ فوجاً"، 83/النمل
و"يَومَ يُحشر أعداء اللّه إلى النار" ؟ 19/فصلت
بإمكاننا هنا أن نحدّد من خلال النظام أن هذا يوم واحد، انه نفس اليوم في الآيتين من خلال مركب آخر اشترك بين الآيتين، هُوَ: "فَهمُ يُوزعون".
وذلك عدا أن (النار) مقترنة اقترانات مختلفة بخصائص يوم الحشر الجزئي على شكل (أفواج)، بينما (جهنم) مقترنة بالحشر الجماعي العام، وهي اقترانات متعددة تقوم بتأكيد النتائج دوماً أو تصحيح الأخطاء. وبالطبع فانّ ما نقصده بالنظام القرآني هُوَ من هذا القَبيل وهُوَ ينطوي على نُظم أخرى أدق وأكثر تفصيلاً لا يمكن التعبير عنها بأية لغة، بيد أن التطبيقات والإشارات التي مرت والتي تأتي في هذا الكتاب وغيره تحاول إيضاح المقصود بالنظام القرآني- لذلك قلنا أننا نقوم بتأسيس المفاهيم الجديدة أو بحث المواضيع المختلفة وإيضاح النظام القرآني في آن واحد.
ومن المعلوم أن لفظ (يوم) وَرد في النظام بموارد كثيرة جداً (473) مرةً، ومعنى ذلك انه يشكل شبكة معقدة داخل النسيج القرآني لا يمكن الإحاطة بها في الاقتران البسيط فضلاً عن المشترك وما هُوَ في الطبقة الثانية- أي المرتبط بالتراكيب بصورة غير مباشرة من خلال ألفاظ ومركبات أخرى.
لذلك فسوف نذكر فكرة عامة من المسمّيات الأساسية للأيام من اجل تحديد بسيط أوليّ لموقع (الطور المهدوي) منها باعتباره أحد الأيام المُنتظرة.
وبناءً على المنهج الذي اخترناه لسبر أغوار النظام القرآني- المنهج اللفظي الذي يرفضُ الإقرار باعتباطية الإشارة اللغوية وما يتبعها من تكرار وترادف ومجاز وكناية واستعارة ويؤسس قصدية اللغة ويرفض كذلك الإقرار بوجود لفظ زائدٍ أو مُقحم في النص القرآني- بناءً على ذلك نستنتج فوراً ومن غير إطلاع سابق سوى المسلمات المعلومة أن المفسرين قد خلطوا الحابل بالنابل وقلبوا الأمور رأساً على عقب وحجمّوا دور الرسالة وهدموا قواعدها وأخفوا الغاية الكبرى من الخلق حينما أصرّوا على تفسير العَديد من الألفاظ القرآنية بمعنى واحد أو إعطاء اللفظ الواحد معان عديدة كلما تغيرّ موقعه من التراكيب والعبارات فكان نتيجة ذلك اعتباطية شاملة في الفكر واللغة. وأود هنا أن تذكر معي أخي القارئ الكريم ما مرَّ في فصل التناقض من كتاب النظام القرآني فقد رأيت أن الأيام المذكورة للخلق في القرآن- الأيام الستة للخلق كانت متناقضة ظاهرياً مع آيات سورة فصلت التي يحصل عند جمعها ثمانية أولي بدلاً من ستة وان عشرات العلماء قد فشلوا في إزالة هذا التناقض الظاهري بسبب اعتقادهم أن الأيام الستة كلها ماضية في الزمان.
لقد تم حَلّ المعضلة وإزالة التناقض بالمنهج اللفظي الذي أبقى لكل لفظ دلالته الخاصة به وكانت النتيجة أن تلك الأيام هي أيام خلقٍ مستمر وهي اجل السموات والأرض وان بعضها قد مرَّ وان البعض الآخر لازال منتظراً وأننا نعيش الآن على حافة اليوم الثالث منتظرين ثلاثة أيام أخرى من عمر الكون.
وبالطبع فأن مثل هذا التصور لا يحل الإشكال الآنف وَحدة وإنما يرتبط ارتباطاً وثيقاً ومحكماً بجميع ألفاظ القرآن وعباراته وسوف أذكر لكَ الآن جملةً منها بصورة سريعة لتعلم أن ما ذكرناه حَق وان هذا المنهج هو المنهج الوحيد الذي يحق له البحث في القرآن وان ما سواه باطل واعتباط مَحض لا يمت إلى البحث العلمي بصلة فضلاً عن البحث المعرفي الدقيق؛
1. يفسر لنا هذا الفَهم عن أيام الله العبارات القرآنية مثل "سارعوا إلى مغفرة من ربكم" أو "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنةٍ" - وذلك لأن أي تأخير عن الوصول إلى اليوم الأول - اليوم المهدوي - فهو خسارة من عُمر الكائن الإنساني - فأن تحقق الوعد مرتبط باختيار الإنسان كنوع ولما كان عُمر الكون محدداً (بأجل مسمى) فان أي تأخير هوَ نقص من عُمرهِ في الجنة الموعودة أو زيادة في عُمرهِ الذي لا قيمة له.
2. يفسر لنا هذا التصور أيضا عشرة اختلافات هامة بين نوعين من الجنات ونوعين أساسيين من أنواع العذاب تأتيك مفصلةً في موضعها.
3. يفسر لنا هذا التقسيم أيضاً عدد المرات التي يثاب أو يعذب بها الأشخاص مثل "ستعذبهم مرتين" أو "يؤتكم كفلين من رحمته" أو "لهم أجرهم مرتين بما صبروا".
ذلك لأنه لم يقل ضعفين كما في قوله تعالى "يضاعف لها العذاب ضعفين". فهذا مختلف جداً عن المرتين. المرتان تفسران الضعفين لأنها إذا ضوعف لها العذاب في المرة الأولى وضوعف في المرة الثانية فقد نالت بالفعل (ضعفين) ينطوي ذاتياً على عدد المرات والناتج أنها تعذب مرتين فكل آية تفسر الأخرى رغم التباعد الموقعي بينهما.
أن المرات هي أطوار منتظرة وبغير هذا التصوّر لا يمكن تفسير العشرات من الآيات المرتبطة لفظياً. بهذه المواضع.
4. يفسر لنا هذا الفهم كذلك الكثير من الاختلافات الوصفية والروابط اللفظية للأيام مثال ذلك: اقتران الخلود الأبدي مع جنة معينة دون سواها، ولبس الفضة في جنة معينة بصورة مكررة ولبس الذهب في أخرى، الاختلافات بين (النشور) و (البعث) .. إلى قضايا أخرى كثيرة.
5. يفسر لنا هذا الفهم من ناحية أخرى أدوار الحياة والموت. فثمة إشكالات حقيقية في هذا الموضوع. لقد قال الكفار مثلاً: "رَبنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل؟".
ويستحيل فهم هاتين الموتتين والإحياءين إلا عند إعادة ترتيب أيام الله المنتظرة. كذلك قوله تعالى ".. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" - عن المؤمنين. إذن فثمة فرق عددي في الموتات بين المؤمنين والكفّار وهوَ مرتبط بالأدوار المارّة آنفاً وبالفوارق بين البعث والنشور فيظهر موضع الطور المهدوي من تلك الأطوار، من الناحية الزمنية.
قبل البدء بتلك التفاصيل سوف نوضح ترتيب الأيام الستة للخلق والذي يؤكد لنا حقيقة الأيام المنتظرة بيد أن هذا الشرح هوَ تكملة لما ذكرناه في كتاب النظام القرآني فمن الضروري الإطلاع على أولياته هناك.
أ. ترتيب الأيام الستة للخَلق
قلنا أن الأيام الستة هي الأجل الكلي للسموات والأرض وليست فترة قضاها الله في خلق الكون.
لنلاحظ الآيات الواردة في سورة (فصلت) موضوع البحث:
"قل إنكم لتكفرون بالذي خَلقَ الأرض في يومين وتجعلونَ له أنداداً ذلك رَبُّ العالمين. وجعلَ فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين. ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها والأرض أتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. فقضاهنّ سبع سمواتٍ وأوحى في كل سماءٍ أمرها..".
قال تعالى خلق الأرض (في) يومين ولم يقل ليومين وَهوَ التعبير الذي يفيد ما نريد قوله من أن هذا زمان التكوّن لازمان فعل الخلق فهو مدة الاكتمال التطوري لخلق الأرض. وسبب استعمال (في) بدلاً من لام الغاية هوَ سبب شريف يتعلق بالمتكلم. لأنه لو قال (ليومين) يستلزم ذلك اكتمال الخلق بصورة محتومة فأرجو الانتباه إلى أني سأوضح هذا الأمر: أن المتكلم هو الله فلا يقيّد نفسه بقيد والظرف (في) يفيد احتواء اليومين على عملية الخلق وهذا هوَ المراد - إبراز مقدار المدة اللازمة للخلق في تعلقها بالمخلوق لا بالخالق. فهو إذن غير مرتبط بالغاية والهدف مثلما يقيده اللام. مثال ذلك:
قول القائل: جعلت أو قدّرت لك نفقة في شهرين. المقصود أنها تكفيه شهرين. و# لو قال (لشهرين) لكان المعنى أنها تكفيه شهرين وان غايته وهدفه هوَ أن تكون كذلك. يمكن للإنسان أن يتمنى ما شاء. أما الله فانه يَعِد ويفي بوعده ولكنه لا يلزم نفسه بشيء في اصل الخلق. نعم قد يلزم أو يوجب على نفسه فيما هو متعلق بالخلق بعد تكوينه كالرحمة وسواها، لأنه قال:
(إن يشأ يذهبكم ويأتي بخلق جديد) - وأوضحنا في كتاب اصل الخلق انه إذا فعلَ فيتوجب تغيير النظام الطبيعي، بينما تغيير القوم في قوله تعالى "يستبدل قوماً غيركم"، لا يوجب تغيير النظام الطبيعي.
وعليه فهو يقول (في يومين): هذا الخلق هو (في) حيز زماني مقداره يَومان فهو وصف مستقل عن ذاته .. لأنه (كل يوم هو في شأن) فلا يقيد نفسه بشيء مطلقاً.
وقال بعد ذلك بآيات: (ثم استوى إلى السماء). ان (ثم) هنا تعطف الفعل الجديد على الفعل السابق. انه معطوف على الخَلْقِِ في يومين. وعليه فالاستواء حدث قبل اليومين. أنه يعطف افعالاً ولا يعطف أزماناً كما لو قال القائل السابق: قدّرت لك نفقة في عامين وأعطيتكَ سيارة تسافر بها.
السامع يفهم انه هيأ له النفقة والسيارة في آن واحد، ولا يفهم مطلقاً انه أعطاه السيارة بعد عامين - لان هذا عبث إذ انه يحتفظ بالنفقة ولا يسافر منتظراً السيارة وبالتالي لا يعلم كم النفقة تكفيه من الزمان.
ونلاحظ شيئاً آخر: قال (ثم استوى إلى السماء). إذن السماء موجودة حال الاستواء وعليه فالأمر مختلف عن الأرض فالأرض بدأ بشرح خلقها بعد ان لم تكن أما السماء فانه عطف على استواءها بعد أن كانت. أنها الآن دخان (ثم استوى إلى السماء وهي دخان). فقال لها وللأرض أتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين. بعد ذلك يأتي فعل جديد مبدوء بحرف الفاء الذي يفيد حسن التوزيع السريع: (فقضاهن سبع سموات في يومين) - قضاهنّ في مدة وأجل للاكتمال مقداره يومين أيضاً (فقضاهنّ سبع سموات في يومين).
إذن فالأفعال معطوفة على بعضها بغض النظر عن طول الأزمان وهذا ما يوضحه الرسم الأول.
إذا كنا في عصر نزول القرآن فإننا متأكدون من مرور يومين وذلك من خلال آيات أخرى تذكر وجود سبع سموات مكتملة. لكننا لا نعلم في أي يوم نحن للآن إلا ببحث آخر في الألفاظ.
نرجع الآن إلى الآية التي تجاوزناها والتي تضمنت ثلاثة أفعال متعاطفة بعد بدء خلق الأرض وقبل الاستواء إلى السماء فنطبق نفس فهمنا الأول عن تعاطف الأفعال: "وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام". هذه إذن عمليات وقعت بعد خلق الأرض مباشرة بيد أن مدة الأقوات تستغرق أربعة أيام فتظهر بأقصى صورة لها في اليوم الرابع.
إن ابتداء الخلق كان واحداً والسموات والأرض خلقت سوية والفوارق الزمنية هي فوارق اكتمال كل مرحلة فهي منفصلة عن أصل الأفعال مثال ذلك أن تقول مضيفاً على المثل السابق:
قدرت لك نفقة في عامين وهيأت لك جواز سفر في أربعة أعوام. فالأفعال وقعت سويةً لا علاقة لها بمدة نفاد النفقة أو نفاد جواز السفر.
الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش

هذا يعني أن الأفعال المتعاطفة مزدحمة كلها في (جزء) منذ بداية اليوم الأول للخلق وإذن فنحتاج إلى تكبير صورة اليوم الأول لتوضيح الأمر وهو ما يظهر في الرسم أعلاه. ألفاظ مثل آية سورة الأعراف التي تتحدث عن أمد الخلق الكلي (ستة أيام) يمكن وضعها في الرسم (في الأعلى) - فحينما قال تعالى في ستة أيام فأن الستة تنطوي على التفاصيل المذكورة في سورة (فصلت).

وتترابط الآيات جميعاً باستعمالها لفظ (في): في ستة أيام. في يومين للأرض. في يومين للسماء. في أربعة أيام للأقوات. فهي أيام لما يستغرقه تطور هذا الخلق وليس هو زمن القرار المتخذ للخلق أو الاستواء أو التقدير.. فأنت تقرر بناء دار في عامين، وهذا الزمن هو زمن بناء الدار لا زمن اتخاذ القرار الخاص بالبناء وعليه فحينما تقرر مجموعة قرارات لكل واحدة زمانها الخاص لا يجوز القول انك لم تقرر الثاني إلا بعد انتهاء الأول! فهذا التصور خاطئ إذا فهمنا به كلام المخلوق فضلاً عن كلام الخالق.

تشير رؤوس السهام السائرة في الخطوط المقطعة في الرسم إلى زمن أو أجل كل فعل من الأفعال.

فأن قلت أن السموات والأرض موجودة الآن فكيف نقول أن الأيام الستة هي عمر الكون فأننا نراها خلقت وانتهى خلقها. نقول انك لا ترى شيئاً في الواقع، فالبشر لا زالوا يخلقون تباعاً والنجوم لا زالت تموت وتولد تباعاً والمجرات لا زالت تظهر وتموت فالكون في طور من أطوار الخلق. قال تعالى: (ويخلق ما لا تعلمون). وقال "والسماء بنيناها بأيد وإنّا لَموُسعون".

والقرآن صريح في الإشارة إلى استمرار الخلق والتكوين.

أن اللفظ الوحيد المختلف في آيات فصلت هوَ (ثم) استوى إلى السماء. لكن لفظ (ثم) إذا كان يفيد التراخي والتمهل، فهو تمهل معطوف على أفعال الخلق في تلك الفترة. كما لو قلت لك: زارني صديقي فأعطيته كتاباً ليقرأه في أسبوع ثم صنعت له طعاماً وودعته. فالسامع يفهم إني قدمت الطعام خلال الزيارة لا بعد أسبوع فالعطف على (أعطى) لا على الأسبوع والتمهل هوَ في فترة الزيارة القصيرة بالنسبة للأسبوع. فكذلك المستطيل الصغير في الرسم يمثل فترة تلك الأفعال وهوَ جزء قليل من اليوم الأول.

ولما كان (الاستواء) مختلفاً عن (الخلق) فالسماء إذن موجودة في صورة دخان في لحظة الاستواء وهذا يدل على أن خَلقها بدأ في وقت اسبق.

أن وحدة اللفظ (سماء) في الآية هوَ قبل نشوء (سبعة منها). فلغرض معرفة تفاصيل هذا الجزء الهام من اليوم الأول يتوجب القيام بتكبير آخر لهذا الجزء اعتماداً على موارد قرآنية أخرى تخص هذا الجزء وحده.

إذن يجب البحث عن عمليات حدثت (للسماء) كلفظ مفرد قبل تكون السبعة. ونجد ذلك في مورد آيات سورة المنازعات وهوَ المورد الذي حسبوه يناقض آيات فصلت! بينما هو يشرح تفاصيل هذا الجزء (المستطيل الصغير) في الرسم.

سنقوم الآن بتكبير هذا الجزء في الرسم الثاني وملاحظة الآيات:

في سورة المنازعات:

"أأنتم أشد خلقاً أمْ السماء بناها. رفعَ سَمكهْا فَسَوّاها. واغطس ليلها واخرجَ ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرجَ منها ماءها ومرعاها. والجبالَ أرساها. متاعاً لكم...".

حينما قال بناها شرح البناء بأربع عمليات متوالية هي: رفع السمك، والتسوية وأغطاش الليل وإخراج الضحى.

وحينما قال عن الأرض دحاها شرح الدَحو بثلاثة عمليات: إخراج الماء وإخراج المرعى (بفعل واحد) وإرساء الجبال.

لكنه قال (بعد ذلك). إذن فالعمليات الأربعة الأولى تسبق في التسلسل الزمني الثلاثة الخاصة بالأرض.

إذن فالترتيب يبقى كما هو وفق قواعد المنهج اللفظي فالأفعال مرتبة كما وردت في الآية ومجموعها سبع عمليات كالآتي:

رفع سمك السماء، تسوية السماء، أغطاش الليل، إخراج الضحى، إخراج الماء، إخراج المرعى، ارساء الجبال.

فلنلاحظ ترتيب هذه التفاصيل من الناحية العلمية بإلقاء نظرة على كل ناحية منها:

1. رفعَ سمكها: أنت تعلم الآن أن هذه العملية قبل مرحلة الدخان بالترتيب المنطقي المار عليك قبل قليل: (بناء السماء قبل قضاء سبعة منها).

ومرحلة الدخان هي جزء من الفترة الصغيرة جداً من اليوم الأول. فما هي طبيعة السماء قبل مرحلة الدخان؟ وقبل ذلك ما هو الدخان؟ لا نقول ان (الدخان) غازات ليطابق العلم الحديث قسراً. لكن على أصل اللغة الدخان أي مادة متجانسة بصورة تامّة. كلما خفت المادة تجانست وليس في أجزاء الدخان أية اختلافات يمكن رصدها.

وإذن فقبل هذه المرحلة (قبل الدخان) المادة غير متجانسة. انها هلامية وقد لا يمكننا التعبير عنها بألفاظ معينة فهي ليست فاقدة للشكل واللون فقط بل فاقدة لخصائص المادة بأدنى مستوياتها. هذه المادة (اللامادة) هي التي رَفَعَ سَمكهْا.

رَفَعَ: فعل يفيد الرفعة والعلو ومشتق منها. بيد أن هذا استعمال على الحركة وليسَ هوَ الحركة نفسها. لأن الحركة نفسها فيها استخلاص ومع ذلك فهو يؤدي الغرض على نحو ما. أمّا سَمَكَ: فقال الزمخشري: سَمَكَ سموكاً: رَفَعَ. وذكر الآية! وقال الفيروز آبادي في القاموس المحيط: سَمَكَ: رَفَعَ وذكر قوله تعالى (رَفَعَ سمكها) والناتج ان الله يقول: رفع رَفعْها أو رَفَعَ ارتفاعها!!

فانظر مرة أخرى إلى ما يفعله الاعتباط. إذ لو كان السمك هو نفس الرفع لقال (رفعها) بدل رفعَ سمكهْا بل الأمر عكس ما قالوا وهو ان السَمْكْ يحتاج إلى رفع.

ليس لدينا أي مصدر آخر لنعلم ما معنى (سَمك) لذلك فسوف نستخرجه من معاني الحروف:

السين: انسلال الحركة خفية لتظهر فيما بعد

الميم: تكامل الحركة بإتمام ما ينقصها

الكاف: تكتّل المتماثلات من الحركة.

(المعاني عن كتاب اللغة الموحدة).

ان مجموع هذا التعاقب يعطي معنى عاماً هو تكاثف الأجزاء وتكتلها بصورة غير منظورة لتكون ملاحظة فيما بعد. حينما يتم رفع هذه العملية فهذا يعني احاطتها بعناية كاملة من أجل أن تأخذ كامل مدياتها. الناتج هو تكون مادة متكاثفة ومتشابهة (متجانسة)... وظاهره على نحو ما. إذن فهذه حلقة بين العدم والوجود. لقد أكدت لنا معاني الحروف مرة أخرى أن هذه العملية قبل الدخان وقد تم خلالها تشكيل الأجزاء المتجانسة التي تؤدي إلى المرحلة الدخانية.

ولكن هل كان بناء السماء (العملية الكاملة) كلها قبل الدخان ام متداخلة بحيث ان المرحلة الدخانية كانت جزءًا من البناء؟

ان (البناء) ورد في القرآن على انه عملية كاملة تتضمن على نحو ما جميع التفاصيل بما في ذلك بناء سبع سموات قال تعالى "وبنينا فوقكم سبعاً شداداً".

2. فسواها: بعدما تم رفع سمكها حصل تشكيل جديد ووضع جديد للجزيئات يمكن أن يتحول إلى حالة متجانسة بصورة كاملة وهو المعبر عنه بالتسوية. أن سوّاها ليس مرادفاً لـ (خلقها) ولا لبنائها ولا لأي لفظ آخر. التسوية هي تناغم وتماثل وتشابه تام للأجزاء. انه نفس المعنى في قوله تعالى "فإذا سويته فقعوا له ساجدين". انظر التسوية من كتاب (أصل الخلق).

3. اغطش ليلها: تأتي هذه المرحلة لتؤكد أن عملية تكوين الدخان قد تمت بالفعل وان اغطاش الليل وقع في أعقابها. ذلك لأن الجزيئات لمّا تجانست بصورة كاملة وحدثت فيها التسوية فقد حَلَّ ظلام كثيف في المكوّن الجديد. هناك مرويات تؤكد وجود مرحلة من الظلام المحض ومنه حديث (الكوكب الدرّي) الذي ظهر في أعقاب ظلام كوني عام. من ناحية العلم فان تكاثف الظلام يؤدي إلى ظهور النقيض أي النور أو الضوء. شرح ذلك باختصار: أن التكاثف الذي حصل في الغازات جعل قوى الجذب متنامية فشكل دوّامة أو مجموعات لا حصر لها تؤدي كل منها إلى استقطاب مادة كونية أخرى من الدخان (السحب في الاصطلاح العلمي) - وهذا يزيد مرة أخرى من قوى الجذب واستقطاب مادة مبعثرة في الكون ... وهكذا حتى يشتد الظلام في المكونات (الدوامات). ثم يظهر النور كما سيأتي في الفقرة (4).

القاموس: اغطش وفلاة غطشى: عميّة المسالك. تغاطش فلان: تغافل. يقال مررت به فتغاطشَ كأنه لا يرى أحداً. إذن فاغطاش الليل هو اشتداد الظلمة شدة لا مزيد عليها إذ أصبح فيها الليل نفسه أغطشاً والاغطش هوَ الذي لا يبصر - ذكره أبو عبيده / التبيان 10/260

4. أخرجَ ضُحاها: بعد هذا التكاثف للجزيئات تزاد قوة التجاذب بشدة وتؤدي إلى دمج النوى ببعضها وتكوين عناصر جديدة وعندئذ تتحرّر طاقة عالية جداً وضوء ويتكون نجم (شمس).

أمّا الدومات إلا بعد عن هذا المركز فلا تصل إلى هذه الدرجة من التكاثف وتكون المادة داخلها مكبوسة بدرجة اقل ومنها تتكون الكواكب التي تدور حول المركز (الشمس).

لاحظ التعبير القرآني (اخرج ضُحاها).. لأن الضحى ظهورٌ للإنارة فالإنارة كامنة فيها من حيث كمُون الطاقة في المادة فتحتاج إلى (إخراج).

5. والأرض بَعد ذلك دَحاها: اخرجَ منها ماءها.

أن دقة التعبير القرآني تستلزم التوقف عند قوله (بعد ذلك)

لأن دَحو الأرض عملية معقدة تحتاج وحدها إلى كتاب كامل-فالدَحو هُوَ جَعلها (كالدحية) والدحية هي البيضة أي الشكل المفلطح بالنسبة للحجوم-يقابل الشكل البيضوي للسطوح.

أن الدَحو هو الذي اظهر الحياة على الأرض لماذا؟ لأن التفلطح الأرضي علمياً مرتبط باللفّ الأرضي حول محورها. هذا اللف هُوَ الذي يكون الليل والنهار ويعرض الأرض للشمس بصورة مختلفة بسبب الشكل المفلطح من جهة وبسبب زاوية الميل المحوري (23º) بالنسبة لأرضنا هذه.

فينشأ من ذلك اختلاف حراري يؤدي إلى تحرك الرياح وتنشأ بسببه عمليات التبخر والأمطار وبالتالي الأنهار والزروع.

ولكن من أين جاء اللف المحوري الذي سبّب التفلطح؟ رأينا أن تكون شمس في المركز يربط الدوامات القريبة به. تحافظ هذه الدوامات على وضعها بسبب وجود الجذب المركزي وتصل إلى حالة من التوازن فيما بعد.

هذا الدوران حول المحوّر ينتج منه قوة طرد مركزي تسببّ التفلطح. ومعلوم أن هذا مرتبط كله بالقوة المغناطيسية التي لا زالت مجهولة المنشأ ولكن العلماء الألمان يعتقدون أنها قوى معينة تلقى من السماء لها علاقة بالمركز (الشمس) تسبب ظهور شحن قطبي مختلف على جهتي الأرض وفق نظرية شديدة التعقيد (أنظر Universe 39) أن دحَو الأرض (جَعلها مفلطحة) يتضمن عدة عمليات أخرى: ظهور القوة المغناطيسية، ثبوت زاوية الميل، نشوء الزلازل والبراكين، تكاثف الغيوم وخروج الماء الداخلي بالطرد المركزي بسبب اللف.

فانظر إلى قوله "بَعد ذلك" لأن هذه العمليات لا تتم قبل وجود شمس مركزية (إخرجَ ضحاها).

6. (ومرعاها): أخرجَ منها مرعاها بعد ماءها. وهذا واضح فان الحياة نشأت بعد تكون الماء. لكن المرعى الغاية منه تكوين كائنات حّية تعيش عليه. إذن فالكائنات المائية اسبق من النباتات والنبات اسبق من نشوء الكائنات البريّة النباتية والجميع اسبق من الإنسان البرّي والذي طعامه نباتي وحيواني في آن واحد.

7. والجبال أرساها: إذن فهي موجودة في وقت اسبق من الإرساء. لاحظنا أن الرواسي هي القوة المغناطيسية لقد أدى اللف المحوري إلى ظهور التضاريس الأرضية وهذهِ القوة (الرواسي) هي التي تحافظ على حركة الأرض وهي مانع ومسبّب (الميدان) في آن واحد. شبهنا عملها في الكتاب السابق بالخيط المطاطي المرن المربوط بمَهد فهو يحركّه حركةّ لطيفة أو عنيفة بحسب قوة الشد. هذه القوة اسبق من ظهور الجبال التي هي تضاريس ونتوءات من مادة الأرض. إذن قوله (أرساها) هُوَ إشارة إلى السيطرة على حركتها الداخلية نفسها خلال النشوء لأن هذه الحركة مرتبطة بالرواسي. فالإرساء هو تنظيم الحركة وليسَ تثبيت المتحرك ومنه مرسى السفن حيث يسيطر على دخولها وخروجها.

لذلك ارتبطت الرواسي في جميع الموارد القرآنية بحركة الرياح والمياه والنبات... الخ وارتبطت بحركة الأرض (الميدان)-كما ارتبطت في المأثور بنشوء الزلازل بينما لا نعثر على تلك الروابط مع لفظ الجبال (راجع كتاب النظام - فصل تطبيق على آية الرواسي).

نلاحظ كذلك تطابقاً عددياً بين الأفعال في سورة فصلت وبين التفاصيل في سورة النازعات. فهناك سبع عمليات وهنا أيضاً سبع عمليات تفصيلية. وهناك تبادل في المواقع أيضاً فقد قدم أربعة عمليات للأرض وثلاثة للسماء في فصلت بينما قدم أربع عمليات للسماء وثلاثة للأرض في النازعات.

هذا التناوب يدل على الوحدة الزمنية للخلق فالتقديم والتأخير متعلق بأسباب أخرى متصلة بموضوع الكلام. وهُوَ أمرٌ أوضحناه في إبطال (الرتبة) السابقة للألفاظ والأعداد التي ادعاها الاعتباط (انظر الحلّ القصدي للغّة).

فهنا يتهاوى الاعتباط الذي أنكر القيمة المسبقة واثبت الرتبة، لأن الرتبة هي عين الاستعمال فلا تتقدم عليه او تسبقه مطلقاً. هذا مثال واضح:

تقول عن الكريم: "انه يعطي الدينار والعشرة والألف" فترتب الأعداد تصاعدياً وتقول عن البخيل: "انه يبخل بالألف بل يبخل بالعشرة بل يبخل بالدينار" فترتب الأعداد تنازلياً إذن فليس الواحد مقدم على الاثنين ولا القِلة على الكثرة وإنما يحدّد ذلك موضوع الكلام وغاياته وإذن فالتقديم في ذكر السماء على الأرض في النازعات مرتبط بالموضوع الذي هو التكوين وقد لاحظنا دقة هذا الترتيب علمياً. أما في فصلت فقدم ذكر الأرض على السماء مع المحافظة على الأزمان لانه يتحدث عن المعتقدات وارتباطها بالوعد الإلهي ونزول البركات التي قدرّها لأربعة أيام كاملة، الناتج منها ان خلق هذا العالم ليس محتوماً بإنهائه على ما هُوَ عليه بل محتوم بظهور الدين وخروج البركات.

وهُوَ مقترن لفظياً بأحاديث المهدي (ع):

عن أبي سعيد (رض) ان النبي (ص) قال: "يكون في أمتي المهدي...(وفيه) فتنعم امتي نعمة لم ينعموا مثلها قط. تؤتي الأرض أكلُها ولا تدخر منه شيئاً.." مستدرك الصحيحين/4/558.

وفي المستدرك/4/557 "تخرج نباتها" وفي الدرّ المنثور للسيوطي: "لا تدخّر الأرض من بذرها شيئاً الاّ أخرجته".

وفي المستدرك/4/514 : "وتُلقي الأرض افلاذ كبدها قال قلت وما افلاذ كبدها قال (ص) أمثال الاسطوانة من الذهب والفضّة" وقد تناغمت ألفاظ السماء والأرض في مئات المواضع من حديثه (ص) حول المهدي (ع) ياتيك بعضها الآخر لاحقاً.

ماذا يحدث لو جَمعنا آيات فصلت مع آيات النازعات؟ سيكون هناك تصور مشترك ولكنه معقد جداً يحتاج إلى عقول ذكيّة لإدراكه. ذلك ان القرآن لا يقوم بتشريك الازمنة فقط وإنما يقوم بتشريك الأفعال ومن وقعت عليه الأفعال لإظهار المزيد من التفاصيل. فحينما يتحدث عن الأرض فهو في الواقع يتحدث عن السماء أيضاً والعكس بالعكس.

هذا مثال عن عملية واحدة مشتركة بين الموردين: فحينما قال في فصلت "خلق الأرض في يومين" اشار إلى خلق الأرض والذي رافقه خلق السماء لأنه قال بعد ذلك"ثم استوى إلى السماء وهي دخان" مشيراً إلى اسبقية تكونها المرافق لتكوّن الأرض. وظهر ذلك حينما قال بعد خلق الأرض "وجعل فيها رواسي من فوقها" فقد تضمنت هذه الفقرة حصول التفلطح ونشوء الحركة المحورّية المرتبط بوجود الشمس فهو إذن ينطوي من مورد النازعاتِ على التفاصيل الأربعة "خاصة بالسماء: (رفع سمكها فسواهّا، واغطش ليلها واخرج ضحاها). وحينما قال في فصلت "وباركَ فيها وقدر فيها اقواتها" فقد اشار إلى تفاصيلها في النازعات "اخرجَ ماءها ومرعاها" فلمّا ذكر السماء (ثم استوى إلى السماء)- افاد ان الاستواء معطوف على الخلق بعد فترة ما فاشار إلى ابتداء خلق الأرض.

الاستنتاج

لماّ قال: "وذكرهم بأيام الله" وقال "لا يرجون أيام الله" فان اقل عدد للمجموع هُوَ ثلاثة.

ولماّ كان قد اشار إلى تكون سبع سموات ولما كان تكوّنها يستغرق يومين فقد تأكدنا من مرور يومين من جهة وانتظار ما لا يقل عن ثلاثة أيام من جهة أخرى. إذن فنحن الآن في مرحلة من مراحل اليوم الثالث من الأيام الستة. وهذه هي غايتنا من هذا المبحث.

2. التوافق العدَدي لليّل المشروط بالحركة مع أيام الخلق

لاحظنا ان الأيام الستة للخلق هي الأمد المضروب كأجلٍ مسّمى للسموات والأرض. فنحن بانتظار ثلاثة أيام من عمر الكون الذي نعرفه اذ لا علم لنا بما يخلق الله من عوالم أخرى:

"ويخلق ما لا تعلمون".

وقد رأينا ان هناك ليلاً مخصوصاً كان من موارد القَسمَ "أو الحلف" على الحل القصدي مثل: (والليل إذا عسعس).

فهو ليل مخصوص لا كل ليل- بمعنى انه غير مقيد بالليل المتعارف عليه فالليل المتعارف عليه صورة جزئية أو مصغرة من هذا الليل. فهو مخصوص من حيث انه يشير إلى واقعة معينة في المستقبل. وهُوَ عام من حيث انه ليل التاريخ كله.

فإذا أردنا فهمه بهذا العموم "والذي هُوَ تخصيص عهدي الصيغة يتضمن أل التعريف" نجد ان موارد هذا الليل معدودة.

فمن بين (74) أربعة وسبعين مورداً نجد ستة موارد فقط مرتبطة بالحركة الشرطية أي بأداة الشرط (إذا) وهذهِ الموارد على ترتيب المصحف كما يلي:

1. والليل إذا أدبر المدثر/33

2. والليل إذا عَسعس التكوير/17

3. والليل إذا يَسر الفجر/4

4. والليل إذا يغشاها الشمس/4

5. والليل إذا يغشى الليل/1

6. والليل إذا سجى الضحى/2

نرى في فهمنا الجديد الألفاظ القرآن ان هناك ارتباطاً عددياً لهذهِ الموارد مع عدد أيام الخلق من جهة وان فيه انطباقاً ثلاثي الأبعاد من جهة أخرى.

البعد الأول: انطباق عام على أيام الخلق وعلى عمر الكون.

البعد الثاني: انطباق خاص يتكرر كل ليلة.

البعد الثالث: انطباق تام للدلالة على ليلة مخصوصة وهي الليلة الفاصلة التي يبدأ بها الطور المهدوي عقب ركود الشمس وطلوعها من مغربها.

فالترتيب هنا يتحرك من اللاحق إلى السابق فاقرأ معي بهذا الترتيب أي من السادس إلى الأول وبالأبعاد الثلاثة:

والليل إذا سجى: فهناك ليل ساج حلّ فيه ظلام دامس في الكون في أول الخلق وهناك ظلام استمر طويلاً قبل مرحلة الترقي إلى الآدمية-فهذا بعد كوني.

ويتكرر هذا المنظر كل ليلة أيضاً اول الليل. فهذا بعد متكرر يذكرّ بالماضي والمستقبل.

ثم يقع هذا الليل الساج في الليلة الفاصلة باجلى مظاهرة ويأخذ بعده الكامل في دلالة اللفظ.

استخدمه القرآن للتأكيد على أن ربّه ما ودعه وما قلا بمعنى إذا كانت قد مرت ملايين السنين من ظلام الكون حتى ظهرت الشموس ومرت الألوف او الملايين من ظلمات الفكر قبل ظهور آدم (ع) فلم يترك الله ذلك الظلام مستمراً بل أنار الكون بالشموس وأنار الخلق بالرسل وختمهم بك فكيف يودعّك لتأخر الوحي أياماً قليلة؟

"والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى".

والليل إذا يغشى: الغشيان مرحلة لاحقة من مراحل الليل المتكرر يومياً وهُوَ مرحلة كونية أيضاً ويظهر المعنى التام في الليل المخصوص.

فالنهار موجود والشموس مخلوقة لكن الليل يغشى مستغلاً غيابهما في الجهة الأخرى.

هذه الفترة هي تقريباً في ساعتين لاحقتين من أول الليل

والليل إذا يغشاها: والضمير يعود على الشمس. وهنا يتحدد الغشيان بالشمس خصوصاً نلاحظ الانطباق بالأبعاد الثلاثة. الفترة المتكررة يومياً هي بحدود الساعة الخامسة والسادسة من أول الليل. وفي هذه المرحلة تتوجه قوى الظلام لحجب الشمس وغشيانها.

والليل إذا يَسر: هذه المرحلة بعد زوال الشمس من الجهة المقابلة أي في البعد المتكرر تحدث بعد منتصف الليل تقريباً. وعلى البعد الكوني يبدأ فيها الليل بالحركة والسير بعد الغشيان مبتعداً عن الشموس.

والليل إذا عسعَس : في هذه المرحلة طرد النهار فتكاثف وتثاقل وبدأ بحركة تشبه الزحزحة عن موضعه اذ لا يريد ترك الموضع يتثبت بالمكان تارة ويندفع أخرى. تحدث هذه الحالة في الليل المتكرر يومياً قبيل الفجر أو خلال الفجر أو التاسعة والعاشرة من أول الليل إذا اعتبرت الليل أثنتا عشرة ساعة.

وعلى البعد الثالث فإنها تحدث عند تحرك الأرض بالاتجاه المعاكس بسبب النجم الموعود.

وعلى المستوى العام للتاريخ تقع خلال حدوث العلامات الكونية للطور المهدوي.

والليل إذا أدبر: تم طرد الليل فأدبر وفي هذه المرحلة يظهر الصُبح مسفراً "والصبح إذا اسفر انها لأحدى الكبر" فعلى البعد الكوني هُوَ اليوم الاخير أي المرحلة النهائية من الطور المهدوي حيث لا يحتاج الخلق إلى الليل مطلقاً فلا يعود ابداً.

ولذلك يختفي اثر الشمس الكونية وتحل محلها الشمس المعرفية وفي هذه المرحلة تظهر جنة النعيم حيث (لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) كما سيأتيك في موضعه.

وأما على البعد اليومي فهو واضح كلمّا اسفر الصبح وادبر الليل.

وأما على البعد المخصوص فهو الصبح الذي تخرج فيه الشمس من مغربها.

إذن فالمراحل الستة لليل تنطبق على عمر الكون وتنطبق كلها يومياً خلال كل ليلة وتجد دلالتها الكاملة في الليلة الفاصلة بالنجم الموعود.

وهل هناك انطباقات أخرى بأبعاد أخرى؟ الجواب بالتأكيد لاننا قلنا ان المعنى التام للنص القرآني يستحيل الوصول اليه وإنما يتم كشف الحقائق من خلال الاقتران.

فمثلاً يمكن ان تنطبق المراحل المذكورة لليل على حياة الإنسان نفسه وأدوارها فالليل إذا سجى وهُوَ في الرحم في (ظلمات ثلاث) فهو في ليل ساج. والليل إذا يغشى عند الطفولة اذ لا يعي شيئاً مما حوله.

والليل إذا يغشاها يغشى شمس معرفة النفس عند أول الوعي بعد الطفولة فهنا يحاول الأبوان السيطرة على هذا الليل بتعليم الطفل ومصارعة جهالاته.

والليل إذا يَسرِ عند حصول الشباب حيث تتحرك الظلمات الموجودة في النفس حركة وئيدة ومفترقة عن قوى النور.

والليل إذا عسعسَ: في مرحلة الكهولة حيث يحاول ظلام الجهل الحركة وهو مكبّل بوهن قوى الجسد.

والليل إذا ادبر: عند موته حيث يذهب الليل ويحصل له كمال المعرفة وتظهر الحقيقة مسفرة كالصبح كما قال تعالى عند موت الإنسان:

"لقد كشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".

وقال : "حتى إذا حضر احدهم الموت قال رب ارجعوني لعلي اعمل صالحاً فيما تركت".

لكنك تعلم ان هذا الانطباق الفردي الصورة هُوَ بالنتيجة عام للجنس الإنساني فالانطباق العام على مراحل تاريخ الانسان كنوع يتضمن اصلاً هذا الانطباق الفردي فهو الأصل في دلالة الألفاظ و معنى النص.

3. التوافق العددي لاعداد الأيام واسماءها مع الأيام المنتظرة

ان النظام القرآني نظام دقيق وشديد التشابك فان لفظ (يوم) قد ذكر في القرآن عدداً كبيراً من المرات كما يلي:

يوم بالرفع = 349 مرة

يوم بالنصب = 16 مرة

يومكم ويومهم = 10 مرات

أيام بالرفع = 23 مرة

أياماً بالنصب = 4 مرات

يومئذٍ = 68 مرة

يومين = مرتان

المجموع = 472 مرة

لو جمعنا أرقام هذا العدد فالمجموع ثلاثة عشر، وهذا عدد هام.

وأهميته ذكرت في النصوص التاريخية والنبوية أكثر من مرة. فهو عدد الزيادة على الثلاثمائة (العدّة) وهُوَ عدد المشاركين في معركة بدر الكبرى.

وهُوَ عدد اتباع طالوت (ع) الذين لم يشربوا من نهر الابتلاء، فهم بنفس العدد ثلاثمائة وثلاثة عشر.

وأكدت اكثر من رواية على نفس العدد للقادة أتباع المهدي الموعود (ع) واللذين يبايعونه بين الركن والمقام كما سيأتيك في محله.

لكننا نلاحظ شيئاً آخر، فالموارد القرآنية متنوعة وكثيرة والأيام تتصف باوصاف شتى.

فبعض الموارد أضيف إلى أفعال مثل:

اليوم أكملت-يوم-يجمع الله-يوم يحشرهم-يوم يسمعون-الصيحة-يوم يبعثون-يوم ندعو كل أناس-يوم تشقق السماء... الخ وبعض الموارد أضيف إلى صفة مثل:

يوم عصيب-يوم عظيم-يوم محيط-يوم غليظ-يوماً عبوسا.. إلى آخر الآيات.

وبعض الموارد أضيف إلى ضمائر أو أسماء إشارة أو أسماء مثل:

يومهم هذا-يوم حنين-يوما على الكافرين-إلى آخرها. وبعضها أضيف إلى اسم معرفّ بال التعريف مثل:

يوم القيامة-يوم الفصل-يوم الفرقان...الخ.

وهذا النوع هُوَ الذي يهمّنا في هذا المبحث لانه يعرف اليوم باسم واحدٍ معرّف فهو ينطوي على (تسمية لهذا اليوم) محدَّدة بلفظ واحد.

فإذا أحصينا تلك الأسماء وجدناها ثمانية عشر اسماً كما يلي:

1. يوم الدين

2. اليوم الآخر

3. يوم القيامة

4. يوم الجمع

5. يوم التغابن

6. يوم التناد

7. يوم الفصل

8. يوم الحسرة

9. يوم الجمعة

10. يوم الفرقان

11. يوم الخروج

12. يوم التلاق

13. يوم الحساب

14. يوم الآزفة

15. يوم الوقت المعلوم

16. يوم الاحزاب

17. يوم البعث

18. اليوم الموعود

فاذا اخرجنا من هذه القائمة الموارد التي لا تخص الوقائع المستقبلية وهي:

1. يوم الجمعة: اذ يتحدث عن يوم الجمعة والصلاة فيه.

2. يوم الفرقان يوم التقى الجمعان- لأنه يتحدث عن معركة بدر بصيغة الفعل الماضي.

3. يوم الاحزاب: لانه يتحدث عن قوم نوح وعاد والذين من بعدهم على لسان مؤمن من آل فرعون في سورة غافر وبصيغة الماضي.

ولاحظنا كذلك ان يوم الجمع هُوَ يوم التغابن في قوله تعالى بنفس الآية: "يوم الجمع لا ريب فيه ذلك يوم التغابن".

كان المجموع الفعلي للأسماء هُوَ خمسة عشر اسماً تخص الوقائع المستقبلية.

ويظهر ان النظام القرآني يشير إلى الأيام الثلاثة المتبقية من عمر الكون أو النظام الحالي بالأسماء الثلاثة الأولى حسب ترتيب المصحف. اما الأسماء الأخرى فهي أسماء إضافية أخرى لنفس الأيام الثلاثة. إذا تتبعنا النظام اللفظي وجدنا هذا الترتيب فعلاً وهُوَ امرٌ لا يمكن إيضاح تفاصليه هنا فالأسماء وُزعّت على الأيام بالتساوي ولكن الموارد اختلفت في الأعداد فالتوزيع كما يلي:

1. يوم الدّين= يوم الوقت المعلوم-يوم الفصل-يوم الخروج-يوم التناد.

2. اليوم الآخر= اليوم الموعود-يوم الحسرة-يوم الحساب-يوم الآزفة.

3. يوم القيامة = يوم الجمع-يوم البعث-يوم التلاق-يوم التغابن.

إذن فهناك اثني عشر اسماً وزعت توزيعاً متساوياً على الأيام الثلاثة في النسيج القرآني.

وهذا الترتيب للأيام الثلاثة ينطوي على ترتيبها الزمني أيضاً.

أي انّ يوم الدين هُوَ (طور الاستخلاف) كما سميناه في هذا الكتاب ففيه يتحقق الدين الإلهي في ارض الواقع وفيه الفصل وفيه النداء. واليوم الآخر: هُوَ المرحلة النهائية من هذا الطور وهُوَ آخر أيام النظام الكوني الحالي. وفيه يتم اخراج افواج الموتى فوجاً من بعد فوج ويتم الحساب ويكون حسرة على الكافرين ويأزف فيه الوعد. ويوم القيامة هُوَ يوم بعث الخلائق كلها بعدما ماتت بالصور في النفخة الاولى (الاّ ما شاء ربك) حيث يكون أهل الإيمان وأتباعهم في موضع ناءٍ من ملكوت الله وهُوَ اليوم الذي تفتح فيه أبواب جهنم وجنات الخلد. اما قبل ذلك فعذاب مختلف وجنات مختلفة لكل منها خصائصها وألفاظها.

وامّا في عدد الموارد فهناك اختلاف وتباين بحسب أهمية الأطوار ودوامها.

فمثلاً ان يوم القيامة ورد سبعين مرة. بينما اليوم الآخر ورد أربعين مرة.

ويبدو ان القرآن لم يدرس للآن اية دراسة جدّية فاّن تنظيم هذهِ الشبكة المعقدة من الألفاظ وموارد الأيام وتوزيع خصائصها على الأطوار الثلاثة يكشف عن أسرار لا حدود لها ولا انتهاء لتفاصيلها ولكن الاعتباط اللغوي والتفسيري وجد راحته في التفسير فاينما جاء لفظ منا تلك الألفاظ قال هُوَ في يوم القيامة وحجته في ذلك (الترادف) فأخفى بهذهِ الطريقة بديهيات الدين والف باء الرسالة والواقع ان ما يذكره الاعتباط لا علاقة له بالنص القرآني ومراد هذا النص لا من قريب ولا بعيد ان لم يكن قد تبنى في اكثر الوجوه مقولات الذين كفروا كما مرّ عليك من نماذج قليلة في كتاب (النظام القرآني).

ونحاول الآن التحرك وفق النظام القرآني والمنهج اللفظي لتحديد بعض خصائص اليوم الأول (يوم الدين) لانه هُوَ المتعلق بموضوع البحث.

4. يوم الدين في القرآن

أ. التوافق العددي للموارد

من المعلوم ان الدين كلفظ ينطوي على ما نفهمه من الدين بصورة تامّة بمعنى ان الدين يتضمن كل ما نعرفه عنه-عقائد ووصايا-تنفيذ أو عصيان لتلك الوصايا وحساب يتضمن العقاب والثواب. وحينما يقال هناك (يوم للدين) لا يمكن ان نفهم منه الحساب فقط بل نفهم يوماً خاصاً بالدين كلهِّ وهذا يدعونا ابتداءً للاعتقاد بأن يوم الدين هُوَ يوم تحقق الدين ووقوعه بكل ما ينطوي عليه اللفظ.

وإذن فالزعم انه يوم القيامة انما هُوَ زعم تكذبّه اللغة قبل كل شئ. إذن يجب ان تكون موارد يوم الدين هي الأخرى متفقة على نحو ما عددياً أو لفظياً من خلال الاقتران بالطور المهدوي الذي يتحقق فيه الدين ويقود العالم فيه إثنا عشر خليفة على ما ذكره النبي (ص) وذكره الله تعالى بقوله واعداً الملائكة:

"واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة". وقد رأينا انهم علموا بوقوع الفساد وسفك الدماء من هذا الوعد لما يستلزمه الترقي والتطور من مرور حقب طويلة من الفساد وصولاً إلى هذه المرحلة.. اذ الكائن المخلوق من صلصال من حمأ مسنون لا يمكن ان يصل إلى خلافة الله الاّ بعد مروره بتجربة قاسية من الفساد وسفك الدماء.

لقد غفل الاعتباط عن هذهِ العلاقة لان الملائكة حينما قالوا ذلك في التعقيب:

"قالوا أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لكَ؟"

حينما قالوا ذلك لا يقصدون بالطبع الخليفة المجهول وانما أفراد جنسِه السابقين الذين سينبثق منهم الخليفة.

أما الاعتباط فيجعل المعادلة معكوسة أي ذرية الخليفة هُم المفسدون وعنده ان الخليفة قد تحقق في خلق آدم! وذرية آدم هم المفسدون.

وازاء ذلك تظهر مشكلتان: الأولى ان المخلوق الاول إذا كان هُوَ المقصود بالخليفة فان ظهور الفساد بَعده يجعل خلقه عملية فيها من العبث ما لا مزيد عليه. اذ سيظهر هنا (ناموس) للتقهقر والانحدار نحو الحيوانية لا يجوز بحق الله تعالى بخلاف ما لو قلت ان الخليفة المقصود يظهر في آخر ادوار هذا الكائن حيث تكون العملية تطورية وجارية وفق السنن الإلهية.

والثانية هُوَ قول الملائكة (اتجعل فيها من يفسد فيها) فاذا كان الخليفة هُوَ اول كائن فمن اين يأتي الفساد؟ اذ المعلوم ان خليفة الله لا يُفسد في الأرض واذا قيل انه يأتي من قبل ذريته فمن اين لهم علم بتكوين الخليفة للذراري؟

أن مثل هذا السؤال ما كان ليظهر لولا فكرة تقدم الخليفة على ذريته لذلك أجاب الاعتباط على هذا السؤال بالقول: ان الملائكة علموا حصول الفساد من خلال تجربة سابقة في خلق الجان!

وهذا (قياس) اعتبره الاعتباط باطلاً وتبرأ منه ولكنه نسى هنا انه قياس فاسد فنسَبه إلى الملائكة.

فاذا قلت ان القرآن الكريم ذكر ذلك في معرض قصة السجود لآدم! اقول واين التلازم بين الأمرين فانه لم يقل ان الخليفة المشار اليه هُوَ آدم (ع) هذا من جهة ومن الجهة الأخرى لم يقل اسجدوا للخليفة في مورد من الموارد ليتحقق الربط والتلازم بل فصل بين الواقعتين باداة ابتداء القصص، (وإذْ) لاحظ السياق في سورة البقرة:

"وإذْ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك نقدسّ لك قال اني اعلم ما لا تعلمون" 30/البقرة.

"وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم. قال يا آدم انبئهم باسماءهم، فلما انبأهم باسماءهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون" 31/32 ثم تبدأ قصة جديدة بالاداة (اذ):

"وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الاّ ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين" 34/البقرة.

فالأمر هُوَ عكس ما يقوله الاعتباط تماماً، وهو ان الاختبار حدث للملائكة اولاً ولآدم ثانياً بشأن الطرف الأول وهو الخليفة.

ولما كان ظهور الخليفة هُوَ من جملة الغيب وفي آخر ادوار هذا الكائن ومن ذرية آدم فان معرفة آدم باسماء الخلفاء من ذريته هُوَ جوهر ما انطوى عليه الاختبار لان تعليم الاسماء حصل فيها كلها "وعلم آدم الاسماء كلها" بينهما الاختبار حصل لمجموعة من الاسماء فقط بصيغة العاقل (اسماء هؤلاء).

إذن فالخليفة ظهرت دلالته في الاسماء وتحديداً في اسماء هؤلاء، بينما السجود لآدم (ع) كان قصة تابعة فقد استحق السجود لكونه حامل لهذه الاسماء كأسماء في عقله وكذرية في صُلبه.

فان قلت هذا يتوجب ان يكون قبل آدم خلق كثير جداً من هذا الجنس يمثل آدم آخر ما وصل اليه هذا الخلق من الترقي ثم يستمر الترقي حتى يبلغ مرحلة الخليفة في طور الاستخلاف!

أقول : نعم فالأمر هُوَ كذلك.

لأننا برهنا في كتاب آخر هذا الأمر بالتفصيل فلم يكن آدم اولّ هذا الجنس انما هو اوّل فرد من هذا الجنس يجتبيه الله ويسجد له الملائكة.

وأسباب ذلك كثيرة جداً ذكرناها في كتاب (أصل الخلق) لذلك اذكر هنا نقاطاً منها مركزة جداً:

الأول: ان النظام اللفظي للقرآن يأبى أي ترتيب آخر، فان نشوء النسل والذّرية سبق وجود آدم (ع) وسبق قصة السجود وهذا يدّل على انه كائن ترقّى من افراد من جنسه سبقوه في الخلق ومن ذلك قوله تعالى:

"الذي أحسن كلّ شئٍ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماءٍ مهين، ثم سواهّ ونفخ فيه من روحِه" الجدة/7, 18

إذن فالنسل والسلالة ومادة التناسل كانت موجودة كلها قبل التسوية وقبل النفخ، اذ فصلت اداة التراخي (ثم) بين تلك المراحل في الآية اما مزاعم الاعتباط ان آدم كان تمثالاً من طين جامداً فلما نفخ فيه الروح قام حّياً على رجليه وأصبح كائناً فهو هُراءّ وفهم قاصر جداً للمرويات وللقرآن تكذبّه جميع التفاصيل الأخرى. فماذا يفعل الاعتباط في مثل هذه الآية؟

طبعاً يقدم التسوية والنفخ على الذريّة ويقدرّ الجملة تقديراً جديداً حسب اساليبه الملتوية ويفعل ذلك بالرغم من:

- وجود المراحل موزعّة في آيتين لا آية واحدة.

- وجود اداة التراخي (ثم) مرتين مع واو العطف مرتين. فيضرب الاعتباط قواعده وادوات اللغة والظهور العرفي للدلالة والنظام القرآني والمرويات كل ذلك يضربه عرض الحائط ويقدرّ الجملة ويغيّر ترتيب الألفاظ خلافاً لترتيب المتكلم جل وعز.

الثانية: اثبتنا كذلك أنه لا تلازم بين نفخ الروح وبين مظاهر الكائن الحَيّ وذلك لتعددّ الارواح فما ادراهم ان الروح المنفوخ في آدم (ع) هُوَ روح الكائن الحيّ؟ اذ يمكن ان يكون حيّاً قبل النفخ والروح الجديدة هي روح الايمان أو روح القدس على ما جاء في تقسيم الامام علي (ع) للارواح.

ولذلك لا نجد اية علاقة بين الروح والحياة في القرآن فالموت أو التوفي يحدث للنفس في جميع الموارد القرآنية ولم يرد هناك أي ذكر للروح. فاذا قيل: ان في قوله تعالى "فلولا ان كنتم غير مدينين، ترجعونها ان كنتم صادقين" في سورة الواقعة يدّل على العلاقة لاجماع المفسرين ان الضمير في ترجعونها يعود إلى الروح فيتم رجوع الحياة إلى الإنسان من خلال رجوع الروح.

اقول: ان الضمير لا يعود إلى الروح مطلقاً لأنه ضمير مؤنث (ترجعونها) أي (هي) فهو يعود إلى النفس لانها مؤنثة في القرآن:

"ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها"

بينما الروح مذكر في الموارد القرآنية مثل:

"فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً"

ولو كان مؤنثا لقال (تمثلت)

الثالثة: فكرة الاصطفاء فان الله تعالى قال:

"ان الله اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم" والاصطفاء لا يكون إلاّ من مجموعة من نفس الجنس فَيدّل ذلك على تقدم خلق الإنسان الذي تطور عنه آدم (ع).

الرابعة: تقدم خلق الإنسان على خلق الكائن الذي أمر الملائكة ان يسجدوا له في مورد الحجر حيث قال:

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصالٍ من حمأٍ مسنون" الحجر/26 ثم قال بعد ذلك:

"وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً من صلصال من حمأٍ مسنون فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" الحجر/27/28

وإذن فالإنسان مختلف كلياً عن البشر.

وانما عمل هذا التخبط عند المفسرين ترادف الألفاظ وايمانهم يتساوى دلالة الألفاظ (انسان وبشر) وكما تلاحظ فالسياق واضح جداً: الإنسان تقدم في الخلق ثم تطور إلى بشر فاستحق نفخ الروح فيه وهي روح لا علاقة لها بمظاهر الكائن الحي من تنفس وتغذي وتكاثر.

لذلك نجد النظام القرآني دقيق الاستعمال من هذه الجهة فهو يفرق بين لفظ الإنسان ولفظ البشر ومن اجل ذلك تجد موارد الذم المستمر للانسان والثناء على البشر مثال ذلك:

"ان الإنسان لكفور" الحج/66

"ان الإنسان لظلوم مبين" الزخرف/15

"ان الإنسان لظلوم كفارّ" ابراهيم/34

بينما لم يذكر البشر الاّ للاشارة إلى الأولياء أو الانبياء، حتى لو كان الكلام على لسان الكفارّ:

"ما انت الا بشر مثلنا فأتِ بآيةٍ ان كنت من الصادقين" الشعراء/154

وبصفة عامة فان تفاصيل هذا المبحث والادلة المساقة على اسبقية وجود الإنسان على آدم (ع) تجدها في كتابنا المخصص لذلك أعني كتاب "أصل الخلق".

إذن فطور الاستخلاف أو طور الخليفة هو مرحلة متقدمة من البشرية يقود العالم فيها خلفاء لله حدّدهم النبي (ص) بعددٍ مساوٍ لما في النظام الطبيعي.

ولمّا كان (يوم الدين) هو يوم تحقيق الدين في الواقع فاننا نتوقع وجود توافق عددي بين موارد هذا اليوم مع عدد الخلفاء.

فإذا أخذنا مفهوم الخليفة كما هو في القرآن فأن أول خليفة لهذا الطور هو النبي (ص)، ولكل خليفة منهم جزء من هذا اليوم. وهكذا نلاحظ ان النظام القرآني لم يغفل لهذا الترابط فذكر (يوم الدين). في موارد يساوي عددها عدد قادة هذا الطور بدءً بالنبي (ص) وانتهاءً بآخر الخلفاء الأثنى عشر الذين نذكرهم فالمجموع هو ثلاثة عشر مورداً.

ولكننا نلاحظ أمراً آخر وهو ان هذه الموارد لم تتوزع على ثلاثة عشرة سورة من السور. فقد تكررت ثلاثة منها في سورة واحدة ومجموع السور هو احدى عشرة سورة.

وهذا يشير إلى ان الظهور الفعلي للخلفاء بهذا العدد حتى إذا تقصينا موارد جنات عدن نلاحظ نفس العدد ونفس النظام المتقابل.

بمعنى أن هؤلاء الخلفاء لن تكون لهم فرصة متاحة لتحقيق يوم الدين إلى احد عشر خليفة منهم وتتاح الفرصة لآخرهم فقط لأنه وعد الهي لا بد ان يتحقق (ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من ذريتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً) - حسب النص النبوي الذي مرت عليك نماذج منه والذي يشير إلى هذه الحتمية.

فاذا ما تحقق ذلك على يد الأخير ظهر التمايز وظهرت جنان النعيم المرتبطة بطور الاستخلاف في عددٍ مساوٍ لعدد الذين لم يتمكنوا من تحقيق يوم الدين.

وبمعنى آخر ان الخليفة الأخير سيكون حدّاً وسطيّاً فهو الأخير في الترتيب الزمني ولكنه سيكون الأول في تحقيق الوعد لجهل الخلق وبطئهم الشديد في فهم الرسالة. نلاحظ الآن قائمة الموارد والتي ستجد انها مرتبطة عددياً بلفظ (الوعد) مرة أخرى كما سيأتيك في موضعه:

1. الفاتحة: "مالك يوم الدين" الفاتحة/4

2. الحجر: "وان عليك اللعنة إلى يوم الدين" الحجر/35

3. الشعراء: "والذي اطمع ان يغفر لي خطيئتي يوم الدين" الشعراء/82

4. الصافات: "وقالوا يا وَيلنا ان هذا يوم الدين" الصافات/20

5. صاد: "وان عليك لعنتي إلى يوم الدين" ص/78

6. الذاريات: "يسئلون أيّانَ يوم الدين" الذايات/12

7. الواقعة: "هذا نزلهم يوم الدين" الواقعة/57

8. المعارج: "والذين يصدقون بيوم الدين" المعارج/26

9. المدثر: "وكنا نكذب بيوم الدين" المدثر/46

10. الانفطار: "ان الفجارّ لفي جحيم. يصلونها يوم الدين" الانفطار/15

11. الانفطار: "وما أدراكَ ما يوم الدين" الانفطار/17

12. الانفطار: "ثم ما أدراكَ ما يوم الدين" الانفطار/18

13. المطففين: "الذين يكذبون بيوم الدين" المطففين/11

ب: الاقترانات العامة لموارد يوم الدين مع خصائص الطور المهدوي:

نلاحظ مثل هذه الاقترانات عند التحرك بالمنهج اللفظي فهي كثيرة جداً وتشكل شبكة محكمة من الألفاظ.

اذكر الآن بعضها بصورة سريعة وبشكل عام قبل الدخول بتفصيل الموارد الثلاثة عشرة منها مثلاً:

الأول: ان موردي اللعنة (الثاني والخامس) ذكرا في معرض الحديث عن الترقي من الخلق الأول والسجود لآدم.

فموارد السجود لآدم خمسة موارد في القرآن ولكن (يوم الدين) لم يذكر إلا في الموارد التي تتحدث عن الترقي ونفخ الروح والسجود وهي موارد الحجر وسورة صاد.

فمن هذين الموردين بالتحديد اكتشفنا مراحل الخلق والترقي من خلال البحث المقارن والمذكور في كتاب (اصل الخلق).

الثاني: ان موارد التساؤل "وما أدراك ما يوم الدين" والاعادة "ثم ما أدراك ما يوم الدين" في سورة الانفطار مرتبط لفظياً. بجميع الموارد التي ذكرت هذه العبارة لأنها واحدة منها في قوله تعالى "وما أدراك ما الطارق"، فكذلك أينما جاءت عبارة (وما أدراك) فانها بصدد الحديث ن هذا الطور.

الثالث: ان موارد يوم الدين اقترنت بالتصديق والتكذيب كما في المعارج والمدثر والمطففين.

وهذا اقتران هام جداً لأن المقتران بالقيامة واليوم الآخر هوَ الايمان والكفر لا التصديق والتكذيب.

لماذا؟ لأن هذه الوقائع تحدث في نظام كوني مختلف فهي من الغيب المطلق الذي يحتاج إلى ايمان. بينما الطور المهدوي هوَ وعد الهي يقع في عالم الشهادة فالتعامل معه يتم بلفظ التصديق أو التكذيب.

مثال ذلك اني لو قلت لك ان هناك كائنات عجيبة في الفضاء ستقوم بغزو الأرض على ما يقولون!

فانت تجيب: انا لا أومن بوجود كائنات من هذا النوع. ولكن لو قلت لك: هناك شخص وعدني انه سينظم لك رحلة إلى القمر مع رواد الفضاء!

فانك ستستبعد ذلك بالرغم من انه ممكن عملياً فتقول: انا لا أصدّق انك تفعل مثل هذا الوعد ولا اصدق صاحبك فيما وعدك.

لذلك ارتبط اليوم الآخر بالايمان والكفر ولم يأت معه لفظ التصديق أو التكذيب:

"لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر" المجادله/22

"ذلكم يوعظ به من يؤمن بالله واليوم الآخر" الطلاق/2

"من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم" البقرة/62

"ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" النساء/38

"قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر" التوبه/29

"ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر" النساء/136

وبصورة عامة لم يرد التكذيب والتصديق مع اليوم الآخر وورد معه الايمان والكفر بينما لم يرد الايمان والكفر بيوم الدين وانما ورد معه التصديق والتكذيب لان يوم الدين يوم تحقق الدين وهوَ وعد أو خبر سماوي يؤيده العقل والوجدان وممكن في عالم الامكان ولذلك تخيلّ الفلاسفة مثل هذا المجتمع المثالي العادل في جمهورياتهم لأنه أمر ممكن وقوعه كما مرّ عليك في أول الكتاب.

إن تحويل الاعتباط لوجهة الآيات الخاصة بالوعد المنتظر واعتبارها آيات تتحدث عن القيامة واليوم الآخر عن طريق الترادف له دلالته الهامة هنا.

فالاعتباط شديد الذكاء فيما يتعلق بالتخريب والتحريف. لانك إذا أفرغت حركة التاريخ من تطورها الحتمي لتحقيق هذا الوعد فلا خطورة بعد ذلك إذا آمن الخلق بعالم الغيب فليؤمنوا به جميعاً وليقيموا الصلاة جميعاً فلا خطورة في ذلك على الاعتباط ولا خطورة في الدين.

لماذا؟ لانه إذا تمَّ فصل الدنيا عن ذلك العالم المثالي لا تجد من يسلك أي سلوك لتقريب هذا الوعد أو لتحقيق يوم الدين فالجميع سوف يسير في حركة الاعتباط شاء أم أبى آمن أم كفر بل سيكون أهل الدين انفسهم أول من يخدم الاعتباط الفكري لأنهم سيدعون أي دين لا علاقة له باية محاولة لتغيير الواقع.

فاذا ما صحا أهل الدين واعتقدوا انه يصلح لتغيير الواقع فانهم سيقومون بتشكيل مجموعات أو فئات تحاول تحقيق الدين وبنفسها وفي معزل عن القيادة أو الخلافة الالهية المقررة.

ومعلوم ان هؤلاء أسوأ وأضرّ على الخلق من أية فئة أخرى حتى لو كانت باتجاهات الحادية أو رأسمالية أو برجوازية أو غير ذلك. لماذا؟ لأن لهؤلاء صفات سيئة جداً لا تجدها عند أي حزب آخر مهما كانت طبيعية معتقداته منها مثلاً:

أولاً: ان هؤلاء سيقومون بتكفير من يخالفهم ولديهم من شدة البطش والانتقام ما يفوق أي عقيدة أخرى في التعامل مع مناوئيها فالعلمانية مثلاً لا تتحدث. عن كفر وايمان أو هكذا يفترض فيها بل تتحدث عن معارضة ومعارضين.

ثانياً: انها اعتباط ديني فهو يخلق المزيد من التناحر والاختلاف شاء ام أبى أراد أم لم يرد لأنه يتعامل معَ نص الهي لم يفوض بالتعامل معه ومثل هذه الصفة مفقودة في الاتجاهات الأخرى إذ ستحرص إذا كانت وطنية على الوحدة الوطنية والمصالح الاقتصادية بصورة عامة.

ثالثاً: انها تحكم باسم الدين وهي ليست منه في شيء فتسيء بذلك إلى الدين مرتين بينما تكون الاساءة واحدة من قبل بقية الاتجاهات.

رابعاً: من الخصائص الذاتية لهذه الفئات انها سريعة الانقسام والتشرذم فهي لا تفتأ تنقسم على نفسها الى تيارات وقيادات بسرعة مذهلة وبمقدورها ان تفعل ذلك لمجرد الاختلاف في مسألة واحدة فالحلال والحرام والحدود في الشرع الالهي يمنح هذه الفئات حُججاً ظاهرية للاختلاف وللتأويل وللتزمت لجهلها بحقائق الدين واعتمادها على جانب واحد في كل مسألة ونظرتها ذات البعد الواحد للأمور - فالدين سلاح ذو حدين فهو مع الذين يتخذونه هزواً ولعباً ولأجل مصالحهم يعاقبهم بأن يوصلهم إلى أبعد نقطة من الطغيان من غير أن يشعروا.

ومعلوم ان هذه الفئات (الدينية) في ظاهرها قد وقعت ضحية مؤامرة الاعتباط اللغوي والفكري فهي من جهة حُرمت حرماناً كاملاً من جميع السلطات وأصبحت مغضوباً عليها من جانب الحكام والساسة ومن جهة أخرى لم تقع على الخط الحقيقي للدين الالهي واصبحت من جملة المغضوب عليهم عند الله أو من الظالين فكانت في خسارة فادحة من الجهتين:

"قل هل نُنبئكم بالاخسرين اعمالا. الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يُحسنون صنعاً". 1-3-104/الكهف. لقد بلغنا بالحديث الآن الى نقطة الخطورة التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح فقد تسألني قائلاً وهل تتحدث هذه الآيات عن هذه الفئة أم عن الكفار؟

انها في الواقع تتحدث عن هذه الفئة الذين هم كفار لأنك أخي القارئ لا تختلف عني بشيء حينما كنت واقعاً تحت ظلمات الاعتباط فاني كنت مثلك تماماً اتصور الكافر هو ذلك الذي يعلن محاربته لَلديّن ويشكك بالنبوة والمعجزات ويعلم الجميع عنه هذا السلوك الذي لا يخفيه.

كلا ان مثل هذا الإنسان لن تكون له أعمال خير مكتوبة حتى تتحدث الآيات اللاحقة عن احباطها.

فقد عرّفت الآيات اللاحقة هذه المجموعة مجموعة (الاخسرين أعمالا) تعريفا آخر فقالت:

"أولئك الذين كفروا بآيات ربّهم ولقاءه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً" الكهف/105

ألم يمر عليك الحديث النبوي في العلامات حيث أكدت النصوص كلها إسْماً للعلامات هوَ (الآيات)؟

ألم يمر عليك فيما سبق من ابحاث ان النجم الموعود اسمه (نجم الآيات)؟

أليس طور الاستخلاف هوَ طور اللقاء بالرب حيث تتحقق صفات الرب للمربوب؟

فلا تحسب ان هذه المجموعة تحارب الدين علناً. كلا انها متمسكة به كأشد ما يكون التمسك ولها أعمال عظيمة وجليلة في نظر الناس عملتها لأجل الدين بما في ذلك ان بعض أفرادها يقاتلون في (سبيل الله) حسب تصورها.

لكن أعمالها كلها تحبط في النهاية و لا يقيم لهم الله يوم القيامة وزناً بخلاف ما اعتقدوا أو أعتقد فيهم الناس لأنها كفرت بآيات الله. لماذا؟ إذ قد تقول إنها إذن فئة غافلة عن حالتها فهي لا تعلم انها في ضلال وعملت ما عملت بنوايا صالحة وحسنة فلماذا لا تحاسب عن نواياها اليست القاعدة: "انما الأعمال بالنيات وانما لكل امرئٍ ما نوى؟

والجواب: نعم هذا بالضبط هوَ ما أوقعها وجعلها من الأخسرين أعمالاً، فهي إذ آمنت بالدين لم يكن إيمانها إلا لإظهار ذاتها وتحقيق مأربها فأخذت منه ما أرادت وتركت منه ما لا يلائم انتفاخ (الانا) في داخلها فاعتقدت انها تقّيم الدين بمفردها بمعزل عن الارادة الالهية.

فهي لا تؤمن ان الله قد حَتَّمَ تحقيق هذا الدين حتماً بطريق معين بل ترى ان تحقيقاً منوط بها ومن هنا كفرت بآيات الله.

ان الخط الفاصل بين الكفر والإيمان هوَ خط دقيق جداً، وما الصراط والحديث عن كونه (ادق من الشعرة وأحد من السيف) إلا تعبيراً دقيقاً آخر لضيق هذا الخط بحيث ان الميل عنه قَيَّدَ شعره يهوي به في قعر جهنم.

ليس في هذا التحديد حرج كما تتصور. لان هذا التحديد لا يخص الاعمال مطلقاً فان الله يرضى بالقليل من العمل ويجازي عليه ما لا يخطر على بال ويغفر الكثير من الذنوب ولو كانت مثل زبد البحر وسلاسل الجبال!

انما هذا التحديد يخص الذات ونواياها انه يخص الانا الذي هوَ داخل الإنسان يريد الظهور مقابل الله فيأخذ من الدين ما يلائمه ويهجر ما يلائمه فهنا يقع الانا في الفخ.

إذ ليس ثمة ظهور للذات مع الله. كل من يحاول الظهور مع الله في شيء من التشريع أو الأحكام يدخل في حيز الفناء حيث العذاب الابدي فلا أحد مع المطلق يمكنه الظهور إلا ويكون ضمن حدود الفناء الابدي - لأن الوجود كله هوَ وجود المطلق بمعنى انه لا شيء غير المطلق سوى الفناء.

وهكذا ذهبت عبادة ابليس الماضية وحبط عمله الذي عمله مدة ستة آلاف سنة وفي نص ستين الف سنة هباءً حينما قال:

"أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"

فحينما تحدث عن ذاته مقابل أمر الله بقوله (انا) كفر بهذا القول وحبط عمله.

وهل من الممكن الدفاع عن ابليس بحجة انه يعتقد فعلاً انه أفضل من آدم؟ وبالتالي فنواياه حسنة؟

بالطبع هنا مربط الفرس أو بيت القصيد إذ لو لم يعتقد فعلا بالأفضلية لما كان يؤاخذ بما قال، فاعتقاده هذا هُوَ الكفر.

لو كان لا يعتقد ذلك لكان ما في لسانه غير ما قلبه انما كان ابليس في هذه صادقاً كان الصدق ولذلك حقت عليه اللعنة.

لماذا؟ لانك تتوهم إذا حسبت الموضوع مثل ما يحدث في الاعمال فالاعتقاد شيء مختلف عن الاعمال.

لا يؤاخذ الله رجلاً شربَ مائعاً وهو يعتقد فعلاً انه غير مسكر وعمل جهده للتأكد. في التشريع هذا الرجل لا يؤاخذ لانه لم يكن ناوياً شربَ المسكر أصلاً. فهنا تظهر حقيقة ان الأعمال وليس الاعتقادات بالنيّات إذ يجب عليك التأكد من كل لفظ في النص النبوي.

ولكن إذا اعتقد الرجل المذكور أن شرب المسكر كان يجب على الله ان يحله ولا يحرمه فان الأمر سينقلب فكلما ترسخ اعتقاده هذا كلما ترسخ في مزيد من الكفر وان لم يشرب من المسكر قطرة واحدة لماذا. لأنه في الحالة الأولى لم يكن يرغب في معاندة الله أو العمل بخلاف ما اراد وفي الحالة الجديدة تكمن رغبته في معاندة الله والعمل بخلاف ما اراد. وانت لا تعلم نوايا الخلق ولا تستطيع تحديد ما في قلوبهم فكم من تشريع وكم من حكم في الدين وكم من تفصيل. ولذلك فمن المحتمل ان يكون هناك شرّاح ومفسرين للدين وهم يعاندون الله من خلال تخريج احكامه بخلاف ما اراد فلا يظهر ذلك لك بصورة جلية دائماً.

فكما قال ابليس (انا خير منه خلقني) فكفر كفرت مجموعة الأخَرين أعمالاً حينما قالت في انفسها نحن خير من المهدي الموعود في اقامة الدين!

إذ لا فرق هنا مطلقاً فكما وعد الله الملائكة بكائن ينفخ فيه الروح قائلاً "فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين"، وعدَ الله رسوله (ص) برجل من ذريته يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فكل عمل تعمله هذه المجموعة خارج نطاق قيادة هذا الرجل سيكون مُحبطاً يوم القيامة.

إذ كيف تسعى انت للقيادة وتحقيق الدين من خلالك والقيادة الالهية موجودة؟ لأنك في هذه الحالة تختار الدين بطريقتك لا بطريقة الله.

وما الفرق بين هذا وبين قول ابليس (انا خير منه)؟

فإذا قيل: فأينَ هوَ ذا الرجل الموعود فان بعض الفئات والمذاهب يؤمن بهذا الوعد ولكنه يرى انه رجل يولد في آخر الزمان!

اقول لا فرق يذكر هنا فانك لا تعلم ربما يكون الآن مولوداً وبعمر الرجال فاي عمل يعمله المرء خارج قيادته عملٌ محبطٌ، لأن الله عين قائداً لهذا الطور وانت اتخذت قيادة غير ما اختاره الله. فإذا قلت: فكيف اعمل تحت قيادته وانا لا أدري أين هوَ ولا أعرفه. أقول ليسَ المقصود بالعمل تحت قيادته ان تراه أو تدري أين هُوَ انما المقصود ان تدعو الخلق إلى استقبال قيادته وان يعملوا لأجل هذا الطور لا أن تطالب بدولة تقودها أنت وأصحابك تسميها دولة دينية أو إسلامية وهي منخورة من داخلها نخراً وتعتمد فيها على ما يتصدق به الصندوق الدولي وتسلحها بالأسلحة الصدأه العتيقة التي تتصدق بها عليك الدول الصناعية بعد طول مغازلة معها وتنازلات كثيرة عن (توجهاتك الدينية) المزعومة تفعلها مضطراً وتضطر لان تكذب على الجماهير وتخطب الخطب الحماسية الجوفاء للتعويض عن التنازلات السرية المعلنة!

عن أية دولة دينية تتحدث هذه الفئات الجاهلة الغارقة في وحل الشبهات والاعتباط؟

وهل توحدت يوماً منذ أربعة عشر قرناً بشأن اعراب أو معنى آية واحدة من كتاب الله حتى تدعي القدرة على بناء دولة دينية توحد العالم؟

ان الدولة الدينية تتميز بكونها تنفّذ شريعة الله ومعلوم ان الحاكم في هذه الدولة يجب أن يكون حاكماً بقانون من نفس الشريعة، فانت لا تجد في الدولة الوضعية قاضياً يحكم بالقانون والقاضي نفسه لم يعين بالقانون ولا تجد جماعة من الناس تطلب مثل هذا المطلب فالناس يزَوّرون الكثير من المناصب ولكن هل سمعت في حياتك بوجود محكمة مزوَّرة فيها قاضي مزوَّر لم يعيَّن بنفس القانون؟ وانما جاء به الناس واختاروه بمحض ارادتهم ولم يكن قد اجتاز مراحل دراسة القانون والتفقه فيه بحيث انه حصل على وثيقة قانونية بالتعيين؟ كلا لن تجد مثل هذهِ الحالة في أسوأ دول العالم.

فكيف يمكن تصوّر دولة التشريع الالهي يحكمها رجل لم يُعَيَّنْ بنفس التشريع الالهي؟

ذلك لأننا إذا فعلنا ذلك فليس له أي معنى سوى أننا نريد دولة مزورة ومزيفة لا ينطبق عليها مفهوم دولة التشريع الالهي إلا بالاسم فقط.

وانظر القرآن الكريم هل تجد فيه أحداً حكم الناس إلا بأمر الهي مباشر؟ فلنلاحظ مفردة (حكم) في القرآن في بعض الموارد:

المورد الأول

"وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسطِ ان الله يحب المقسطين" المائدة/42

فالمخاطب هنا النبي (ص).

المورد الثاني

"انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله" النساء/105

إذن فانزال الكتاب هو لغاية واضحة وهي (لتحكم بين الناس) والمخاطب هوَ النبي (ص) - إذ لو جازَ لأي أحد غيره ان يحكم لقال (لتحكموا) أو (ليحكموا) بين الناس.

المورد الثالث

"انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيّون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون بما استُحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" المائدة/44

فالذين يحكمون بالتوراة هم (النبيون)، ثم عطف الربانيون والاحبار بشرط وهو (بما أستُحفظوا) لأن هذه الباء تقوم مقام الشرط في المفهوم كما في المورد الأول "بما اراك الله" فاصبح مشروطاً بهذه الواسطة.

كما لو قلت لك "انما ارسلت لك لتأتيني بالكتب التي لديك" فانت تفهم أن مجيئك وَحدهُ ليس هو الغاية إنما الغاية ان تجيء ومعك الكتب. كذلك لو قلت "لتأتيني بسيارتك" فأنك تفهم اني اريد مجيئك بهذا الشرط.

إذن فالربانيون والاحبار يحكمون (بما استُحفظوا من كتاب الله) وبينما النبيّون يحكمون (بها) أي التوراة فالضمير يعود على التوراة.

فما هو الذي إستحفظ الربانيين والاحبار لان الفعل بني على المجهول، (بما أستُحفظوا)؟

استحفظهم النبيون، ولم يستحفظوا من تلقاء انفسهم، وذلك لأن حكم النبيين بالتوراة فهم يحكمون بما أنزل الله واذ استحفظوا أحداً كان ذلك حكماً لله لأنه أحد أحكامهم.

من هنا نفهم المورد الأول:

"انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله" إذ يبرز هنا سؤال وجيه وهو ان الكتاب باق ولكن النبي (ص) راحل فاذا حكم مدة حياته بين الناس بما أراه الله فمن يحكم من بعده بنفس هذهِ الصورة؟

أقول الجواب واضح: فاذا قال يحكم من بعدي فلان فهو حكم من أحكام الله.

وقد تقول فالذي يقول لا يجب عليه ان يقول يحكم من بعدي فلان؟

أقول إذن فقد كفر هذا القائل لأن النبي (ص) لا بد أن يقول يحكم من بعدي فلان وإلا فلا فائدة من كل ما فعل لان الخلق يعودون إلى الضلال مجدداً.

فإذا قلت: فلماذا لا يكون في فعله وفي الكتاب ما يغني عن هذا القول؟

أقول أن من يقول ذلك يكفر لا شك في ذلك لأنه ينسب إلى الله الجهل والنقص إذ يزعم أن مبلِّغاً واحداً يكفي الخلق فارسل الله الرسل مبشرين ومنذرين وجمع الأنبياء في الحكم وكذلك الاحبار والربانيون في آية واحدة:

"يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من كتاب الله".

فمن يقول ذلك فأنه يزعم ان هذه الجموع زائدة عن حاجة المجتمع، بل سيكون إرسال الرسل من بعد آدم (ع) كله عبث في عبث. لكن المعترض يدرك جيداً انه يوصي أولاده إذا خرج من الدار ويعود فيجدهم عملوا بغير ما أوصى وقام بعضهم بتأويل كلامه على غير ما اراد ويلق بعضهم على بعض اللوم وسوء تأويل امر الوالد وان ذلك ليحدث في كل يوم في كل مكان فيه عمل.

ويتمنى بالطبع هذا المعترض ان يكون له ولد بالغ الذكاء يقوم باعماله كما يجب ويفهم كلامه كما هو ويعلَم مراده.

لكن المعترض اناني إلى حد مقرف! فهو يستكثر على ربه ما يتمناه هو دائماً خينما يزعم ان الله غني عمن يفهم مراد كلامه ليوضحه إلى خلقه!

بلى ان الله لغني عن الخلق كلِهِ وانما يفعل ذلك لطفاً بالعباد ونشراً لآثار رحمته.

غير ان هناك تناقضاً فاضحاً آخر في قول المعترض إذْ أرجع الحكم إلى الكتاب وهو في عين الوقت يقول ان الكتاب لا يعلم تأويله إلا الله. فهذا اقرار منه ان لا أحد يقدر على الحكم بالكتاب!

وبصفة عامة فالغربيون محقّون حينما يقول بعضهم "لا يمكن استخلاص عقيدة متجانسة ومنطقية من الدين الاسلامي"!

لأن الدين الاسلامي الذي عرفوه هو من مثل هذه الاقوال المتهافته والمتناقضه التي رسخها الاعتباط الفكري واللغوي والتي لا تمت بأية صلة لما جاء به رسول الله (ص).


 


رد مع اقتباس
قديم 02-11-11, 06:40 PM   #20
مدير عام


الصورة الرمزية admin
admin غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Dec 2009
 أخر زيارة : اليوم (12:54 PM)
 المشاركات : 2,095 [ + ]
 التقييم :  10
 الدولهـ
Iraq
 الجنس ~
Male
لوني المفضل : Blue
افتراضي



تكملة الجزء السابع 2

المورد الرابع

"إن الحكمُ إلا الله" يوسف/67

إنْ نافية وإلا اداة حصر والآية تحصر الحكم في الملكية لله وحده فهو غاية هذا الحكم.

وهذه الآية بمفردها تسقط كل ما قاله الاعتباط. وسبب ذلك ان المنطق الصحيح يحتاج إلى تسلسل مترابط فإذا انفصمت في السلسلة المنطقية مقولتان سقط الاعتبار عن جميع النتائج. وهذه القاعدة هي التي بنيت عليها التقنيات المتطورة في العصر الحديث بما في ذلك العقل الالكتروني.

ومعنى ذلك ان أي قرار يتخذ إذا لم يرتبط بحكم الله بتسلسل منطقي يخلو من الثغرات فهو حكم خارج عن التشريع الالهي. وما الفقه والفقاهة وعلم الأصول وعلم الكلام إلا محاولة للربط المنطقي بسلسلة الحكم بحيث ان الفتوى يُعتقد انها صادرة عن الله بربطها بتسلسل منطقي إلى الكتاب أو السُنَّة.

ولكن مع الاعتباط في الاصول واعتباطية الدلالة اللغوية لم يحصل الفقه والفقاهة على نتائج حاسمة كما أراد.

وانى له بالحصول على ذلك وهو يحطّم التسلسل المنطقي في هذه الآية المرتبطة بمجموع الأحكام؟

فالآية تقرر ان كل حكم صغير أو كبير هو للهِ فمن يقدر على اصدار حكم متصل منطقياً بحكم الله فهو حكم الله ومَنْ لم يستطع فذلك حكمه لا حكم الله.

واخطر حكم هو ما يتعلق بالحكم نفسه أي بمن يحكم فذلك أول شيء يجب ان يكون فيه الحكم لله.

فمن قال: ان الله اصدر احكاماً وفوض الينا اختيار من ينفّذ تلك الأحكام فنحن نختار الحاكم فقد كفر منذ تلك اللحظة إذ يتوجب عليه إثبات ان الحكم بأمر الله ليس من جملة أحكام الله! وهذا منتهى الغاية من الكفر والتحدي لله.

فإذا قلت الحكم بأمر الله من جملة الأحكام ولكن الحاكم منوط بالاختيار قلت: والاختيار باق كما قلنا فتحديد الحاكم لا يلغي الاختيار شأنه شأن أي حكم آخر ومحال ان يشار إلى كل حكم باستثناء شروط الحاكم فكأن القائل يزعم أن شروط الحاكم خارج عن تحديد الشرع.

فالآن يضطر القائل للزعم: ان الشروط من جملة الشرع ونحن قد فوض الينا الله تنفيذ تلك الشروط.

أقول أهلاً وسهلاً فاننا نريد حاكماً كما اشترط الله عالماً بكلامهِ لا يسال أحداً من الخلق لأنه إذا سأل أحداً عن حكم سقطت جميع الشروط فكأن الحاكم الفعلي اصبح غيره وبالتالي أخطأ السائل في تحديده إذ كان يتوجب عليه اختيار ذلك الرجل الذي أجاب لانه أعلم.

فانظر معي اليستْ نظرية الاختيار من أفكار ابليس إذ لا فرق هنا فكما قال الله أسجدوا لآدم فقال ابليس (أنا خير منه) فحدّدَ الافضل فكذلك نظرية الاختيار تزعم انها تحدد الأفضل وكأن الله يقدر على اصدار كل الأحكام باستثناء الحكم المتعلق بالحاكم! إنما غاية النظرية أصلاً الخروج عن اختيار الله.

فإذا قلت فما العمل إذا لم يفعل الخلق كما أمر الله أنبقى بغير حاكم؟

الجواب: وما شأنك أنت بالحاكم إذا لم ترد أن تكون ذلك الحاكم فيحل عليك غضب من ربكَ ونقمة؟

دع الخلقَ يختاروا حاكمهم واعتزلهم وما يعبدون من دون الله فما جعلك الله عليهم وكيلاً ولا حفيظاً.

إذا كنت تخاف الله فليس عليك سوى أن تكون صحيح الاعتقاد فإذا ساء الاعتقاد لم ينفع العمل وإذا حسن الاعتقاد قبل منك ما تقدر عليه من الاعمال.

أم أنك تظن أن بمقدورك أن تخدع الله تقول يا ربّ لم ينفذ الخلق أمرك وسأرحمهم بدلاً عنك وأكون حاكماً عليهم!

أم تقول سأرشح فلاناً فأنه رجل تقوى وعبادة وأتوسم فيه الخير والصلاح وكأن الله لا يعلم من هو فلان الذي اتخذته خليلاً من دون الله.

تريد أن تكون وكيلاً عن الخلق وحفيظاً عليهم و (محمد) رسول الله نفسه لم يكن كذلك فما أشد غرورك إذن وعتوك عن أمر ربك فلعل الله ياخذهم بغتة بعذاب واصب فما شأنك انت ايها الزاعم انك ترغب في رضا الربّ بل يقع هذا العذاب حتماً كجزءٍ من الوعدِ المنتظر ويطولكَ العذاب كما طالهم:

"إن يشأ يرحمكم وأن يشأ يعذبكم وما ارسلناك عليهم وكيلا" الاسراء/54

"وكذبَّ به قومك وهُوَ الحق قل لست عليكم بوكيل" الانعام/66

"وما جعلناك عليهم حفيظاً وما انت عليهم بوكيل" الانعام/107

"قل يا ايها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها وما انا عليكم بوكيل" يونس/108

"ومن يطع الرسول فقد اطاع الله ومن تولىّ فما ارسلناك عليهم حفيظا" النساء/80

فهل تحسن ربط هذهِ الألفاظ مع بعضها البعض وعلاقتها بالاختيار وبالوعد الإلهي المنتظر؟

إذا كنت لا تقدر على هذا الربط فانظر هذه الآية التي تعد بالعذاب:

"استجيبوا لربكم من قبل ان يأتي يوم لا مرّدَ له من الله مالكم من ملجأ يومئذٍ ومالكم من نكير. فان عرضوا فما ارسلناك عليهم حفيظاً ان عليك الاّ البلاغ.." الشورى47/48.

فالرسول (ص) ليس عليه الاّ البلاغ أماّ انتم فاعطاكم الله مالم يُعط لرسوله: هو عليه البلاغ فقط وانتم لكم الحكم!

هُوَ لا يكون وكيلاً عن الخلق وانتم تكونون!

هُوَ لا يكون حفيظاً على الخلق وانتم تكونون!

هُوَ لا يختار احداً يحكم بكتاب الله ولو على سبيل الوصية التي يبقى معها الاختيار مفتوحاً اما انتم فتحملون السيوف على الرؤوس وتأمرون الناس ان يبايعوا!

هو لم يوص لاحدٍ من الخلق وانتم تتوارثون الملك!

"ألكم الذكر وله الانثى؟ تلك إذن قسمة ضيزى" النجم/21-22

فإذا قلت يتوجب من كل ذلك القول: ان كل من شارك في الحكم على غير ما اختاره الله فقد كفر!

أقول وهل نتج شئ غير ذلك؟ فربك يريد ان يملأ جهنّم من الجنة والناس اجمعين فما شأنك أنت؟

ام تزعم ان الناجين من النار وهم (ثلة من الاولين وثلة من الآخرين) حسب النص القرآني هم اولئك الحكام فقط واتباعهم؟ إذن فستكون الجماهير كلها من أهل النار! فهل ترضى بمثل هذه النتيجة؟

انت تريد ان تنقذ نفسك من عذاب الله إذن عليك اعادة النظر بكل المسلماّت التي ورثتها من آباءك! يجب ان تمررّ كل ما ورثته في غربال فتختار مجدداً لانّ الله يحاسب العباد واحداً واحداً ولا يقبل عذراً من قبيل: وجدت آبائي يفعلون كذا ويعتقدون كذا فانت تعلم انه رفض هذا العذر.

وانت تعلم أيضاً انه ماكر بل هُوَ (خير الماكرين) فهل تأمن مكر الله؟ "فلا يأمن مكر اللهِ الاّ القومُ الفاسقون" وانت لا تعلم أين رضاه واين غضبه فلعل رضاه في ما انكرت وغضبه في ما اعتقدت وباختصار عليك ان تخلع كل لبوس البسته القرون الماضية لك وتختار مجدداً...

فما ادراك ان ما انكرته هُوَ الحق؟ بلى كان الامام علي (ع) يقول على المنبر مراراً:

"ايها الناس ان اكثر الحق في ما تنكرون".

فلاحظ ملياً هذه العبارة فانه مصيرك، فالحكم لله دوماً وابداً وذلك ما قاله جماعة من الأئمة (ع) قالوا:

"لا تخلو الأرض منذ آدم من حجة لله على خلقه يعرفه الخلق باسمه ونسبه كي لا يكون للناس حجة على الله" واذا دار في خلدك انك تعتذر قائلاً:

بلى يا رب سمعت بذلك ولكني وجدت اكثر الأمة على خلاف هذا القول فتابعتهم خصَمكَ الله واخرسك لانه سيقول عبدي وهل رأيتني ذكرت مرة أكثرية الخلق الاّ وذممتهم في كتابي؟

فلماذا عاندتني وتابعت الأكثرية وانت تعلم أنيّ أمقتها؟

الم تسمع اني قلت:

"لتنذر قوماً ما انذر آباؤهم فهم غافلون، لقد حق القول على اكثرهم فهم لا يؤمنون"

وقلت في سورة واحدة ثماني مرات:

"ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين"

الشعراء/8-67-103-121-139-158-174-190 وقلت:

"لقد حق القول على اكثرهم فهم لايؤمنون انا جعلنا في اعناقهم اغلالاً فهي إلى الاذقان فهم مقتحمون. وجعلنا من بين ايديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فاغشيناهم فهم لا يبصرون" يس/7-9.

وقلت:

"وما يؤمن اكثرهم بالله الاّ وهم مشركون" يوسف/106

وقلت:

"لقد جئناكم بالحق ولكن اكثركم للحق كارهون" الزخرف/87

وقلت:

"ولكن اكثر الناس لا يشكرون" البقرة/243

"ولكن اكثر الناس لا يعلمون" يوسف/21-68-38

وقلت: "وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" يوسف/103

"ولكن اكثر الناس لا يؤمنون" الرعد/1 غافر/57

وقلت: "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها واكثرهم الكافرون" النحل/83

وقلت:

"حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون. بشيراً ونذيراً فاعرض اكثرهم فهم لا يسمعون" فصلت/1-4

فهل رأيتني أحببتُ اكثرهم لتعتذر بهذا العذر؟ عذرك أسوأ من فعلك وعذرك موبقة جديدة اعترفت بها فما راك تنجو وانت بعقل يميز الخبيث من الطيب مع قاضٍ يعلم الخفايا وما تكن الصدور.

المورد الخامس

"قل الله اعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حُكمِه احداً" الكهف/26

اوّد ان تفهم معي بصورة جدية هذا المقطع من الآية: "ولا يشرك في حُكمه أحداً" اذ ليس المقصود انه لا يستشير أحداً في الحكم أو يستعين بأحد في اتخاذ القرار لان هذا أمرٌ مفروغٌ منه المقصود ان أي كائن في الوجود لا يمكن ان يكون له حكم ذاتي المنشأ ويكون في عين الوقت حكماً لله، أي ان هذا لا يحدث حتى مصادفة رغم ان احتمالاته غير متناهية.

فكل قرار يتخذ من أي مخلوق في الوجود هو احد ضربين اماّ ان يكون من الله فهو حكم الله جرى على لسان ويد ذلك المخلوق وأما ان يكون من أحكام ذلك المخلوق فهو دوماً خارج عن حكم الله - لذلك فلا احد يسبقه في حكم فيكون شريكاً.

وأي كائن في العالم لا يمكن أن يتصف بهذه الصفة مطلقاً إذ يسبقهُ مخلوق آخر في حكم فيرضاه ويكون حكماً لهما في آن واحد للأول البدء والابتكار وللثاني الفهم والموافقة.

ومعنى هذه العبارة انه لا وجود لكائن يقول افعل كذا وأعمل كذا ويرضى الربّ!

بل يقول يريد الرب كذا ويرضى بكذا فأفعل.

فإذا غربلت الخلق كلهم بهذا الغربال وجدت أكثرهم يقولون نفعل كذا ونقول كذا فالرب يرضى وسوف يخرج أكثرهم من الغربال.

لأنهم يريدون أن يعملوا على مقتضى ذواتهم وأهواءهم فيزعمون أن ذلك يرضي الرب ويقومون بتأويل كلامه ليطابق أفعالهم:

"أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون" العنكبوت/4

لاحظ ارتباط سوء الحكم بمحاولة سبق الله باتخاذ القرار.

وإذا كان من المحال ان يسبقه تعالى أحدٌ من الخلق في الحكم فمن المحال أيضاً أن يُدخل أحدٌ من الخلق حكمه في تفاصيل حكمهِ تعالى مُعَقِباً على حكمه فالتعقيب هوَ الآخر محال:

"والله يحكم لا مُعَقِبَ لِحُكمِهِ وهوَ سريع الحساب" الرعد/41

إذن فالسبق بالحكم محال على الخلق واللحاق بحكمه تعقيباً محال على الخلق وغير مقدور لسرعة القيام بالحساب فحكمه تعالى مستقل بذاتِهِ كذاتِهِ.

فهنا يتهافت الخلق إذ يدعون أشياء كثيرة وينكرون ما شاءوا ويقررون ما شاءوا زاعمين إلى ذلك كله من حكم الله أو جارياً في مجراه.

موارد اتياء الحكم: نلاحظ موارد اتياء الحكم في القرآن فنجد أيضاً ان الحكم بتفويض من الله تعالى بسبب استقلالية حكمه عن حكم العباد.

ومعنى ذلك أنه لما كان من غير المقدور سبقه بالحكم أو تعقب حكمه أصبح من غير المقدور أن يحكم أي مخلوق إلا بإذن الله وأمره وتفويض منه حيث يعلّمه هوَ حكمه المستقل.

فكل حاكم لم يفوضه تعالى تفويضاً بصريح العبارة معلناً للخلق كافة فهو جبار عنيد يريد مشاركة الله في الحكم ولا يقدر ابداً أن يشاركه في أي تفصيل من الأحكام ولو مصادفةً لافتراق حكمِهِ عن حكم الخلق.

لذلك فالذين رضي حكمهم هم الذين آتاهم هوَ هذا الحكم فهم وحدهم الخلفاء بحق:

"ولوطاً آتيناه حكماً وعلماً" الأنبياء/74

"ولمّا بلغ اشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً" القصص/14

"ففهمناها سليمان وكلاً آتيناه حكماً وعلماً" الانبياء/79

"يا داود انا جعلناكَ خليفةً في الأرض فاحكم

بين الناسِ بالحقِ" صاد/26

ثم جمع الذين آتاهم الحكم في سياق مستمر واحد فقال:

"وتلك حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه نرفع درجات من تشاء ان ربك حكيم عليم. ووهبنا له اسحق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وايوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين. وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كلٌ من الصالحين. واسماعيل واليسَعَ ويونسَ وكلاً فضلنا على العالمين. ومن آباءهم وذريتهم واخوانهم واجتبيانهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة..". الانعام/83-89

وبامكانك ملاحظة الألفاظ في الآيات للتأكد من المواضيع السابقة فلاحظ احباط العمل ولاحظ الروابط في الذريّة والانساب ولا حظ ان هؤلاء هم الذين آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة.. فالزعم ان الكتاب يتصدى له أي فرد بعلمه الخاص من غير تفويض الهي والزعم ان الحكم يتصدى له المخلوق بغير أمرٍ صريح هوَ شرك يفضي إلى الكفر فلاحظ تكملة الآيات:

"... اولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكَّلنا بها قوماً ليسوا بها كافرين..".

إذن فالسنة الالهية جارية ومستمرة فالقرآن له حملة وقد خصص الله له من يوضّح اسراره للخلق ووكَّلَ للحكم والكتاب قوماً لم يكفروا بهذه السنة الجارية ولأنها حجة الله على خلقه فلاحظ ابتداء الآيات بالحجة: "وتلكَ حجتنا آتيناها ابراهيم على قومه..".

وبصفة عامة فأن موارد الحكم في القرآن تؤكد هذه الحقيقة لأنها في الواقع جوهر ما انطوى عليه التوحيد إذ لو كان للانسان اختيار كهذا أنتفى الفرق بين الخالق والمخلوق انما اختيار الإنسان في الفرع لا في الاصل.. بمعنى ان للانسان قدرة على اختيار ما اختاره الله او اختيار سواه فهو حرّ من هذه الجهة فقط ولكن لا يمكن ان تتجاوز حريته الحد الذي يمكنه فيه تغيير اختيار الله أو اعتباره ما يُعجبه من الخيارات هُوَ خيار الله وهذا تفريق هام جداً تغافله المتشتدقون بالحرية والذين هم الدّ اعداءها. فمثل هذا التفريق معلوم ومنفذّ بالسليقة بين الناس اذ لو ادعى الابن ان ما يفعله دوماً سيرضي الوالد وان ما يشتكي منه الوالد من معصية الابن لا يخصّه انما يخصّ اخوته الآخرين زاعماً ان الوالد موافق دائماً على ما يفعل لخرج العقلاء باحدى نتيجتين ام سقوط الوالد عن الاعتبار لانه لا رأي له ولا استقلال واماَّ كذب الابن وافتراءه.

إذن فالقائلون نحن نحكم الناس بالعدل وما نفعله خدمة للمجتمع ترضي الله ويؤجرنا عليها انما يريدون املاء شروطهم على الله فيفعلون ما شاءوا ويحكمون في الاشياء بحكمهم ويريدون من الله ان يوافق عليها فاولئك عنده يوصف احدهم بتسعة صفات وردت في سياق قرآني متصل بألفاظ مفردة مع ثلاثة صفات أخرى عامة بجمل وعبارات إحداها بصيغة الجمع فالمجموع اثنتا عشرة صفة في نفس السياق من سورة القلم:

1. فلا تطع المكذبين

2. ودّوا لو تدهن فيدهنون

3. ولا تطع كل حلافٍ

4. مهين

5. همازّ

6. مشاءٍ بنميم

6. مناع للخير

7. معتدٍ

8. أثيم

9. عُتل

10. بعد ذلك زنيم

11. أن كان ذا مال وبنين. إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الأولين. القلم/آيات/8-15

فالارتباط اللفظي في هذا السياق متشابك مع جميع الآيات التي تتحدث عن هذه الفئة وخصائصها فعلى سبيل المثال:

1. فلا تطع المكذبين: مرتبط بالوعد الإلهي أي بيوم الدين لأنّ هؤلاء اول المكذبين بالوعد فالوعد يستلزم سقوط جميع انظمة الحكم والبدء بطور جديد في حياة الخلق ونظام طبيعي جديد فالتكذيب به مرتبط بقوله تعالى "يكذبون بيوم الدين".

فلفظ المكذبين يختلف كلياً عن لفظ (الكاذبين) الوارد في آيات أخرى فانتبه لذلك فالمجموعة واحدة والصفات مختلفة.

2. ودوّا لو تدهن فيدهنون: تلاحظ ارتباطه بقوله تعالى "افبهذا الحديث انتم مدهنون" الواقعة/81 وهُوَ كما تعلم في سياق نفي القسم (بمواقع النجوم) فالحديث المكذب به والذي يدهنون به هُوَ حديث الوعد المنتظر.

ومعلوم ان هؤلاء يرغبون اشد الرغبة في الحصول على مخالفات للنبي (ص) ومداهنات لكي يبرروا المداهنة في الدّين واحداث التغيير الملائم لاهواءكم. ولذلك كثرت الدعاوى عن: اخطاءه (ص)، ونسيانه، ومخالفته الوحي، وعبوسه بوجه الاعمى، وحيرته في الأوامر والنواهي مما سطرّه الاعتباط التفسيري واللغوي خدمة للذين ودّوا ان يدهن فيدهنون.

3. ولا تطع كل حلاّف: مقترن لفظياً بجميع مواضع حلفهم بالايمان المغلظة (انهم لمنكم وماهم منكم ولكنهم قومٌ يفرقون) وبجميع موارد حلفهم الستة في سورة التوبة فهي كلها فيهم وذلك لانهم من جماعة (المسلمين) فظاهرهم الاسلام وحقيقتهم الكفر كما في المورد الرابع منها وهذه الموارد هي:

أ. (وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون انفسهم والله يعلم انهم لكاذبون) /42.

ب. (ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون) /56.

ج. (يحلفون بالله ليرضوكم والله ورسوله احق ان يرضوه ان كانوا مؤمنين) /62.

د. (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا...)/74.

هـ. (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم اليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم انهم رجس ومأواهم جهنم بما كانوا يكسبون) /95.

و. (يحلفون لكم لترضوا عنهم فان ترضوا عنهم فان الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) /96.

ولكن يبدو ان هذه التحذيرات لم تنفع واختلطت الاوراق على المؤمنين فصاروا لغفلتهم وهجرانهم لكتاب الله راضين كل الرضا عن اولئك الذين حكموا او يريدون ان يحكموهم باسم الدين. فهذا يناقض الايمان لان من اساسيات الايمان بالله الايمان بالوعد الالهي واليوم الآخر الذي يستلزم كشرط لا بد منه الايمان بوجود القيادة الالهية فالتصديق بهؤلاء يستلزم حتماً التكذيب الفعلي بيوم الدين وان لهج اللسان بالتصديق فان ذلك لا ينفع شيئاً اذ المعول عليه هو التوجه القلبي والعملي لتقريب يوم الدين.

وكذلك فان صفة (الحلاَّف) مرتبط بالموارد الستة الأخرى المتفرقة في القرآن بخصوص هذه الجماعات فالعدد الكلي للاقتران اللفظي مع مورد الحلاف أثنا عشر فهنا توافق عددي آخر يسري في النظام القرآني بأدق التفاصيل.

والموارد الستة الأخرى هي:

ز. (والذين اتخذوا مسجداً ضِراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلّفن ان اردنا الاّ الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون) التوبة/107

فكذلك تبني هذه الفئات المساجد للاهداف المذكورة في الآية فهي مساجد مذهبية وطائفية غايتها التفريق والارصاد والكفر لتكريس الاهواء المختلفة وتأسيس (مبادئ) للتحريف.

ح. مورد سورة النساء وفيه اقترانات لفظية أخرى مع (الحكم) و (الطاغوت) وغيرها.

(الم تر إلى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به ويريد الشيطان ان يضلهم ضلالاً بعيدا)

ثم قال:

(واذا قيل لهم تعالوا إلى ما انزل الله رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا. فكيف إذا اصابتهم مصيبة بما قدمت ايديهم ثم جاءوك يحلفون بالله ان اردنا الا إحساناً وتوفيقا) النساء/60-62.

ط. موارد سورة المجادلة

(الم تر إلى الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) المجادلة/15

المجموعات هنا ثلاثة: المخاطب وهو النبي (ص) ومجموعته المؤمنون والذين تولوا قوماً-مجموعة ولقوم المغضوب عليهم مجموعة فهذا النظام يذكرنا بالمجموعات الثلاثة في سورة الفاتحة فالمغضوب عليهم بنفس الاسم والمجموعة التابعة التي تولتهم هي بالنتيحة مجموعة الضالين.

ي. (يوم يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له كمل يحلفون لكم ويحسبون انهم على شتى الا انهم هم الكاذبون) المجادلة/18

لاحظ هنا الاقتران اللفظي مع اول آية بدأنا الحديث بها:

"ويحسبون انهم يحسنون صنعاً"

ك: المورد الثاني عشر: ولا تطع كل حلافّ مهين-موضوع البحث.

4. مَهين: مقترن بالعذاب المهين في جميع الموارد ومع ان عددها أربعة عشر مورداً فان اخراج الموارد المتعلقة بوقائع الماضي وملاحظة اقترانها بموارد الوعد المستقبلي فقط يعيد لنا التوافق العددي مرة أخرى وبطبقة ثالثة من الاقتران. فالموارد الماضية هي موردان الأول في بني اسرائيل:

(ولقد نجينّا اسرائيل من العذاب المهين)-والآخر في الجان الذين مع سليمان "ان لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين".

فالموارد الأخرى وعددها اثنا عشر أيضاً مقترنة لفظياً بهذه المجموعة لأنها ارتبطت بصفاتها وخصائصها مثل: الكفر-الاستكبار غضب الله عليها-عصيان الرسول (ص)، تعدي الحدود-التكذيب...الخ.

لكنه في سورة القلم وصفه بانه (مهين) في الدنّيا لان تلك حقيقته الا تراهم كيف تظهر عليهم تلك المهانة حينما يفقدون السلطان والمال؟

5. هماز: مقترن بالهَمزْ وهُوَ اللفظ الوارد في سورة الهُمزَةّ، فالسورة مخصصة لافراد هذه الفئة أيضاً:

"ويل لكل همزةٍ لمُزة، الذي جمع مالاً وعَددّه، يحسب ان ماله اخلده، كلا لينبُذّن في الحُطمة. وَما ادراك ما الحطمة نار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة انها عليهم مؤصدة في عَمدٍ ممددّة".

فإذا رغبت في السير قدما بهذه العلامات وسبر غور الاقتران وجدت في كل لفظ من السورة دليلاً يعيدك إلى المواضع الاولى أو يفتح لك ابواب المواضع الجديدة التي تتحدث عن هذه المجموعة. مثال ذلك: اقتران تلاحظه واضحاً بين الهمزة واللمزَة. فاذا تحركت وفق لفظ (اللمز) اعادك إلى خصائص عن تلك المجموعة ذاتها في سورة التوبة كقوله تعالى:

"ومنهم من يلزمك في الصدقات" التوبة/58

وقوله تعالى:

"الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين" التوبة/79

ومثال ذلك أيضاً: ان الذي جمع مالاً وعددّه: يذكرك بسياق سورة القلم الصفة الثانية عشرة "ان كان ذا مال وبنين". فنأمل من هذا الاسهاب والتفريع ان تدرك ما نرمي اليه من اصطلاحنا في هذا المنهج اعني (النظام القرآني). اما من ناحية المفهوم فمن المعلوم ان هذه الفئة المتسلطة فئة لا اخلاقية ولا حياء لها ولا قواعد ثابتة فلذلك تسخر فتلمز اذ لا شئ لديها تقوله بوجه الحق سوى تحويل الأمر إلى هزء ولعب.

6. مشاءٍ بنميم: وهذه صفة هامة من صفات هذه الفئات المكذبة بيوم الدين اذ لمّا كانت تريد الاستحواذ على السلطان وتكذب بالوعد الالهي فهي تريد الحفاظ على الوضع الذي هي فيه وتكمن قوتها في ضعف الرعية واختلافها فهي تزرع بذور الاختلاف في الرعية وتزعجها وحدة الشعب وتوحده ولو على الباطل ولذلك تكره الاحزاب السياسية-خلافاً لما هو ظاهر عنها-تكره دخول الشعب كله في الحزب الحاكم لان ذلك معناه ان تحقق العدل مقهورة مجبرة اذ اصبح الشعب هو الحزب والحزب هو الشعب، فكأنها لم تفعل شيئاً وكأنما خطتها فشلت فشلاً ذريعاً في هذه المرحلة تقوم بمهادنة الشعب وتستخدم جميع اساليبها لزرع فئات وتيارات مناوئة لها فهذه الفئة تكمن حياتها في الاختلاف والتناحر بشرط ان لا يفضي إلى سقوطها، فلا التوحد والاستقرار يخدمها ولا وجود المعارضة الشديدة يخدمها انما الحال الذي هو بين بين. ومثل هذا الحال لا يتم (الاّ بتمشية النميمة في عروق الجمهور، فالاشاعة في السياسة الحديثة ركن هام من اركانها تستخدمه العناصر مع بعضها البعض مع الجمهور-مثلما تستعمله الفئات المرتبطة بهم مصيرياً وان كانت بعيدة ظاهرياً عن السلطان والضحية هي الجماهير الجاهلة.

7. مناع للخير:

هذه الصفة هامة جداً، فالخير كلفظ ورد بثلاثة اشتقاقات لغوية (خَيرٌ) بالرفع في (139) مورداً، وخيراَ بالنصب في (37) مورداً والاخيار كصفة للمؤمنين موردان والخيرات على الجميع في عشرة موارد فالمجموع (179) مورداً. ولكني توقعت ان يكون لفظ (الخير) المعرفّ بال التعريف في موارد متفقة عددياً مع عدد حجج الله في الطور المهدوي أي الخلفاء الاثنى عشر مع رسول الله (ص) اذ هم المقصود بهذا الخير المعّرف والذي يختلف عن بقية الموارد التي قد يفيد بعضها جزئية الخير في تطبيق بعض التفاصيل لانه لفظ غير معرف مثل:

"فان يتوبوا يك خيراً لهم" أو "فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيراً"..الخ. فلفظ خيراً هنا نكرة غير معرفة فهو عام. فظهرت عند الاحصاء حقيقة هذا التوافق العددي فكانت موارد (الخير) ثلاثة عشر مورداً من مجموع الموارد كلها.

ترتبط صفة هذه الفئة بجميع موارد الخير ولكنها تقترن اقتراناً مباشراً بالموارد الثلاثة عشر ولذلك تجد مركبات متشابهة مثل (مناع للخير) كما في سورة قاف: "مناع للخير معتدٍ مريب". والموارد الثلاث عشرة هي في السُوَر:

فإذا رغبت في السير قدماً في البحث اللفظي واكتشاف المزيد من الأسرار فعليك بالدراسة اللفظية المقارنة معتمداً على هذه القائمة.

وبصفة عامة فان أي مورد منها يؤكد لك ارتباطها بطور الاستخلاف فهذا مثال واحد:

"ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير" آل عمران/104. فالدعوة هي لتحقيق دولة الحق الإلهية فهي الخير وهو مرتبط بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والاعتباط يفهم المسألة بصورة معكوسة اذ يفهم منها سقوط وجوب هذه الدعوة عن الباقين إذا تصدى للدعوة العلماء وامثالهم حيث الخير عندهم هو تلك الدعوات المنفصلة عن الارادة الإلهية بينما اللام هنا لام الغاية فقوله (ولتكن)-أي الغاية من الأمر بالتمسك بحبل الله هو تكوين امة مثل تلك فمن كان خارجها فليس منها ولذلك قال (جميعاً) في الآية السابقة وعطف عليها الآية اللاحقة بقوله (ولتكن) الذي يفيد الوجوب: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم..."/103 ثم جاءت الآية (ولتكن...).

ثم عقب بالآية الأخرى بعدها مؤكداً على عدم التفرق فقال:

"ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"/105

وانما زعم الاعتباط ان (ولتكن) واجب كفائي ليضرب عصفورين بحجر واحد الأول: زرع بذور الاختلاف والتناحر وتثبيط عزيمة الناس برفع التكليف الشرعي عنهم. والآخر الاستحواذ على الأمر والنهي وتفسير آيات الكتاب على هواهم وتقديمها للجمهور.

وكل هذا كما تعلم (منع للخير) وتطويل لأمد الحياة الدنيا على حساب فترة الاستخلاف.

8. معتد: الاعتداء هوَ سلب حق الغير ومن الواضح ان المستحوذ على السلطان أو على الكتب المنزلة يفسرها كيف شاء لم يسلب حق القيادة الالهية وحدها بل حق الخلق المرتبط بها وهم جميع افراد العالم.

فهؤلاء معتدون على كل فرد في العالم وكل فرد سيولد إلى يوم الدين لأنهم مشاركون في تأخير الوعد الالهي. ولذلك يبوئون بالإثم العظيم الذي تذكره الصفة اللاحقة (أثيم).

فهذا اللفظ مرتبط بذكرهم بالاعتداء في جميع الموارد القرآنية لأنهم نفس المجموعة حسب النظام القرآني.

بل هوَ مقترن عموماً مع أصل اللفظ (عدا) ومشتقاته الكثيرة، كالعدو والأعداء والعدوان والعداوة.. الخ.

وسوف تجد هنا شبكة محكمة من الألفاظ تؤكد لك حقيقة هذه الفئات ويعود لفظ (الاثم) ليقترن بالعدوان في بعض الموارد مشيراً إلى تلك الفئة التي تَدَّعي التديّن:

"أ لم ترَ إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالاثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جاءوك حيّوكَ بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير" المجادلة/8

9. اثيم: اقترن هذا اللفظ بجميع الموارد التي ذكرته بمختلف الصيغ ونهت النبي (ص) بعض الموارد أن يطيعهم كما في قوله تعالى:

"ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً" الإنسان/24

وهذا المورد مقترن بالحكم لأنه يبدأ بقوله:

"فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا".

وارتبطت بالاثم مجموعة من الأفعال التي تفعلها هذه المجموعة وحذر الله المؤمنين منها كي لا تختلط اعمالهم بأعمال أولئك المعتدين الذين يفترون الكذب ويؤولون الدين على اهوائهم ويعقدون الاجتماعات السرية ويفشون الاشاعات ويلمزون بالالقاب مجموع الموارد (48) مورداً. فمن تلك الموارد وصفهم بالظلم وكتمان الشهادة والافتراء ومنع الخير والافك وتبديل الوصيّة واشاعة الفواحش وهي جميعها من خصائص اصحاب السلطان واتباعهم-ومنها اكل أموال الناس بالباطل والزنا والربا والاخذ على الظن واتباع الشهوات والقتل المتعمد وعموم ما سمّاهُ البعض بالكبائر - فكان هؤلاء (حزب الشيطان) المستقل تماماً عن المؤمنين بقدرته على ارتكاب هذه الآثام:

"ولا يحسبنَّ الذين كفروا إنما نملي خيرٌ لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهين" 178/آل عمران.

10. عُتّلٌ: مورد منفرد في القرآن لم يذكر منه إلا اشتقاق واحد آخر بصيغة الأمر: (فاعتلوه).

وذلك في قوله تعالى:

"خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم" الدخان/47

الفيروز آبادي في المحيط:

العُتُلُ: بضمتين مشددة اللام: الاكول المنيع الجافي الغليظ.

أقول هو وجميع مشتقاته على أصل واحد ومنه العَتَلةُ: حجر ضخم ينقلع من الأرض، أو عصا غليظة من حديد تستعمل لقلع الحجر. وبامكانك تصوره منحوتاً من لفظي (عَتّ - وتلَّ) فهو تجزئة الشيء أو الأمر بقسوة خلافاً لطبيعته باستعمال القوة.

والعُتُلُ على هذا هو الطاغية الذي يضع الاشياء في غير موضعها مستخدماً القوة.

فكان جزاءه أن استخدم معه صيغة الأمر للجماعة المنفذة للأوامر يقومون بتحريكه بنفس الحركة التي كان يقوم بها مع الخلق:

"خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم" لانه يريد التحرك نحو النعيم بعدما شارك في تأخير حصوله مشاركة فعالة.

فالسياق الكامل فيه اقترانات لفظية مرتبطة بمورد سورة القلم كالاثم والعذاب وغيرها.

وعذاب الجحيم من عذابات الطور المهدوي يأتيك في موضعه عند ملاحظة الألفاظ في سورة الدخان.

11. بعد ذلك زنيم: مورد منفرد لا يتكرر في أي موضع آخر.

أقول إذا كان عبارة بعد ذلك اشارة إلى كل ما مرَّ من صفات فالمعنى انه بعد كل ما فعل فهو زنيم.

وذلك لأن الفعل (زنمَ) هو لصق شيء على شيء لا يلائمه وليس منه وإلحاق شيء بآخر بينهما تنافر ظاهر.

والزنيم على ذلك هو الدعّي والذي ألحق نفسه بقوم ليس منهم والمراد من ذلك التأكيد على مرضٍ نفسي فيه ولؤم متأصل بحيث انه لا يعتني باية قيمة اخلاقية بما في ذلك تلك التي تخص سُمْعَتُهُ ومكانته الاجتماعية.

والزنيم: شتيمة لا زالت مستعملة في انحاء العراق وترمي من طرف خفي إلى سقوط اخلاقي للمَوصُوف.

لذلك فقوله تعالى بعد ذلك - أي بعد عشرة صفات يفعلها في محاربة الله ورسوله يدعي الانتماء لهما ويزعم الدفاع عنهما بعد ذلك كله زنيم.

12. إن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين. مرتبط بالتكذيب فكأن المورد الاخير اشار إلى المورد الأول. والمورد مقترن بجميع المواقع القرآنية التي ذكرت فيها عباراتهم (اساطير الاولين).

وهي جميعاً مرتبطة بتكذيب الوعد الالهي ورجوعهم بعد الموت وهي تسعة موارد منها:

"وقال الذين كفروا إذا كنّا تراباً وآباؤنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبلُ إنْ هذا إلا اساطير الاولين" النمل/67

وهذا هو النشور المتفرق لأفواج من الامم وهوَ يختلف عن البعث الكلي في القيامة. فإذا تحركت مع الألفاظ بهذا الطريق مثلاً ملاحظاً الاقترانات اللفظية استوعبت العلاقات جميع موارد الكفر بمشتقاته مثل: الذين كفروا، الكفر، الكفّار، الكافرون، الكافرين.. الكفرة..الخ.

بمعنى ان شبكة الألفاظ تشتمل موارد الكفر كلها وهي كثيرة فالذين كفروا جاء في (194) مورداً. والكافرين جاء في (93) مورداً والكافرون جاء في (36) مورداً عدا بقية الاشتقاقات.

ويتحدد مفهوم الكفر من هذه الموارد إذ هوَ ظهور الاختيار الذاتي مقابل الاختيار الالهي فيما يستلزم التكذيب بيوم الدين الذي هوَ الوعد الالهي وهو نفس الموضوع الذي كفر فيه ابليس إذ كفر بشأن الوعد الالهي في ظهور الخليفة كما قلنا وإذن فعليك ان تصحّح مفهومك عن الكفر إذ ليس هو انكار الخالق إنما ذلك وسيلة من وسائل الكفر وهوَ كاذب فيها ولذلك لم يجادل القرآن مثل هؤلاء إنما جادل في موضوع الشرك.

إذن فالكفر المتعلق بالتكذيب بالاختيار الالهي بالخليفة وما يترتب عليه من وعدٍ مستقبلي وتغيير للنظام الطبيعي.

وهذا ما نلاحظه بعد قليل عند استعراض موارد يوم الدين الاثنى عشر وعلاقاتها اللفظية.

ج. موارد يوم الدين في السور القرآنية

الأول والثاني: موردا سورتي الحجر وصاد.

تناقش هذين الموردين سويةً لأنهما:

أولاً: ارتبطا معاً بواقعة خلق آدم والسجود له واعراض ابليس عن السجود، ومعلوم ان هذه الواقعة مرتبطة بقوله تعالى (اني جاعل في الأرض خليفة).. فهما بصدد التخطيط للخلافة العامة.

وثانياً: ان كل مورد منهما يمثل طوراً من اطوار الخلق الأول متشابهاً في بعض الألفاظ والعبارات واختلفا في البعض الآخر وقد اكتشفنا من هذين الموردين عملية الترقيّ وصولاً إلى مرحلة الآدمية وبالمقارنة مع موارد السجود الأخرى.

وكما مرَّ عليك فان هذين الموردين فقط تضمنا جعل (يوم الدين) موعداً نهائياً لاستمرار اللعنة على ابليس من بين جميع الموارد التي ذكرت فيها القصة.

لقد اشرنا إلى هذه المراحل باقتضاب في الفصول الاولى وأمّا التفاصيل فأنّا ذكرناها في كتابنا (أصل الخلق).

لذلك نشير هنا إلى فكرة الترقي فقط، تلك الفكرة التي استفدناها من البحث اللفظي المقارن للموارد والمخالفة للمشهور عند الناس.

لذلك أرجو منك الانتباه ومراجعة ذلك الكتاب فاني سأختصر الفكرة إلى نقاط مركزة:

الأولى: ان خلق آدم (ع) تمّ بمراحل عديدة ذكر القرآن منها ثلاثة مراحل فقد خلق الله اولاً الإنسان من (صلصال من حمأ مسنون). ثم اخبر الملائكة انه عازم على خلق (بشر) من حمأ مسنون.

فالأصل المشترك يدلّ على وحدة المنشأ وبالتالي فالبشر كائن متطورٌ عن الإنسان.

ويدل على ذلك تقدم خلق الإنسان على البشر في مورد سورة الحجر كالآتي:

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأٍ مسنون" إذن فالإنسان كان مخلوقاً قبل قوله للملائكة اني خالق بشراً. من جهة أخرى يثبت البحث المقارن بين الإنسان والبشر هذا الاختلاف، فالإنسان مذموم عموماً في القرآن والبشر ممدوح دوماً في القرآن. والمعنى ان الإنسان إذا بلغ مرحلة البشرية فهو ممدوح وإذا بقي في عقليته الأولى فهو انسان وهوَ مذموم.

ولذلك أطلق القرآن لفظ (البشر) على الانبياء والرسل ومن هو بمقامهم فقط.

بينما ذمَّ الإنسان: "ان الإنسان لظلوم كفّار" ابراهيم/34

"ان الإنسان لكفور" الحج/66

"ان الإنسان لكفور مبين" الزخرف/15... الخ

بينما اطلق البشر على الاولياء:

"قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلىّ انما الهكم اله واحد" الكهف/110

فكذلك ورد اللفظ مع الانبياء في (36) مورداً.

وهنا يسقط مرة أخرى الاعتباط اللغوي ومرادفاته ومجازاته.

الثانية: ان السجود كان للبشر فقط ولم يكن للانسان وقد ظهر ذلك في الجزء المتطابق في العبارة بين موردي الحجر وصاد كالآتي:

الحجر: "وإذ قال ربك للملائكة اني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون. فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقطعوا له ساجدين".

صاد: "وإذ قال ربك للملائكة أني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين".

وهذا الترتيب يفيد في وقوع مرحلتين قال في كل منهما (فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" فليس هنا من تكرار بل الوقائع مكررة لأنها مختلفة في الزمان.

الثالثة: وجدنا ان الروح لا علاقة لها بالحياة من حيث هي تنفسّ وحركة وتكاثر.

فالإنسان كان حياً بهذا المعنى وانما انتخب منه فرداً واصطفاه واسكنه جنته بعد ان نفخ فيه روح الايمان فاستحق السجود لهذا السبب ويدل عليه قوله تعالى:

"ان الله اصطفى آدم ونوحاً..."

فالاصطفاء لا يكون إلا من مجموعة متشابهة وإذن فقد اختار الله آدم من مجموعة من بني الإنسان.

تدل على هذه الحقيقة آيات كثيرة وروايات أيضاً بشرط ان نفهمها وفق الحل القصدي للغة.

من ذلك مثلاً ان هذا الكائن (الإنسان) لم يكن شيئاً مذكوراً قبل نفخ الروح. وهذا ما أكدته أوائل سورة الدهر:

"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا" ومنها أيضاً ان ترتيب الآية في سورة السجدة هو يعكس ما ذكره الاعتباط تماماً.

فالفهم السابق يزعم ان آدم قد خلق من طين على هيئة تمثال ثم نفخ فيه الروح فصار كائناً حيّاً.

بينما آدم هو انسان حيّ متطور عن جنس سابق وحينما نفخ فيه الروح أصبح بذلك أحد الأصفياء وإلا فهو حيّ قبل ذلك.

إذ لا تلازم بين الروح والحياة فالموارد القرآنية ذكرت النفس وعلاقتها بالموت والحياة ولم تذكر الروح.

ولا يوجد سوى مورد واحد استعمل فيه الضمير من غير اسم في سورة الواقعة هو قوله تعالى:

"فلولا ان كنتم غير مدينين ترجعونها ان كنتم صادقين" إذ قال الاعتباط: ترجعون الروح.

وقد أبطلناه لان الروح في القرآن مذكر والمورد مؤنث فهو يعود إلى النفس التي انثت في القرآن في جميع الموارد.

من جهة أخرى استفدنا من حديث الامام علي (ع) في تقسيم الارواح فهي في الحديث خمسة ارواح ثلاثة عامة لكل الخلق وهي روح البدن وروح القوة وروح الشهوة.

وروح للمؤمنين خاصة وهي (روح الايمان). والخامس للرسل والاولياء وهوَ (روح القدس).

إذن فالروح عبارة عن قوى من عالم الأمر "ويسألونك من الروح قل الروح من أمر ربّي". فبعضها أرضي المنشأ مادي الصورة وان كنّا لا نراه فهو مصدر حياة الكائن الحي من تنفس وتغذي وحركة لارتباطها (بالبدن والقوة والشهوة).

وبعضها سماوي المنشأ وهما روح الايمان وروح القدس فهذا يسقط الاعتراض أو الاشكال المتعلق بعذاب الكافرين إذ سأل الاعتباط عن كيفية تعذيب الكافر وفيه روح الله؟ فالكافر ليس له روح من الله انما روح مادي الطبيعة فقط.

اما الترتيب في سورة السجدة فهو يؤكد هذه المراحل: قال تعالى:

"الذي احسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسلهُ من سلالة من ماءٍ مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه.."7-9/السجدة.

إذن فالترتيب هوَ على النحو الآتي:



هذا الترتيب هو المستخرج من الجمع بين الموارد التي ذكرت مراحل الخلق فآية السجدة واضحة إذ تقدمت فيها مادة التناسل (الماء المهين) والسلالة والنسل على نفخ الروح وهذا يعني ان الكائن الحي ومتكاثر وله افراد وذرية قبل نفخ الروح.

وبعد أن اختصرنا الامر نعود إلى موردي الحجر وصاد ولنرى ما هو سبب ربط لعنة ابليس (بيوم الدين)؟

من المعلوم ان كل آية في القرآن تتضمن افعالاً مختلفة الصيغ تتضمن التفافاً وانتقالاً في الازمان وهو أمر اكدنا عليه في حلنا القصدي للغة حيث لاحظ هذا الحل ان أي تقدير للازمنة هو تحريف للآية فيجب ملاحظة الازمنة المختلفة واعتبارها من مقاصد المتكلم. "انظر قواعد المنهج اللفظي من كتاب النظام القرآني". وبناءً على ذلك فلا تكرار في الموارد القرآنية لأنها مختلفة في الغايات وان تشابهت في أكثر الألفاظ لوجود اختلافات في الصيغ وفي الترتيب.

ومن هنا يمكن القول ان مورد سورة الحجر يروي لنا واقعة السجود للبشر ابّان مرحلة الصلصال.

بينما يروي لنا مورد سورة صاد عرضاً آخر على الملائكة لان يسجدوا للبشر المخلوق من طين ابان مرحلة الطين.ولما كانت مرحلة الطين اكثر تقدماً وتطوراً من الصلصال فاننا نتوقع ان تكون الاجابة على عدم السجود (من قبل ابليس) اكثر شدة وصرامةً من المرحلة السابقة.

لأنه خلال تلك الفترة الطويلة لا بد وان يكون الملائكة قد لاحظوا التطور والترقي لهذا الكائن - وبالتالي فان المعرض عن السجود يستحق المزيد من التعنيف والوصف المشين.

وهكذا تميّز مورد صاد عن مورد الحجر:

مورد الحجر: "إلا إبليس ابى ان يكون مَعَ الساجدين" الحجر/31

مورد صاد: "إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين" صاد/74

ففي المورد الاول أي في مرحلة الصلصال اكتفى بان ذكر آباءه وإعراضه عن السجود فاكتفى بهذا في مورد الحجر.

بينما في مرحلة الطين وصفه بالاستكبار والكفر.

وبناءً على ذلك نتوقع ان الوصف سيكون اشد في مرحلة الآدمية وبعد نفخ الروح.

ونلاحظ ذلك في مرحلة (الخليفة) حيث أشار على الملائكة قائلاً "إني جاعل في الأرض خليفة" وهو مورد منفرد في سورة البقرة. وبعد المناقشة التي جرت حول الخليفة وانتهت بفوز آدم في اختبار الأسماء صدر الأمر الفوري بالسجود لآدم فلم يكن مشروطاً كما في الحجر معاد بصيغة "فإذا سويته ونفخت فيه من روحي" بل بصيغة "اسجدوا لآدم". في هذا المورد اشتد وصف إبليس لاعراضه عن السجود فجمع له ثلاثة أوصاف هي مجموع ما في الحجر وصاد: "إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين" البقرة/34 وقد اخذ هذا المورد رقم آية موزع على الموردين الآنفين فالرقم (4) من صاد والرقم (3) من الحجر. وكأن هذا المورد يعطيك عنواناً يدلك على الموردين السابقين اللذين يمثلان مرحلتين سابقتين من الخلق إذ يمكنك استخراج الرقم الآخر للآية في صاد باعتبارها تمثل مجموع مرحلتين من مجموع الرقمين (3+4) = 7 بينما يمكنك استخراج الرقم الآخر للمرحلة الاولى من حاصل الفرق بينهما باعتبارها مرحلة اولى أي (4-3) =1 والناتج ان آية صاد يجب ان تكون برقم 74 وآية الحجر برقم 31- كما يمكنك ان تفعل العكس تستخرج آية البقرة من ملاحظة الآيتين.


 


رد مع اقتباس

إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المهدوي, النيلي, الطور, سبيط, كتاب, عالم

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
عالم الجن في سطور الذبحاوى منتدى الروحانيات 52 11-11-14 01:27 PM
ماذا بعد الامام المهدي (ع) ؟ هل تنتهي الحياة ؟ هل يبدا عالم الرجعة مباشرة ؟ أحمد الأحمدي منتدى الامام الحجة عجل الله فرجه الشريف 2 07-10-12 03:55 AM
رحلة روحانية إلى عالم الملكوت (( الموعود )) الفاطميه منتدى العائلة الاسلامية 7 06-06-12 01:05 PM
عامل الناس بأخلاقك لابأخلاقهم أنوار البصرة المنتدى العام 2 14-11-10 01:28 PM
الدخول الى عالم الروحانيات ankedo منتدى الروحانيات 6 13-11-10 02:55 PM

Bookmark and Share


الساعة الآن 08:40 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
HêĽм √ 3.2 OPS BY: ! ωαнαм ! © 2010
اصحاب عرب
منتديات طب الامام الصادق عليه السلام
This Forum used Arshfny Mod by islam servant
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009
أقسام المنتدى

المنتديات العامة | المنتدى العام | منتدى التعارف والاصدقاء | المنتديات الاســـلامية | منتدى القرآن الكريم | منتدى الدعاء والمناجاة | منتدى اهل البيت (ع) | منتدى الامام الحسين (ع) | منتدى الامام الحجة عجل الله فرجه الشريف | منتدى افراحنا واحزاننا | المنتـــديات الطبيـــة | منتدى الاعشاب الطبية وخواصها ومنافعها | منتدى طلبات العلاج المجاني | المنتديات الادبية | منتدى القصص الواقعية | منتدى الشعر والخواطر المنقولة والمتناقله | المنتـــديات المنوعـــة | منتدى الكومبيوتر والانترنت | المنتـــديات الادارية | منتدى الاقتراحات والشكاوي | منتدى العلاج بالرقية الشرعية | منتدى طب الائمة ( عليهم السلام ) | منتدى الاسئلة وطلبات الاعضاء | منتدى الروحانيات | منتدى العلوم العامة | منتدى الاسرة والمنزل | منتدى الطبخ ومتعلقاته | منتدى الديكورات المنزلية | منتدى العائلة الاسلامية | منتدى الاطفال | منتدى الكتب الالكترونية | المنتدى الخاص بعلاجات السيد الذبحاوي | استراحة الاعضاء | منتدى الصوتيات والمرئيات | منتدى الجوال الاسلامي | منتدى منجزات السيد الذبحاوي | منتدى المرأة الزينبية | المحذوفات | منتدى يعسوب الدين علي ( صلوات الله عليه ) | منتدى الصور والجرافيكس | منتدى التصوير الشخصي للأعضاء | منتدى الصور العامة والمتنوعة | منتدى الادارة | منتدى القصائد التي بأقلام الاعضاء | منتدى الحــــــــــوار الجاد | منتدى خاص بالشيخ عادل الابراهيمي ( خادم الحسين) |